عندما أخبر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، أثناء مؤتمر يالطا في شباط 1945، بأن بابا الفاتيكان قد أعلن الحرب على هتلر، أجابه ستالين ساخراً: «كم دبابة عند بابا الفاتيكان؟». أتت هذه السخرية من زعيم شيوعي يؤمن بالفكر الماركسي الذي يَعتبر بأن السياسة تُقاس بالقوة المادية التي وراءها، السلاح مثلاً.


يبلغ عدد سكان دولة الفاتيكان، وفق أرقام روزنامة العالم الصادرة في نيويورك عام 2010، 826 شخصاً فقط هم: البابا والكرادلة وباقي رجال الدين المحيطين بالحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية. قد تكون سخرية ستالين مستوحاة من عديد الدولة الصغير التي تقوم في ظاهرها على أسس قوية، ولكنها لا تستوفي حتى الرأي الماركسي المكمل وهو أنّ الأفكار «تتحول إلى قوة مادية» عبر قوة حامليها. ربما، إذا لم يكن على الأرجح، أتى الردّ على عبارة ستالين من وارسو في خريف عام 1980، لمّا كان البابا يوحنا بولس الثاني (بولندي الأصل وأول شخص غير ايطالي يترأس عام 1978 الكرسي الرسولي) هو الراعي لحركة «التضامن» التي ساندها ملايين البولنديين في محاربة الحكم الشيوعي في العاصمة البولندية وداعميه في الكرملين السوفياتي، لتكون تلك الحركة الاهتزاز الأول في منظومة حلف وارسو السوفياتية. وعلى الرغم من فرض حالة الطوارئ في الشهر الأخير من عام 1981 وملاحقة وسجن قادة «التضامن»، إلا أنّ هؤلاء كانوا أول من أطلق صافرة نهاية حكم الشيوعية في أوروبا الشرقية والوسطى في حزيران، قبيل انهيارات خريف 1989 في دول حلف وارسو وقبل أسبوعٍ من تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991. وفي النتيجة، تبوأ زعيم «التضامن» ليش فاليسا سدّة الرئاسة خلفاً للجنرال ياروزلسكي، الذي اعتقل فاليسا عام 1981 بعد فرض حالة الطوارئ.
على الأغلب، شكلّ مجيء فاليسا الى الرئاسة انتصاراً لبابا الفاتيكان على ستالين بعد حوالى نصف قرن. إلا أنّ ذلك لا يعني، في رمزيته، هزيمةً للماركسية في السياسة. فكارل ماركس يقول إنّ «الانسان ليس كائناً مجرداً. الانسان هو عالم الانسان، الدولة، المجتمع» (نقد فلسفة الحق عند هيغل، مطلع عام 1844). وبالتالي، الانسان لا يحمل أفكاراً مجردّة. أفكاره السياسية تُقاس عبر الاقتصاد والاجتماع، أي هي مبنية على علاقات يُحدّدها هذان الاختصاصان. أفكاره لا تُقاس بالمنطق أو قوة الحجة، بل بتعبيرها عن مصالح تتولد منها القوة الاقتصادية التي تُنتج ترجمات في الدولة عبر نظام سياسي، دستوري وتشريعي.
حجم القوة الاجتماعية لحاملي الفكر السياسي المعين، سواء عبر تصويت انتخابي أو حركة جماهيرية يقودها حزب أو حركة سياسية أوشخص، هي رائز عملي لمدى قوة هذا الفكر السياسي الذي ينتج ايديولوجية وبرنامجاً سياسياً لحزب أوحركة سياسية. الحقوق، أي الدستور والتشريع، ليست سوى مظهر بالنسبة الى ماركس، «هذا النقد لفلسفة الحقوق يطرح مشكلات ومهام لا حلّ لها سوى بالنشاط العينيّ العمليّ والعمل السياسي والاجتماعي»، وبالتالي مجال السياسة ليس في الفكر والحقوق، بل في انشاء توازنات عملية عبر القوة الماديّة، والقوى الاجتماعية تقود إلى تغيير في ما هو قائم منهما أو إلى انشاء بديل عنهما.
هذا الأمر يعني أن السياسة ليست فعلاً ذاتياً - إرادياً، بل هي «مملكة للأفعال الموضوعية»، حيث لا تستطيع الذات السياسية أن تكون فاعلة في الموضوع السياسي، سواء كان محلياً أو دولياً، إلا من خلال توازنات المحيط الموضوعي القائم أمام الذات الفاعلة سياسياً ومن خلال قراءتها الموضوعية لهذه التوازنات، وليس عبر القراءة الرغبوية الذاتية. فعلها يكتمل عبر نجاحها في إدارة الممكنات السياسية للوصول إلى تحقيق برنامج مرحليّ ثم أهداف برنامجيّة أبعد من مرحليّة.
هذه النظرة الماركسيّة للسياسة انتصرت في الغرب الأوروبي - الأميركي بالتوازي مع تبنيها في معسكر اليمين الليبرالي ثم اليمين الفاشي – النازي، منذ التقاء البراغماتية مع وليام جيمس (توفي عام 1910) للماركسية في ذلك.
تشرشل الذي عبّر في مذكراته عن دهشته واستغرابه من عبارة ستالين، له في الوقت عينه عبارة يعتبرها ممراً إجبارياً الى السياسة: «الدم والوحل والدموع». هنا، في العالم العربي، ما زال هناك عدم تطابق مع النظرة السائدة للسياسة في الغرب بيمينه ويساره. ورغم قيام اسرائيل على القوة العارية التي انتصرت بدعم غربي على الحق الفلسطيني، ما زال هناك لدى العرب نظرة حقوقية للسياسة تراها بوصفها عالماً للصراع بين الحق والباطل ولكنها لا تستطيع تفسير الصمت العالمي، شرقاً وغرباً، عن تلك العبارة التي أطلقها أفيغدور ليبرمان في التسعينيات من على منبر الكنيست الاسرائيلي ضد النائب أحمد الطيبي: «اخرج من وطني». عبارة قالها مهاجر يهودي أتى في الثمانينيات من مولدافيا الى أرض فلسطين، متوجهاً إلى ابن عائلة تمتد جذورها الفلسطينية الى أكثر من ألف عام. لا تفسر تلك العبارة أو تُدحض عبر الحق، بل من خلال عبارة توماس هوبز في كتابه «الليفياثان» (صادر عام 1651): «الانسان ذئب». والعلاقات الدولية والمحلية والاقليمية غابة من الذئاب تقوم على القوة العارية. أما الحقوق فتُقاس فقط بمسطرتيّ القوة والمصالح. ولا يحفظ ويصان ويدافع عن الحق إلا عبرهما. ما زالت تلك النظرة الحقوقية سائدة عند العرب رغم الزمن الطويل الذي يفصلنا عن نكبة 1948، وهو ما يدل على أن العرب لم يستخلصوا العبر من قيام دولة اسرائيل. الى جانب تلك النظرة الحقوقية للسياسة، هناك ينظر الكثير من المثقفين وكُتّاب الصحف العربية للسياسة من منظار ثقافي، على اعتبار أنّ السياسة ميداناً لصراع الأفكار والثقافات، وأنها ميدان لـ«المجرد» الذي يُمثل تلك الأفكار والثقافات. وبالتالي، هي تقاس بالمنطق والحجة، وتُحلل بهما أيضاً.
كما أنها، بالنسبة الى هؤلاء، ميدانٌ للإرادات لذلك تتضمن كتابات هؤلاء السياسية - التحليلية بعبارات مثل: أرى، أعتقد، أظن... والتي في النهاية لا تنتج أكثر من نصّ تحليلي - رغبوي يُعبّر عن ذاتٍ وليس عن موضوع، فيما نرى أنّ «أنا» الكاتب اليساري واليميني الغربي تختفي ولا تظهر في النصّ السياسي باعتبار أنّ السياسة هي «مملكة للأفعال الموضوعية».
* كاتب سوري