أشار رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام في جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء الماضي، الى تزايد المآخذ على الحكومة بسبب تعثر إنتاجيتها. عزا سبب ذلك الى الآلية المعتمدة في اتخاذ القرارات التي تشترط الاجماع في الموافقه، وبالتالي التوقيع، على تلك القرارات، ما جعل الإنتاجية في مستواها الأدنى.

الحقيقة أن الآلية معيقة بكل ما في الكلمة من معنى. وهي آلية جديرة فقط بـ «المعجزة» اللبنانية (ما غيرها) والتي يتكاثر الطلب عليها، في أكثر من بلد عربي في هذا الزمن
الرديء!

هي جديرة بنظامنا السياسي لأنه نظام تحاصصي أنشأ وعزز الانقسام والدويلات ومنع، في المقابل، إنشاء دولة موحدة ووحيدة وقادرة. ولقد استشرت المحاصصة، راهناً، الى أبعد الحدود، وبلغت كل الحقول، ووصلت إلى ذروة الفئوية والإضرار والأخطار. والمحاصصة نشأت وترعرعت واستمرت وقويت شوكتها في كنف الرعاية الخارجية، الدولية والإقليمية. وتكونت في امتداد ذلك معادلة الاستقواء بالخارج والولاء والتبعية له، من جهة، وتقاسم البلد وانقسامه وتفككه، من جهة ثانية!
لم يكن الشغور أمراً طارئاً على آلية وأسلوب إدارة الحكم في لبنان: على موقع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وتشكيل الحكومات... حتى المجلس النيابي لم يفلت من هذه القاعدة بالتمديد المتكرر وغير المبرر.

لا يندر أن تتجدّد الأزمات التي وجدت طريقها إلى «الحل» عبر الترقيع التحاصصي
الأمثلة على ما نقول ما زالت طرية في الواقع وفي الذهن. وليس مجرد صدفة سيئة ان يبلغ الشغور مداه الأقصى في المرحلة الراهنة. إننا بلغنا، في الواقع، مرحلة الفراغ الدستوري الكامل والشامل. هذه هي النتيجة الحقيقية والدستورية للتمديد للمجلس النيابي الذي منح الثقة لحكومة كلفت وتشكلت في كنف التمديد. وهكذا سيكون الأمر (عندما يأتي الأمر من صاحب الأمر!) عند انتخاب رئيس جديد للجمهورية. سابقاً، قيل في وعد بلفور إنه قد «أعطى من لا يملك لمن لا يستحق»! وعلى هذا النحو، تقريباً، فقد منح المجلس النيابي الحالي شرعية لسواه لا يملكها هو نفسه!
يستطيع، مع ذلك، القيمون على الحكم والنظام أن يبرروا الواقع الراهن بذريعة منع الفراغ. هم يلجأون، كالعادة، الى معزوفة التوافق و»الديموقراطية التوافقية». هذا، بالمعنى الدستوري لا معنى له إلا إحلال التوافق في موقع هو فوق القانون والدستور، وإحلال مصالح المتحاصصين فوق المصالح الوطنية!
في المسألة التي تبدو «تقنية» والتي يشكو منها الرئيس تمام سلام، أي مسألة جماعية الموافقة على القرار وجماعية التوقيع عليه، فقد اختارت القوى المشاركة في الحكومة الصيغة الأسوأ والأكثر فئوية، انسجاماً مع الدرك الذي بلغته المحاصصة الفئوية، الطائفية والمذهبية والسياسية. تنص المادة ٦٢ من الدستور على الآتي: «في حال خلو سدة الرئاسة لأي سبب كان، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء». لا يتضمن النص أي إضافات أو اشتراطات خصوصاً بهذه الحالة الاستثنائية.
ذلك يعني، حكماً ومنطقياً، أن مجلس الوزراء يباشر هذه المهمة وفق آليات عمله العادية، من دون زيادة أو نقصان. فمن أين جاءت إذن بدعة اشتراط الإجماع في الموافقة والتوقيع... لقد جاءت حتماً من المحاصصة التي استشرت وتمادت وعطلت... ولا شيء سواها!
ولذلك، وحيث أن الرئيس سلام هو من طرح الموضوع، وهو الذي استشعر، قبل الآخرين، أضراره العامة والخاصة، اي على الحكومة عموماً وعلى دور رئيسها خصوصاً، فإن بمقدوره الإصرار على إلغاء بدعة الإجماع المذكورة والعودة الى اعتماد الآلية العادية. نضيف أنه، الآن، في موقع القادر على ذلك بعد أن اجتاز مرحلة الدخول في نادي رؤساء الوزراء، وبعد أن أصبح أمر استبداله متعذراً بسبب الشغور الرئاسي. هذا فضلاً عن أنه مقبول من الجميع على قدم المساواة في مرحلة غياب البدائل المتفاهم عليها داخلياً
وخارجياً.
بالعودة الى جوهر الموضوع، أي الى السبب الحقيقي لتعثر الحكومة وعدم إنتاجيتها، فلا يمكن، حتماً، رد ذلك فقط إلى الآلية المتبعة في اتخاذ القرارات. الأحرى، في هذا الصدد، العودة الى مجموعة الأسباب التي تتزايد عاماً بعد عام، والتي تدفع بالبلد، من دون رحمة، إلى درك الدول الفاشلة. يمر أمام أعين اللبنانيين ويقرع أسماعهم كل يوم كمٌ متكرر من الأزمات والمشاكل والارتكابات في الحقول كافة: السياسية والأمنية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية... لا يُحل أو يُعالج شيء من كل ذلك الا متى وقع التوافق، أي متى بدا التقاسم ممكناً والمحاصصة قابلة للتطبيق، وغالباً، إن لم يكن دائماً، على حساب مصلحة الوطن والمواطن.
في هذا السياق، تضاف أزمات ومشاكل وارتكابات جديدة إلى أخرى قديمة. ولا يندر أن تتجدد الأزمات او المشاكل التي وجدت طريقها، عبر الترقيع التحاصصي الى «الحل». نذكر من ذلك، على سبيل المثال، مسألة المتعاقدين مع شركة كهرباء لبنان: كم مرة تكرر مشهد قطع الطرقات واحتلال مكاتب الشركة والإدارات في بيروت والمناطق... وكم نجم عن ذلك من تعطيل وتأخير وهدر. ومعروف، أصلاً، كم أرهق قطاع الكهرباء ميزانية الدولة بسبب النهب المتواصل وحشد الأزلام والمنتفعين، وكم أرهق أعصاب وجيوب المواطنين، وكم أساء إلى الاقتصاد والسياحة والخدمات الصحية والى البيئة... واليوم تكرر مسائل مطمر «الناعمة» وأضراره البيئية والصحية، والهدر والخوات والمحسوبيات في كازينو لبنان، والصراعات على مرفأ بيروت تحت عناوين التوسعة والردم... اما «الأمن» الغذائي فتنبعث منه أقذر روائح الفساد والتلاعب بحياة اللبنانيين... وهنا وهناك السبب واحد: غياب السلطة الحريصة والقادرة والمسؤولة والخاضعة للرقابة الرسمية والشعبية. يدار البلد، كما ذكرنا، بدون خطط وبرامج ورقابة ومحاسبة... يدار من قبل مواقع وقوى تتوسل العصبيات والانتماءات الطائفية والمذهبية وتتقاسم النفوذ والمؤسسات والموازنة والسلطة. تدور صراعات ضارية بين المتحاصصين في سياق سعي كل جهة أو فريق منهم للاستحواذ على الحصة الأدسم أو في مجرى محاولة المحافظة عليها. يجري الاستنجاد، كما أشرنا سابقاً، بالمرجعية الخارجية (التي تتبلور أكثر فأكثر بصورة مرجعية دينية ودنيوية في الوقت عينه) كلما استعصت التفاهمات الداخلية أو كلما اختلت أو اختلفت التوازنات أو تبدلت الظروف. بعض المحاولات التجميلية، التي تحصل من حين الى آخر، هي، غالباً، محاولات فردية، ودائماً معزولة عن أي سياق إصلاحي جزئي او
شامل.
بيد أن المنقسمين الذين فعلوا ويفعلون كل شيء على مذبح فئويتهم وارتهانهم والذين منعوا قيام بلد وشعب موحدين، لا يجدون أبداً أي صعوبة أو غضاضة في التوحد في وجه أي قوة أو محاولة للاعتراض على نظامهم أو امتيازاتهم. مثلُ الموقف من مطالب المعلمين والموظفين في القطاع العام سيبقى شاهداً على توحش عتاة المحاصصين عندما يتعلق الأمر بتهديد نظام سيطرتهم أو جزء منه.
اما في الموضوع الأمني فالمصيبة تجمع الآن. بعض الدعم للجيش محدود وموقت بانتظار زوال الغمامة التكفيرية الإرهابية التي تهدد الجميع.
سقط نظام المحاصصة. قوته ناجمة فقط عن غياب البديل السياسي الشعبي المؤهل للإنقاذ. هنا بيت القصيد!
* كاتب وسياسي لبناني