بقلب حزين يقطر أسى، بعيون دامعة وثياب رثّة، بملامح الانكسار والمسكنة، دخل فؤاد السنيورة متعثّراً إلى قاعة محكمة الحريري الأميركيّة ـــــ الإسرائيليّة في لاهاي. لم يكن حليقاً وكان يجرّ قدمه التي تعرّضت للتهشيم من تكرار الـ«فلقة» السوريّة عليها في سجون عنجر. لم يُتح للرجل بعد ان يعبّر عن معاناته الطويلة في سنوات سيطرة النظام السوري على معظم لبنان (أما سيطرة دولة العدوّ الإسرائيلي فهي غير ذي بال ولا تستحق التعرّض لها، لأن نعيم قنابلها وصواريخها فاض على الشعب اللبناني ممّن كان مشغولاً حتى الثمالة بهمّ سيطرة النظام السوري). لا، لم يُتح للسنيورة من قبل التفريج عن كربته العميقة، ولا أن يتحدّث بهذه الصراحة الكلية من قبل عن سنوات مطّت عقوداً وقروناً ثقيلة على مَن كان مثله من ضحاياها. وهل هناك من عانى أكثر من فؤاد السنيورة (ورفيقه في السلاح والنضال ضد الجيش السوري في لبنان، رفيق الحريري)؟ كلا، وألف كلا. لا يعلم كثيرون وكثيرات عن كيفيّة قضاء السنيورة لعقديْن باتا قرنيْن من الزمن.


وفي الحديث عن سطوة النظام السوري في لبنان وعن قمعه، هل هناك مَن هو مؤهّل اكثر من هذا الرجل؟ لا. لا يمكن ان يوجد من تنطّح بشجاعة نادرة مثله ضد المخابرات السوريّة في لبنان، هذا الذي وقف بوجه كل قادة المخابرات السوريّة والذي لم يحضر حفل منح غازي كنعان مفتاح بيروت من قبل واحد من ساسة لبنان (الذين لم يكن السنيورة قريباً منهم). من الإنصاف هنا ذكر يحيى شمص أيضاً، الرجل الذي جاهر بمعارضته لغازي كنعان بالاسم، يوم كان اسم الرجل يكفي ليدخل الرعب في قلوب الآمنين والآمنات. لنقل ولنتفق: السنيورة ويحيى شمص كانا أصدح صوتيْن وأعلاهما مجاهرة ضد المخابرات السوريّة في لبنان في ظل حكمها الجائر. وحدهما، السنيورة ويحيى شمص وقفا بوجه غازي كنعان ورستم غزالي ولهذا أقصيا عن الحكم طيلة سنوات سيطرة النظام السوري في لبنان.

كادت الدموع ان تطوف على أرض المحكمة عندما استفاض السنيورة في شرح الوضع الاقتصادي في لبنان

لقد أسدت محكمة الحريري الأميركيّة ــــ الإسرائيليّة أكبر خدمة للشعب اللبناني في تقديمها لسلسلة من المناضلين الشجعان تحت قوس المحكمة. قد يقول قائل ومزايد (خصوصاً في هذه الجريدة المُثقلة بالإفتراء على إرث الحريري الناصع والسيادي) إن «شهود» المحكمة كانوا من حاشية الحريري وأنهم كانوا مرتبطين ماليّاً ونفعيّاً برفيق الحريري. وقد يقول هؤلاء إن هيئة الدفاع البائسة والعقيمة في المحكمة لم تسأل السؤال البديهي عن فائدة جلب أفراد من حاشية الحريري كشهود في قضيّة جريمة التاريخ البشري الكُبرى (هل هناك من يختلف على أن جريمة اغتيال الحريري تفوق في وحشيّتها وحشيّة محارق النازيّة وجرائم الإمبرياليّة والاستعمار واجتياحات هولاكو ومجازر الصهيونيّة عبر التاريخ؟) هل مَن يعارض؟ لا، وربّ قريطم وبنك «المدينة». لقد استعانت المحكمة بأمثال مروان حمادة وغازي يوسف وغطّاس خوري ثم بفؤاد السنيورة، لأن هؤلاء لا تربطهم مصلحة ما بعائلة الحريري ولأن هؤلاء محايدون مُنزّهون عن الغرض والهوى، ولأن هؤلاء بعيدون عن السياسة بعد سعد الحريري عن الكتاب، أو بعد وليد جنبلاط عن المبادئ، أو بعد ميشال سليمان عن فلسفة الإغريق.
عاش الشعب اللبناني ليرى السنيورة الحزين المُنكّس الرأس وهو يدلي بشهادته أمام المحكمة، وقلوب المشاهدين والمشاهدات تتفطّر حزناً وشفقة على هذه الضحيّة. أين العدل السماوي والأرضي في ما تعرّض له السنيورة من إذلال وقمع واضطهاد من قبل المخابرات السوريّة في لبنان؟ أين الرحمن يا مَن لا يعرف الرحمة؟
أكثر من عقد ونصف من الزمن والسنيورة كان مبعداً عن الحياة السياسيّة والاقتصاديّة في لبنان. لم يسمح النافذ السوري في لبنان لفؤاد السنيورة بلعب أي دور قط. والسنيورة، كما بات معروفاً، انصرف في حقبة النفوذ السوري إلى العزف على العود كي يكسب قوته بعرق أصابعه. كان السنيورة يدور بين الحفلات والأعراس بعيداً عن الجو السياسي العام كي ينجو من ظلم النظام السوري الذي لاحقه. لكن السنيورة لم ينجُ. هناك مَن سيذكر أنه شاهد (أو شاهدت) السنيورة في تلك السنوات في وزارة الماليّة. هذا صحيح، لكن السنيورة كان زائراً يعزف العود في حفلات الوزارة ولم يلعب أي دور سياسي حينها. اسألوه، وهو يقود السيّارة بكم على الـ«كورنيش»، والحق الحقّ يقول لكم ولكنّ.
سنوات من العذاب قضاها السنيورة في سجون المزّة حيث ذاق مرّ التعذيب الذي برع فيه نظام البعث. كان ظهره ملاذ السوْط في السجن، وأقدامه ذاقت من «الفلقة» ما لم يذقه «غوّار الطوشة» في سجون الفظّ «أبو كلبشة». لهذا، فإن السنيورة عندما دخل المحكمة كان مقوّس الظهر، محنيّ القامة، خافض الرأس. تحمّل هذا الرجل ما لم يتحمّله معارضو ومعارضات النظام السوري داخل سوريا. والسبب ان السنيورة — لمَن لم يعلم بعد — كان يقود حركة معارضة مُسلّحة داخل لبنان ضد النظام السوري، ولهذا فإن النظام عاقبه أشد العقاب عبر حرمانه من تبوّء أي منصب سياسي واقتصادي في سنوات حكمه ونفوذه.
روى السنيورة الكثير عن معاناته وعن معاناة رفيق عمره، رفيق الحريري. والأخير بالرغم من أنه عمل رئيساً للحكومة لأكثر من عقد من الزمن، إلا أنه كان مغلوباً على أمره. وزراء ونوّاب ورؤساء حكومات أُرغموا — يا حضرة القاضي — على النيابة والوزارة ورئاسة الحكومة، رغماً عن أنوفهم. كان آمر المخابرات السوريّة في لبنان («أبو يعرب»، كما ناداه السنيورة في المحكمة تهيّباً لا تحبّباً، أو «أبو عبدو» في حالة خليفته) يصرّ على توزير مَن يشاء. وكان كل هؤلاء يصفّقون عنوةً لكل خطيب يثني على النظام السوري وأُرغم كل هؤلاء على تدبيج خطب وأشعار الحماسة للثناء على حكّام سوريا — رغماً عن أنوفهم. كان كل هؤلاء — يا حضرة القاضي — يُرغمون أيضاً على تجميع الثروات وعلى الاستفادة من المناصب للثراء الذاتي. ثم لا تنسى شهادة مروان حمادة عندما قال، مُقنعاً، إنه والى حافظ الأسد وأثنى عليه بسبب قوميّته العربيّة، كما ان حمادة وصحبه والوا وأثنوا على جورج بوش أيضاً بسبب انتمائهم القومي العربي.
لكن معاناة السنيورة فاقت معاناة الآخرين لأن الرجل ــ كما أوضح ــ عزف عن شغل أي منصب سياسي ولم يطمع في حياته بالنفوذ السياسي أو بالسلطة: هو أُرغم قبل عام 2004 على شغل المناصب الوزاريّة ثم أرغم بعد 2005 على شغل منصب رئاسة الوزراء وذلك بأمر من جورج بوش، الذي خلف المخابرات السوريّة في تعذيب وإيلام السنيورة المُعذّب. لكن هل شغل السنيورة مناصب نيابيّة ووزاريّة بالفعل في سنوات الحكم السوري في لبنان؟ هنا، يختلف العارفون والعارفات. هناك من يقول — وأنا منهم ومنهنّ — أن السنيورة لم يشغل أي منصب سياسي قبل عام 2005، وهناك أيضاً مَن يزعم — وجّل هؤلاء من المغرضين والمغرضات —أن السنيورة شغل منصب وزير الماليّة في حكومات الحريري المتعدّدة في ظل هيمنة النظام السوري. لا، وألف لا. أنا أقول عكس ذلك. أنا أقول ان السنيورة لم يتعاط السياسة «بنوب» لكن شُبّه لكم أن الرجل كان نافذاً وأنه عمل وزيراً للماليّة وأنه كان يأمر بما يرتئيه البنك الدولي و«صندوق النقد» من دون مشورة النظام السوري. لكن هذا غير صحيح.
عذاب أي عذاب، شقاء أي شقاء، معاناة أي معاناة، عاشها هذا الرجل! أما عن تصريحات وخطب له وللمعلّم رفيق الحريري في مديح حافظ الأسد وابنه بشار من بعده، أو في رثاء باسل الأسد، فهذه الخطب والتصريحات كانت لناصر قنديل ولم تكن للرفيقيْن. إن الرفيقيْن كانا في غياهب سجون المزّة ولم تُكتب لهما سنوات الحريّة في ظل هيمنة النظام. إن النظام السوري ومخابراته هما اللذان كانا يركّبان الحكومات في لبنان. وكيف يركّبان الحكومات وينتقيان الوزراء والرجلان كانا من أعتى معارضي النظام السوري؟ هذه لا تستقيم، يا حضرة القاضي.
رحماك، يا حضرة القاضي، رحماك. لا تثقل بالأسئلة على السنيورة هذا. هذا الرجل «مستور» ولا همّ له إلا خدمة الشعب الفقير وخدمة الدين العام فقط لا غير. إن الرجل الماثل امامك يحمل على منكبيْه أثقال سنوات من العذاب والآلام.
ولقد صدق القول السنيورة في شهادته امام المحكمة. لقد أقسم على قول الحق، كل الحق، ولم يخلف وعداً ولم ير حدّاً يقف عنده. لا، لم يكذب السنيورة في شهادته أمام الشعب و«المجتمع الدولي» الذي كان يستمع إلى شهادة السنيورة بلهفة وشوق وبإنصات شديد لما للسنيورة من أيادٍ بيضاء على «المجتمع الدولي» في سنوات نفيه عن لبنان. أجل، لقد نفت المخابرات السوريّة السنيورة من لبنان، مَع نفرٍ مِن مَن نفتهم عن وطنهم الحبيب. لقد نُكّل بالسنيورة وعُذِب وفظّع به، قبل ان ينفي انه نُفي من لبنان من شدّة حرصه على أسماع الحاضرين (الحاضرات، عورات لدى آل سعود، رعاة الخير والسنيورة والحريري). وعندما تحدّث السنيورة امام المحكمة عن معرفته بالحريري في سنوات نشاطهما (القصير) في «حركة القوميّين العرب» أراد السنيورة ان يساعد المحكمة في عملها الدوؤب (والبخس الثمن لما تحقّقه من نتائج وما تجنيه من ثمار وطنيّة للبنان وأعدائه على حدّ سواء). قال السنيورة (بالحرف) في وصف «حركة القوميّين العرب» بأنها «حزب سياسي سلمي يؤمن بلبنان والعروبة». سيقول المزايدون والمزايدات ان فؤاد السنيورة كذب هنا على المفضوح في وصفه لـ«حركة القوميّين العرب» بأنها «سلميّة» وأنها تؤمن «بلبنان». لماذا كذب السنيورة؟ لا، لم يكذب السنيورة، والحق يقوله هو. صحيح، إن «حركة القوميّين العرب» تأسست على أساس رفض كل الكيانات العربيّة على أنها من خلق الاستعمار، ورفضت الحركة الكيان اللبناني في أساسه وآمنت في أدبيّاتها بضمّ لبنان إلى كيان عربي أرحب، وكانت الوحدة العربيّة الشاملة والاندماجيّة من البرنامج ــ العقيدة للحركة، لكن لم يكذب السنيورة. لا، السنيورة لا يكذب.
لكن، ألم تُصدر الحركة عام 1961 (عندما كان السنيورة والحريري ناشطين في «حركة القوميّين العرب») تعميماً «حول مخطّطنا لقضيّة فلسطين» وجاء فيه بوضوح ان «هذا التنظيم— أيّاً كان شكله — سيكون الحقل العسكري أهم حقول نشاطه» (راجع النص في هاني الهندي وعبد الإله النصراوي، تحرير، «حركة القوميّين العرب: نشأتها وتطوّرها عبر وثائقها، 1951-1968»)، الكتاب الأوّل، الجزء الأوّل، ص. 524). لا لم يكذب السنيورة عندما وصف امام المحكمة «حركة القوميّين العرب» بأنها حركة سلميّة. ثم، ألم يقد جورج حبش ووديع حدّاد الحركة عندما كان السنيورة ناشطاً فيها؟ هل هناك مَن يشك ان حبش وحدّاد كانا من المؤمنين بالعمل السلمي والدبلوماسي المحض؟ صحيح أن حبش آمن بـ«العنف المُسلّح ضد إسرائيل» منذ عام 1951 (راجع جمال باروت، «حركة القوميّين العرب: النشأة، التطوّر، المصائر»، ص. 299). وتنظيما «شباب الثأر» و«أبطال العودة» تكرّسا للكفاح المُسلّح ضد العدوّ. كما أن شعار «حركة القوميّين العرب» في السنوات التي نشط فيها السنيورة تلخّص بــ «وحدة، تحرّر، ثأر»، لكن الأمر التبس على الناس فظنّوا ان حبش ورفاقه عنوا بالثأر العمل العسكري والكفاح المُسلّح فيما كان داعي اللاعنف، وديع حدّاد، لا يقصد إلا الثأر الدبلوماسي السلمي. إن تشكيل «حركة القوميّين العرب» لجناح عسكري يهدف إلى تحرير فلسطين عبر العمل العنفي لا يتنافى مع شهادة السنيورة في المحكمة عندما وصف الحركة بأنها «حزب سلمي»، لأن العمل العنفي للحركة كان لاعنفيّاً، يا حضرة القاضي. صدّقني، يا حضرة القاضي. وإذا كانت شهادة السنيورة، على الأقل في وصفه للحركة، تتنافى مع العقل والتاريخ والوثائق والحقائق، فأرجو عذر السنيورة لأن التعذيب الذي تعرّض له من قبل المخابرات السوريّة أفقده صوابه واختلط الأمر عليه. قد يكون السنيورة بسبب التعذيب القاسي خلط بين «حركة القوميّين العرب» وبين تشكيلات 14 آذار، ومنها «إعلاميون ضد العنف». لكن هذا لا يعني أن السنيورة كذب، لأنه لا يكذب.
وعندما كان السنيورة يشارك مع غيره في تظاهرات أمام السفارة الأميركيّة في بيروت في الستينيات، لم يكن يرمي على السفارة إلا الورود، لا القنابل الحارقة وزجاجات المولوتوف، لأن الحركة — كما أسلف السنيورة — كانت حركة لا عنفيّة. هذا السنيورة كان لا عنفيّاً منذ نعومة أظفاره، الحق يُقال.
أما وصفه للحركة بأنها كانت تؤمن «بلبنان» فإن هذا القول قد يتعارض مع الحقائق والتاريخ والوثائق هو أيضاً، لأن الحركة كانت تدعو إلى الوحدة الفوريّة والكاملة والشاملة، وكانت تذمّ الكيان اللبناني وتشتبه في جذوره ودوره إلى جانب الصهيونيّة. لكن هذا لا يعني ان السنيورة كذب بل هو مرّة أخرى خلط بين الأمور وتشوّشت الرؤية أمام ناظريه. لقد ظنّ السنيورة ان «حركة القوميّين العرب» كانت واحدة من تشكيلات 14 آذار التي كان من مؤسّسيها، وظن ان جورج حبش ووديع حدّاد كانا يجلسان جنباً إلى جنب مع أمين الجميّل وسمير جعجع ونايلة معوّض وتلك المرأة التي كانت تعدّ أشهى الأطباق لإرييل شارون. هو قومي عربي أصيل ومَن يحتاج ان يُخضع دمه لفحص في الوطنيّة عليه ان يراجع الأمانة العامّة لــ 14 آذار. لا، لم يكذب السنيورة هنا أيضاً.
كادت الدموع ان تطوف على أرض المحكمة عندما استفاض في شرح الوضع الاقتصادي في لبنان. ولقد أزال السنيورة الغشاوة من عيون الحاضرين بالنسبة إلى الرأسماليّة الوحشيّة التي فرضها نظام الحريري على لبنان عندما لم يكن السنيورة وزيراً للماليّة لأنه — كما بات معلوماً من شهادته في المحكمة — قضى سنوات سيطرة النظام السوري إما في المنافي أو في غياهب السجون. قال السنيورة إن الخصخصة هي غير ما يُقال عنها في لبنان، إذ أنها ما هي إلا «إطلاق حيويّة الاقتصاد اللبناني» ليس إلّا. أما ما قيل من نقد لمشروع الحريري ــــ السنيورة (مع ان السنيورة كان خارج السلطة طيلة حقبة سيطرة النظام السوري، كما أسلفنا) فلم يصدر إلا من أبواق المخابرات السورية. وكارل ماركس وكل الحركات العمّاليّة في لبنان والعالم ليست إلا أبواقاً للمخابرات السوريّة. كل من ينتقد سياسات الحريري والسنيورة الاقتصاديّة ما هو إلا عميل للمخابرات السوريّة في لبنان، بصريح العبارة. أما المسكين الحريري فلم يكن يريد إلا تحقيق ديمقراطيّة مثاليّة وجمهوريّة فاضلة واقتصاد مزدهر ومساواة تامّة، لكن المخابرات السوريّة منعته من تحقيق ذلك. كان على وشك بناء جمهوريّة أخرى مثل لبنان على سطح القمر، لكن المخابرات السوريّة منعته من تحقيق ذلك أيضاً.
ولقد أخبرتك يا حضرة القاضي كيف بكى الحريري على كتفي لأن بشّار أهانه. وكان رفيق كما يتضّح من رواياتي ومن روايات شهود آخرين يقبل الذل والمهانة من المخابرات السوريّة لأنه لم يكن، يا حضرة القاضي، يحترم نفسه أي احترام. كان الحريري ذليلاً خانعاً امام المخابرات السوريّة، يدفع لها الرشاوى بالأكياس ويشتمها في سرّه. كان، بكلام آخر، رجلاً شهماً ذا مروءة وشجاعة نادرة لا يحسدها عليه إلا ميشال سليمان (الذي انتقاه غازي كنعان من بين كوكبة من خيرة الضبّاط). أما عن تقديمه لمفتاح بيروت لغازي كنعان، فأرجو ان تفهم ذلك من باب ردّ الجميل ليس إلا، ولا يجب ان نتوقّف عند هذه التفاصيل، خصوصاً أن هيئة الدفاع لا تتوقّف عند أي حادثة أو واقعة أو حقيقة يمكن ان تنال من فعاليّة التحالف الأميركي ــ الإسرائيلي المتمثّل في هيئة المحكمة. ولقد بكى الحريري على كتف السنيورة، كما أن بوش ربّت نفس الكتف وكاد ان يبكي فرحاً بلقيا السنيورة آنذاك. ما قصّة كتف السنيورة يتذب إليها العظماء من كل حدب وصوب؟
لقد عانى الحريري وصحبه أيما معاناة. لكن قاصمة الظهر كانت عندما قرّر النظام السوري ان يمدّد لرئيس جمهوريّة رفض ان يتلقّى الرشاوى من رفيق. أي تحدّ هو هذا وأي استفزاز؟ كيف يكون رئيس الجمهوريّة غير مدين لمال الحريري الوفير الذي كان يُعبّأ في أكياس لصالح قادة المخابرات السوريّة في لبنان، والذين عانى منهم الحريري لكن ليس إلى درجة قطع التمويل عنهم. أما السنيورة، فهو كان في مقلب آخر. بينما كان الحريري يتنعّم بالحكم في السراي، كان السنيورة يتنقّل من سجن إلى سجن. صحيح أن السنيورة أقرّ أنه لم يكن له ـ وللحريري ـ ان يتبوّأ أي منصب في لبنان من دون موافقة النظام السوري، وصحيح أيضاً ان السنيورة أقرّ أيضاً في المحكمة أنه كانت هناك حقبات «شهر عسل» بين الحريري وبين حافظ الأسد الذي يتذكّره السنيورة وصحبه بحنين وشوق وشجن لأنه — خلافاً لابنه — أقام نظاماً ديمقراطيّاً ــ والمعيار الديمقراطي هو أساس العلاقة بين الحريري وبين كل الأنظمة، خصوصاً السعوديّة. وصحيح أيضاً ان الحريري قال أمام المحكمة ان الحريري وصحبه اعتبرواً وجود الجيش السوري ومخابراته في لبنان وجوداً شرعيّاً، لكن السنيورة لم يقل ما قاله هنا إلا تحت الضغط والإكراه.
ولقد فاجأ السنيورة المحكمة بحكاية المشوار على الكورنيش في سيّارة الحريري. كان الحريري يقود السيّارة بنفسه ــ ذروة التواضع عند الأثرياء ــ عندما التفت نحو السنيورة وقال: بتعرف، فؤاد. أنت جد متواضع وقنوع وصادق. صعبان عليّ آوي. عندها، نظر إليه السنيورة وبكى. أوّاه.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)