هل صحيح أن سياسة الولايات المتحدة الاميركية تجاه تنظيم "داعش" جدية وتستهدف القضاء عليه؟ ومتى بدأت هذه التغيّرات؟ ولماذا الصمت عليه وعليها لحد الآن؟ ومَن يساعده في نشاطاته الاعلامية والمالية التي ترعاها أجهزتها وحلفاؤها؟ ما يرسمه البنتاغون من سياسات عسكرية لا يؤشر الى اتجاهات اميركية فقط وإنما مخططات قديمة جديدة، او موجودة ومعدّة لظروف وحالات معيّنة وتُحدث وتقدم حسب التطورات والمواقف على الارض والأهداف والمصالح، وتجربة تنظيم القاعدة وأفغانستان والمال والرجال العرب فيه لم تعد مخفية او مجهولة لمن لديه بصر وبصيرة. ورغم كل ذلك فلم تتعظ الادارة الاميركية ولا ممولوها ومتخادموها العرب خصوصاً، وحلفاؤها الاوروبيون عموماً، من كل الدروس والعبر في تلك التجربة ومثيلاتها.


لم يعد سراً او مجهولاً ما تقوم به الولايات المتحدة ازاء تنظيمات الارهاب واستغلالها في اطار مشاريعها ومخططاتها. فسياساتها وبرامجها شجّعت على صناعة التنظيم وسهّلت له كل اموره وجهزته بكل احتياجاته، المادية والبشرية، ووفّرت له دعماً متكاملاً من المنشأ وحتى ساحات المعارك والخراب والدمار. هيّأت غرف العمليات المشتركة على الحدود السورية والعراقية من الشمال والجنوب والغرب، وقدّمت له كل الخدمات المطلوبة، اعداداً وتدريباً وأسلحة وإغراءات وشراء ذمم وضمائر وتسهيلات متنوعة مع آلة حربية اعلامية واسعة، من فضائيات ومواقع الكترونية وتواصل اجتماعي وصحف وإذاعات، وغيرها من ابواق العار العربي المخجل والمثير للاشمئزاز الانساني. واستخدمت نفوذها وتحالفاتها وأحلافها في كل مسيرة التنظيم وتسمينه واستمراره الى الآن. وهي المسؤولة الاولى في تطورات الاوضاع المتعلقة بالتنظيم وفي المنطقة، بحكم قدراتها ومخططاتها ودورها ونفوذها السياسي والاقتصادي والأمني وتنافساتها الاستراتيجية وصراعاتها الدولية.
في الوقت الذي توجه الانظار الى تحركات عسكرية وسياسية من اطراف غيرها، قامت او نفذت سياسات العودة للاحتلال والاستعمار من جديد في المنطقة العربية خصوصاً. وهي اذ تغطي ذلك او تتستر عليه رسمياً إلا انه قد ظهر بوضوح بإعادة بناء قواعد عسكرية وإرسال قوات خاصة تحت مسميات تدريب واستشارة وغيرها من العناوين في العراق وسوريا وجنوب تركيا... اتفاقاً او تفاهماً او فرضاً وضعه البنتاغون ونفذه في الميادين. ولعل الابرز هو ما سربته وكالات انباء وصحف ليست بعيدة عن مصادر القرار او العلاقات العامة به، تنشر ما يُسرّب او تمرر ما يراد ان يُقرأ ويُسمع ويرى. فتحت عنوان: فرقة أميركية خاصة لاصطياد الدواعش، نشرت صحيفة "الصباح" العراقية، يوم 27/08/2015، ما نصه: "كشفت مصادر عسكرية وحكومية متطابقة، عن وجود فرقة عمليات أميركية خاصة في ملاحقة قيادات الصف الأول في تنظيم داعش المتطرف، لتصفيتهم وإحداث خلل في قيادتهم كما فعلت واشنطن خلال السنوات الماضية مع قيادات تنظيم القاعدة". والنص واضح من صياغته ونشره والمطلوب منه، للجهة التي اعلنته. وأضافت الصحيفة الى هذا الخبر: "وأفاد عسكريون عراقيون رفيعو المستوى، لإحدى الوكالات الاجنبية، (من هي؟) بان الفرقة الاميركية تنهمك في الوقت الراهن في تصفية هذه القيادات في كل من سوريا والعراق، في وقت لا يبدو فيه أن التنظيم قادر على توليد أو إنتاج قادة مثل الحاليين، الذين يمسكون زمام القرار العسكري والشرعي والمالي. وفي هـذا الإطار، أكد مسؤول حكومي رفيع المستوى، فضل عدم نشـر اسمه، (؟!) وجود فرقة عسكرية أميركية خاصة تتنقل بين بغداد ودول عدة بالمنطقة وتعمل على تتبع أثر القادة البارزين بتنظيم داعش من خلال شبكة تجسس بشرية وتقنية واسعة تتمثل في عملاء لها على الأرض، وأقمار صناعية وعمليات تجسس على المكالمات الهاتفية الصادرة عن المناطق، التي يسيطر عليها التنظيم في كل من العراق وسوريا".
كما نشرت وكالة "المدى برس" العراقية يوم 26/08/2015 خبراً اوردت فيه "ان اهالي محافظة نينوى يتحدثون عن مشاهدات، منذ اسابيع، لتحضيرات عسكرية غير معلنة يبدو ان الهدف من ورائها اطلاق حملة تحرير الموصل في وقت قريب وبمشاركة قوات برية غربية. وشوهد، خلال الايام الماضية، وصول ارتال عسكرية اميركية ومن جنسيات اخرى الى مناطق في شرق وغرب الموصل، وهي تحمل اسلحة ثقيلة ومؤن. ولم تعرف، بحسب مسؤولين موصليين، حتى الآن ما إذا كانت القوات الغربية، التي وصلت الى اطراف الموصل، ستشارك في القتال بشكل مباشر ام انها ستكتفي بمهام التدريب، لكنهم اشاروا الى ان المعدات التي ترافق القوات الاجنبية لا تدل على انها ستكتفي بالتدريب او تقديم الاستشارة فحسب". وسبقت ذلك تسريبات متناثرة تدور كلها او تصب في الاشارة الى مثل تلك الاخبار ولكنها لا تؤكد ما تنشر بل تحيلها كما هو مذكور الى مصادر لا ترغب بتعريف نفسها او الى مصادرها الخاصة وما شابه ذلك.
تستكمل الاخبار، اضافة الى نينوى، بما يجري في محافظة الأنبار، بمختلف مدنها، ومنها الفلوجة والحبانية، وكل هذا يتم على المكشوف والمعلن، إلا ان بعض الجهات الرسمية، العراقية او الاميركية، تحاول "النأي بالنفس" عن كل هذه التطورات وخطورتها وإضرارها على الوقائع الاستراتيحية المرسومة لخريطة العراق والمنطقة. بل ان بعضها من يريد عبر المطالبات المخادعة او التوافقات المضمرة تبديل الوجهة أو التأثير على الرأي العام بما هو غير ما يحدث عملياً على الارض، ومنها للأسف يتدخل للمناكفة السياسية اكثر مما هو حرص وطني او سياسي او اهتمام فعلي بمستقبل الشعب والوطن.
حسب وكالات الانباء العديدة التي نشرت خبراً اخر اكثر وضوحاً يوم 11/09/2015، يقول ان البنتاغون سينشر قسماً من طائراته في أربيل، شمال العراق، تمهيداً لشن ضربة عسكرية على تنظيم "داعش"، فيما تحدثت مصادر تركية أن أنقرة لن تشارك في أي ضربة تستهدف هذا التنظيم، ولكنها سلمت قواعدها للطائرات الاميركية.
الخلاصة وفي كل الاحوال، البنتاغون، وزارة الحرب الاميركية، يخطط ويسعى إلى إعادة الهيمنة والاستعمار المباشر، العسكري والسياسي، قواعد ونفوذاً واستغلالاً للمتخادمين معه والعاملين باسماء متعددة، منها تنظيمات متشددة تستهدف ضمناً الأديان والأفكار والقيم، من اجل المصالح والأهداف الصهيو غربية المعروفة.

* كاتب عراقي