فوزي الأسمر *

الحديث عن «حرية التعبير» و«حرية التفكير» أصبح موضوع الساعة لدى الكثيرين في الوطن العربي. وانطلاقاً من ذلك، تكثّفت التبريرات للأسلوب الذي يتّبعه البعض، وطرق التعامل، وخصوصاً في الإعلام الموجه، الشيء الذي أخذ يمثّل خطراً على المجتمع وعلى الأبعاد القومية والفكرية العربية.
ويظهر هذا جلياً في المقابلات التي تجريها الفضائيات العربية، وفي المساحات الكبيرة التي تخصّصها الصحف العربية للرأي الآخر، وخصوصاً الإسرائيلية منها. وفي أي حوار في هذه النقطة بالذات، يشير القيّمون على هذه الوسائل الإعلامية إلى قيام بعض الصحف الأجنبية بما فيها الإسرائيلية بنقل وترجمة أفكار بعض الكتّاب العرب.
ويأتي هذا الموقف سطحياً لكون المدافعين عن هذا الأسلوب لا يتعمّقون، على ما يبدو، في فهم نوعية وأبعاد المقالات التي تقوم وسائل الإعلام الأجنبية بترجمتها ونشرها، وكيف أنها تصب بغالبيتها مباشرة في محور مواقف حكوماتهم لتعزيز دعايتها.
فنحن لا نعارض من ناحية المبدأ نقل آراء الآخرين بمن فيهم الأعداء، ولكن الأمر لا ينتهي عند ذلك. فحرية الفكر والتعبير عند وسائل الإعلام العربية، وخصوصاً الفضائيات منها، تنتهي أو تتوقف عند حدود البلد المموّل. فما دام الحديث يدور حول «هناك» فأمر مقبول ومبارك. أمّا إذا تتطرق هذا الحديث إلى «هنا»، ففي الأمر وجهة نظر أخرى.
ولكي لا ندور في حلقة مفرغة، لنأخذ مثلاً على ذلك. عندما قامت وزيرة خارجية إسرائيل، تسيبي ليفني، بزيارة قطر للمشاركة في مؤتمر عن «الديموقراطية» في العاصمة الدوحة، اغتاظ الشعب العربي بأغلبيته غضباً، ولكن شبكة «الجزيرة» القطرية لم تعط هذا الموضوع حقه ولم تعبّر عن غضب الشارع العربي على هذا السلوك.
فوزيرة الخارجية الإسرائيلية تقوم بزيارة لعاصمة عربية بناءً على دعوة رسمية لحضور مؤتمر عن الديموقراطية، وهي آتية من دولة محتلّة تقوم بحصار وتجويع وقتل شعب آخر تحت راية الديموقراطية نفسها. لقد قام شمعون بيريز قبلها بزيارة الدوحة وسار في الشوارع يحيّي الجماهير وفي الحالتين كانت تغطية «الجزيرة» تغطية جزئية لا تعبّر عن واقع ما يحدث.
كما أنّنا لم نشاهد وزيرة خارجية إسرائيل وهي تقوم بزيارة استديوهات «الجزيرة». ونحن هنا لا نتحدث عن تجاوزات حكومة قطر، فمن حقها، المرفوض عربياً، أن تقوم بذلك وأن تعقد سلاماً مع إسرائيل أو تدعو من تريد لزيارتها، وحقها أيضاً الخروج عن الصف العربي والتنكّر للمصالح القومية، ولكننا نتحدث عن حرية التعبير والتفكير، التي تنادي بها دولة قطر، وتجاهل نقل أفكار العربي الغاضب على هذه التجاوزت في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات البكاء والنواح والعويل على الجرائم التي تقوم بها إسرائيل «الديموقراطية». ونتساءل لماذا لم تفتح «الجزيرة»، على سبيل المثال، أبوابها للرأي الآخر؟
والمثال الآخر هو برنامج «شاهد على العصر» الذي يقدمه أحمد منصور. فحرية الفكر فيه هي التحدث عن السلبيات التي تتماشى وتفكير المقدم. ومرة أخرى لا مانع من عرض سلبيات العصر على الأجيال التي لم تكن شاهدة على العصر، ولكن هناك إيجابيات أيضاً يجب تقديمها للمشاهد كي يتعرف عليها، ولكي يتوازن الفكر والتفكير.ولا يكفي أن نرفع شعار «حرية التعبير» بل يجب أن نرتفع إلى مستواه أيضاً. ولكن يبدو أن الهوس الذي يعمّ، وخصوصاً الفضائيات العربية حول منح المنصّة للرأي الآخر القادم من إسرائيل والغرب، ومنع الرأي الآخر القادم من الشعب العربي، لا يمكن أن يتساوى مع المفهوم الحقيقي لحرية الرأي والتفكير.

* كاتب عربي مقيم في واشنطن