يتيح السجال، غير المسبوق تقريباً، الذي شهده منبر الأمم المتحدة منذ حوالى أسبوعين بين الرئيسين باراك أوباما وفلاديمير بوتين كشف الكثير من سياسات وتوجهات القيادتين الأميركية والروسية، وبينها أحد أهم أسباب التدخل العسكري الروسي في سوريا. هذا ينطبق على الموقف الروسي بدرجة أكبر بسبب أن خطة روسيا للتدخل العسكري في سوريا قد كانت منجزة وشبه معلنة. وهي، بالفعل، وضعت موضع التنفيذ فور عودة الرئيس الروسي من الأمم المتحدة حين باشرت طائرات «السوخوي» الروسية غاراتها، بسرعة وتصميم وفعالية، على مواقع متعددة في سوريا.


رغم المظاهر، ليس التدخل الروسي عملاً هجومياً صرف. إنه كذلك فقط في الشكل. أما في الجوهر، فهو يندرج في سياق نهج روسي دفاعي في مواجهة سياسات أميركية خصوصاً وغربية عموماً عملت، دون كلل، على إضعاف روسيا: من الخارج، بكل أشكال الحصار السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي، ومن الداخل عبر محاولات متواصلة لمنع قيام سلطة مختلفة عن حكم المافيات المدعوم من الغرب والذي كان قائماً في مرحلة حكم الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين. في وجه سلطة الرئيس بوتين أثيرت تباعاً مشاكل لا تنتهي: الحريات وحقوق الإنسان. ومسألة تجديد ولاية الرئيس الروسي وتعديل الدستور. ودعم تحرّك المعارضة الداخلية بما فيها التمرد الشيشاني. وتحريض الدول التي كانت جزءاً من المنظومة السوفياتية السابقة وعقد معاهدات وإبرام اتفاقيات سياسية وأمنية استفزازية مع تلك الدول، موجهة، تحديداً، ضد الدولة والقيادة الروسيتين (بما في ذلك نصب منظومات دروع صواريخ سعياً لتحجيم القدرات العسكرية الروسية وتحويلها إلى قدرات محض دفاعية).
كان على بوتين أن يوطد دعائم حكمه في الداخل: ضَرَبَ، أو حجَّم، أو استوعب (في نطاق سلطته) إمبراطوريات المافيات الروسية في الحقول الأساسية، ومنها الإعلام بالدرجة الأولى. عزَّز قبضته على الجيش والأجهزة الأمنية، وهو الضابط السابق في المخابرات السوفياتية. لجأ إلى المناورة تجنباً لتعديل الدستور، عبر اعتماد صيغة التناوب مع صديقه وتلميذه مدفيديف. استخدم أقصى العنف لمواجهة حركة الانفصال الشيشانية الداخلية التي كانت تغذيها الاستخبارات الغربية والسعودية. كشَّر عن أنيابه في جورجيا. قدم مساعدات تعادل الرشوة للاحتفاظ بحكم حليف في أوكرانيا. لجأ، أحياناً، إلى تصفية جسدية لأخطر خصومة ممن استهدفوا نظامه بدعم من الخارج. لكن بعض نجاحاته في مواجهة الهجوم الأميركي والغربي ظلت قاصرة عن وقف الهجوم الشامل على نظامه، والذي اتخذ أبعاداً دولية، أمنية وسياسية خطيرة، بعد غزو العراق واحتلاله وتغيير نظامه بالقوة العسكرية المباشرة، ولاحقاً، بعد استغلال وتشويه أهداف الاحتجاجات الشعبية، في عدد من البلدان الشرق أوسطية (ولاحقاً أوكرانيا)، بغرض تحويلها إلى نسخة حيّة من «الفوضى الخلاقة» التي روَّج لها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن وحلفاؤه «المحافظون الجدد» في نطاق مشروع «الشرق الأوسط الكبير».
كان بوتين قد احتجّ، منذ الغزو الأميركي للعراق، على محاولة الإدارة الأميركية «التفرد بإدارة العالم» عبر الجنوح نحو الغزو والاجتياح بالقوة العسكرية وخلافاً لمبادئ الشرعية الدولية. بعد استغلال عدد من احتجاجات «الربيع العربي»، استشعر بوتين اقتراب الخطر من سلطته أكثر عبر إثارة المشاكل والفوضى في البلدان المستهدفة تمهيداً لتغيير أنظمتها في خدمة سياسات الهيمنة الأميركية دون تحمل أعباء تدخل عسكري أميركي مباشر كما كان يحصل في عهد «المحافظين الجدد». المشاركة الواسعة لمقاتلين روس شيشانيين في القتال في سوريا وتحقيق نجاحات كبيرة لمصلحة المتطرفين، هو ما أثار القلق الأكبر الذي عبَّر عنه الرئيس الروسي في خطابه في الأمم المتحدة، رافضاً نهج التواطؤ مع الإرهاب والإرهابيين لتغيير الأنظمة ولو أدى ذلك إلى الفراغ وإثارة الفوضى اللذين يوظفهما الإرهابيون لتوسيع نفوذهم واستهداف بلدان جديدة. إن نجاح المتطرفين في سوريا سيفتح الطريق واسعاً أمام إمكانية ممارسة تأثير غير محدود على عشرات الملايين من المواطنين ممن يعتنقون الديانة الإسلامية في الداخل الروسي وفي الجمهوريات الآسيوية الواقعة على الحدود الروسية.
رئيس الورزاء الروسي، من جهته، عبَّر عن هذه الخشية مباشرة في حديث جديد له بعد انطلاق العملية الجوية في سوريا: «نقاتلهم هناك (في سوريا) لكي لا نقاتلهم هنا بعد عودتهم (منتصرين ضمناً) إلى بلادنا!».
هذا هو الجوهر الدفاعي للعملية الروسية في سوريا. أما تكتيكياً، فقد استفادت القيادة الروسية من الارتباك الأميركي ما بين هدفي القضاء على سلطة الرئيس السوري بشار الأسد واستنزاف حلفائه (بمن فيهم الروس)، وتعاظم خطر الجماعات الإرهابية التي حققت نجاحات هائلة وبات خطرها يُهدد العالم أجمع، ما اضطر الإدارة الأميركية إلى إعلان الحرب الشاملة عليها وتشكيل تحالف محلي ودولي من أجل ذلك. أدى الارتباك الأميركي، وتضارب المصالح بين حلفاء واشنطن في المنطقة (السعودية وتركيا خصوصاً)، والفشل الذريع لبعض تجارب التدخل (خصوصاً في ليبيا) وتكرار الأخطاء التي اعترف ببعضها الرئيس الأميركي نفسه، إلى توفير فرصة استفاد منها الرئيس الروسي إلى الحد الأقصى: إعطاء شعار الحرب على الإرهاب مضموناً جديداً، محرجاً للشعار الأميركي الذي بقي غالباً ذا طابع إعلامي وموظفاً في خدمة سياسات أميركية مناورة وانتظارية لتغيير التوازنات التي كانت قد بدأت، أخيراً، تختل في سوريا لمصلحة الجماعات الإرهابية المتطرفة التي تمكنت من إنهاك وتشتيت قوى الجيش السوري. إذا كان الهجوم هو، أحياناً، أفضل أنواع الدفاع، فإن القيادة الروسية تهاجم في سوريا، ليس فقط من أجل الدفاع عن النظام السوري، بل أساساً، من أجل الدفاع عن النظام الروسي نفسه! يتحدث القادة الروس عن الأميركيين والغربيين عموماً بوصفهم «شركاء». اكتشف المسؤولون الروس أن هؤلاء لن يقبلوا «الشراكة» ما لم يتكرس توازن جديد تفرضه روسيا بمناعة وضعها الداخلي وتحصنه بمبادراتها وتحالفاتها وتشبثها بمصالحها ودورها الدوليين في مواجهة الحصار الأميركي والاستفزازات التي ينفذها ضدها حلفاء واشنطن، وخصوصاً منها معركة النفط التي أربكت الوضع الاقتصادي الروسي وأدخلته في ركود خطير وألحقت أضراراً كبيرة بالمواطنين الروس الذين تراجعت مداخيلهم إلى ما يقارب النصف.
لا شك في أن الرئيس الروسي قد استغل صعوبات الإدارة الأميركية الحالية، التي ورثتها عن الإدارة «البوشية» السابقة. ولذلك هو لجأ إلى المبادرة والإقدام في حين تتسم السياسة الأميركية بالحذر والإحجام. مهمته ليست سهلة أبداً: لا في سوريا، ولا في المنطقة ولا في العالم. التدخل الخارجي (العسكري خصوصاً) ليس مقبولاً من حيث المبدأ. لكن التدخل الروسي وقع إثر مسلسل تدخلات متعددة في سوريا، وقد تنتج منه عملية تصحيح للعلاقات الدولية عموماً وللعلاقات الأميركية الروسية خصوصاً. ثم إن العملية الروسية تطرح ضرورة الالتزام الحقيقي بملف مكافحة الإرهاب، ما يضفي على العملية الروسية، في حال النجاح والمثابرة، سمة إنقاذية عامة تذكّر، بطريقة ما، بالتضحيات والبطولات الروسية (السوفياتية) في مواجهة النازية والفاشية في الحرب الكونية الثانية.
سيستفيد العرب من التناقضات والتطورات الراهنة لو كانت لديهم سلطات تدافع عن مصالحهم. وفق المجريات الحالية لا ضمانة أبداً، رغم المظاهر، لتفادي أن يكونوا الخاسر الأكبر عندما تقرر الساحات والتوازنات مصير التسويات. منطقتنا هي الآن الأكثر اشتعالاً والأكثر معاناة. السبب يعود ليس فقط إلى أطماع الخارج، بل، أساساً، إلى اختلالات الداخل الناجمة عن سوء الأنظمة والحكام بالتكافل والتضامن والمسؤولية!
* كاتب وسياسي لبناني