نجد في الحضارة اليونانية الاغريقية ان على وجهي الايقونة الواحدة صورتي إلهين، فعلى جهة نجد صورة إله اللذة والحياة إروس Eros، وعلى الجهة الثانية نجد رسم إله الموت تاناتوس THANATOS. ففي كل موت لذة حياة، وفي كل لذة حياة موت وفناء. ما يحدث اليوم في العالم خصوصاً بعد مجزرة الاشوريين ـــ وبالأخص بعد ظهور العمليات التكفيرية الانتحارية، وظهور «داعش» وافكاره البربرية الهمجية الوحشية ـــ هو الغرق في هذه الثنائية: لذة في الموت تنبعث منها لذة في الحياة، ولو في عالم آخر مع الحوريات، وهو في الحقيقة غير موجود، بل هو وهم في عقول مخترعيه.


هذه هي الصورة الواقعية الحقيقية للراكضين الى الموت العبثي، في هذا الشرق المضروب بطاعون الجهل، وبَرَص الظلامية، من دون اصغاء للعقل ونوره، وللقلب وهديه. ويحوم الموت حول الجثث التي تنعق قربها الغربان وينهشها الدود والاهتراء.
في نشوة قتل وذبح وسكر برائحة الدم، هكذا هم يركضون الى الموت: مهرولين مسرعين للانتحار بتفجير ذواتهم، على امل اللقاء بحوريات الجنة، والاستمتاع باللذة البدنية حتى الاغماء. وهم لا يعرفون أن العالم الآخر مفترق كلياً عن عالمنا، وان عالم الارواح لا يخضع لشريعة اللحم والدم، ولا لمتطلبات الجنس المادية. حتى ان هذه الجنة غير موجودة الا في اوهامهم وهلوساتهم وامراضهم العصابية. فهم ذاهبون الى الموت كالذاهبين الى العرس، ويموتون وهذا الحلم وهذا السراب، يجتاحان خيالهم. في الحقيقة انه لوهم الكبير لفردوس مفقود هو الجحيم، ولا حوريات هناك لا في السماء ولا على الارض والانهار والبحور والغابات. حتى انهم في هستريتهم وانحرافهم، أعطوا بعداً دينياً لشبقهم، فسموا خطيئة الزنى وخطيئة الجسد «جهاد النكاح». وراحو الى جهاد النكاح والحرب والموت، ليقيموا لهم إمارة من العنف والوحشية والذئبية والقابينية والجهل والظلامية والقراءة الخاطئة للنصوص المقدسة، بعيدين عن نور العقل، وعن الحقائق الايمانية المعرفية الكبرى والاساسية. من هنا كان المسيحيون والأقليات الاخرى، كما المسلمون أساساً، خصوصاً التنويريين، ضحايا هذه البربريات الجديدة، والهمجيات القاسية المتوحشة. انها الترسيسية الكاملة ومدينة طاعون للعقل المغلق، والمطبق عليه اختناقاً مع الجرذان والفئران داخل اسوار الليل والعتمة. هذا هو بلاء وبرص وطاعون وجرب وسرطان العديد من الحركات التكفيرية السلفية الاصولية والارهابية المخيفة والمرعبة، في جنون وجودي يرقص على الجمر وعلى الكفر بالله، وسيوف الموت والعبث. وحده الفراغ قوتهم اليومي. ولن يستفيقوا من هذا «الافيون الديني»، إلا وفي حناجرهم المر والعلقم والدم، وعلى شفاههم الرماد والقيح والتراب، وفي اعينهم مياه سوداء وعماء، وفي آذانهم فحيح أفاع، وقرقعة عظام الجريمة. هؤلاء عبدة تاناتوس، قتلوا العقل ودفنوا الجمال والحياة، عندما قتلوا الآخر المفترق الذي يعطي المعنى ولوجودهم ويغني هذا الوجود. لقد دنسوا الحياة، وشوّهوا الاسلام، وأساؤوا إلى صورته وحقيقته. إنهم عقارب العالم الجديد. إن الذي حدث مع اليزيديين والآشورين المسيحيين، جريمة ضد الانسانية وبربرية تعجز عنها وحوش الغابات.
* أمين سر اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام