وكأن خلاصات هائمة على وجهها في مضاربنا تستعصي للآن على مركز أبحاث أو صانع قرار عربي ليخرج بها. الأخيرون ما خرجوا يوماً عن منطق ممجوج بات يحيل كل حدث إلى ما هو مخطط له «بعناية» في دوائر خارجية ولم يتوقفوا البتة عن استدعاء مصطلحات الغول التي رقّع بها العرب الأوائل هناتهم وسقطاتهم المتواترة. حينها، أحالوا تخبطهم إلى خبث بني الأصفر أو مكر مجوسي صودف وجوده في المكان تماماً كما يجري الآن تنسيب مراكب الموت في المتوسط الممتلئة عن آخرها بفشل كل ما حاولناه منذ أفول السلطنة إلى مؤمرات أطلسية.


ولم يلوِ منطق التحليل الاستراتيجي المعربد على شيء من الاتساق إلا بعدما تعسف في افتراض دوائر شر في الأقبية والغرف السوداء وغيرها من مخلوقات غريبة تعشعش عادة في العتمة وفي أدمغة من تعوزهم النزاهة والقراءة الباردة للأحداث الحارة.
لا شيء خارج عن المألوف في بلادنا. جياع وعقائد بالية وقادة وأحزاب يتوزع بعض المنطق بينهم بنسب متفاوتة ولا يختصرونه البتة.
إذاً، ما الخوف من فرط كل شيء والعودة إلى المواد الأولية. ليكن ذلك افتراضياً في الوقت الحالي. ما هي المواد الخام لنصنع مؤسسات دولتية تجنّب والداً من رمي ابنته الميتة في البحر كي يتسع المركب لمهاجر آخر رمى دواء السكري بعيداً عنها في مركب قبالة السواحل الليبية؟ أسئلة من هذا القبيل جرى التدليس عليها وطمرها بأطنان من الإجابات المعلبة التي رمت أوزار الفشل على الخارج حصراً واستقالت قرائحنا بالتالي من الجهد المعرفي والنزاهة اللازمين للإضاءة على مكامن الخلل المحلية.


إن ضحايا هذا البث
المتمادي من التسطيح هم المتلقون العاديون

هذا الخارج «الشرير» كان شريراً أيضاً عندما انتزعت أكثر من أمة ودولة مكانتها على خريطة القوة، فلماذا يمنعنا شرّه المزعوم عن ذلك؟ لن يكون غريباً أن يصاب أحدنا بالتطير وأن يتساءل عما يدفع هذه المنطقة إلى أن تثير هذا القدر من الجلبة على الكوكب بالتوازي مع ضمور أهميتها الاستراتيجية على أكثر من صعيد، وعمن يفتح لنا كوّة خمول دافئة في المنطق لنستئنس داخلها ونغلق خلفنا باب التناضح مع الوقائع؟
لا وقت للمواربة ولا طاقة للكتابة بين السطور لأن اللغة فاضت بالدماء وفضحت كل تأويل وفكت رموز الكناية. ولأن الخسائر غالباً ما تكون شاملة، يستحسن أن نخسر أيضاً كتاب التربية الوطنية في مدارسنا وكراس الوعظ في مساجدنا وربما لنتوقف عن طهي البرازق في المخابز الشامية العتيقة.
فقط، لنقترف مغايراً ما علّنا نصيب مقتلاً في حكمة. هذا المقال يخاطر في أن يكون سخيفاً فقط ليطرد الارواح الشريرة من عقول استراتيجيي المحاور وحاسمي المعارك وسير التاريخ الإقليمي على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة. هؤلاء الذين يفترضون كل شيء، من الغول حتى شرشبيل السنافر، ليمتنعوا عن التروي والاعتراف بقصور تحليلاتهم أحياناً عن إدراك حجم وكنه الحدث. لا حاجة للقول إن ضحايا هذا البث المتمادي من التسطيح هم المتلقون العاديون، ومن يدري فربما من بينهم صانعو قرار وقادة رأي. والحديث ذو شجون في هذا السياق، من غياب أوليات قراءة الحدث ونماذج صناعة القرار الخارجي والغياب شبه التام لتلمّس المنحنيات والفروقات الدقيقة، ولكن بالغة الاهمية، في اللوحة الغنية الذي يطلق عليها ببساطة لفظ مفرد وأصم هو «الخارج». فقط مؤخراً بدأنا نرى أرقاماً ونسباً مئوية وإحصاءات تتخلل بعض المقالات والمداخلات التحليلية وهذا مؤشر إيجابي، طال انتظاره، على الرصانة المنهجية الوافدة على الثقافة السياسية.
للأمانة، كواليس السفارات ودوائر القرار في الأقبية والغرف السوداء كلها مخلوقات أرضية مسلم بوجودها، ولكن أن تستدعى على جهل كصمغ يشد من أزر سيناريوهات متهافتة فذلك شأن آخر. هذا الشرق الاوسط، باستثناء إسرائيل، لا يعاني من مشاكل غير اعتيادية. مزيج من إرتفاع معدلات البطالة والفقر والفساد والدول الفاشلة، فلماذا تبدو مقارباتنا وقراءاتنا للأحداث أحياناً وكأنها سطور فضائية أو بقع غريبة تتطفل على لوحة المنطق السليم والهادئ، وفي اللحظة التي يفض فيها أحدنا عالم القول، أو التقوّل الاستراتيجي، لماذا تكون التفاصيل أول الضحايا؟ ربما يرجع الأمر جزئياً إلى فهم البعض للقراءة الاستراتيجية على أنها قفز رشيق على التفاصيل الصغيرة بينما هي في الحقيقة قفزة حذرة في المجهول تبني جدارتها ومنطقها فقط على الاستبيانات والحقائق والأرقام التفصيلية وشتان بين النظرتين.
لا تتنطح هذه المقالة لتقول ما الحل، هي فقط تحاول أن تدفع إلى تبني ميثاق شرف في التروي في قراءة الحدث وفرملة الاندفاعة التلقائية للخروج بخلاصات أنيقة ولكن متهافتة غالباً. لنتواضع قليلاً ولنتوقف عن التعبد لطوطم الأفكار المسبقة والسيناريوهات الفارهة. المجد للمواد الأولية وللتفاصيل الصغيرة ولروح تلك الطفلة التي فتك بها السكري ونحن في عرض أكثر من بحر.
*كاتب لبناني