كما كان متوقعاً، قرّرت مصر بطائراتها وسفنها الحربية الذهاب إلى اليمن في إطار هجوم ما يسمى «عاصفة الحزم» التي تشارك فيها عشر دول هي دول الخليج، باستثناء سلطنة عمان، بالإضافة إلى المغرب والأردن والسودان وربما باكستان.

وقد شهدنا مجموعة من الخطوات المصرية اللافتة التي سبقت أو تزامنت مع قرار الدخول بقوة في «عاصفة الحزم»، حيث سعى الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تهدئة الخواطر على الجبهة الداخلية الملتهبة أمنياً واقتصادياً واجتماعياً بزيارته كلاً من السودان وإثيوبيا وتوقيعه في العاصمة السودانية الخرطوم على اتفاق إعلان المبادئ بخصوص سدّ النهضة الذي تبنيه إثيوبيا والذي يشكل خطراً كبيراً على أمن مصر المائي.

ورغم أن الرئيس المصري قال إن الاتفاق الثلاثي يفتح «صفحة جديدة في تاريخ العلاقات المصرية الإثيوبية» وبعيداً عن الكلام الإنشائي الذي جاء في خطابه، فإن موقفه يعتبر تحولاً جذرياً عما كان عليه موقف القاهرة المعارض للمشروع منذ الإعلان عنه قبل ثلاث سنوات، حتى إن مصر كانت قد هددت بالتدخل عسكرياً في حالة بناء السد.

مصر أكبر من أن تكون
جزءاً في تحالف يستقوي على شعب طيب فقير

ربما لأن الرئيس السيسي يعلم تماماً أنه لن يستطيع إيقاف قطار بناء سدّ النهضة الذي يُستكمل في 2017، تماماً مثل علمه والكثيرين معه بأن مصر ستتضرّر حتماً وأن حصتها من مياه النيل ستنخفض ولو في الحد الأدنى. هذا إذا افترضنا أن إثيوبيا ستلتزم بملء خزان السدّ تدريجاً وهي كمية هائلة تقدر بـ 63 مليار متر مكعب، أي أكبر من حصة مصر السنوية من مياه النيل والمقدرة بـ 55 مليار متر مكعب بحسب اتفاقية 1929.
الخطوة اللافتة الأخرى هي رفع حركة حماس من لائحة الإرهاب بقرار محكمة بعدما سحب أحد المحامين المصريين الدعوى التي أقامها ضد الحركة. وكأنها محاولة لمراضاة بعض الشركاء في التحالف أو المؤيدين له مثل قطر وتركيا.
ولعلّ انخراط مصر في عملية «عاصفة الحزم» قد يكون هو الثمن الذي تدفعه القاهرة، مقابل سكوت دول الخليج عن فضيحة التسريبات.
وكأنّ الرئيس عبد الفتاح السيسي كان كما يقول أهل مصر، «مِتْشال لعُوزَة» ولذلك لم نشهد أي ردّ فعل من السعودية، والإمارات تحديداً بعد التسجيلات التي ظهر فيها صوت الرئيس المصري والتي أهان فيها دول الخليج بوصفهم «أنصاف دول» عندهم «فلوس زي الرّز»!
إرهاصات التدخل المصري ليست وليدة الساعة، فقد شهدنا قبل مدة تهديدات بالتحرك العسكري لو حدث و»أقفل أنصار الله باب المندب» حرصاً حسب رأيهم على ضمان حرية الملاحة في قناة السويس، رغم أنه لم يصدر من الحوثيين ما يشي بحدوث احتمال كهذا.
كما سمعنا تبريراً آخر بأن أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري. وقد يكون هذا صحيحاً إلى حدّ ما باعتبار الوطن العربي جسداً واحداً أو هكذا المفروض.
لكن وبلغة الجغرافيا، الأقربون أوْلى بالمعروف، وقطاع غزة أقرب، فلمَ لم نشهد تدخلاً مصرياً هناك؟ حين كان الفلسطينيون في كل عدوان، يُبادون بطائرات «الأباتشي» و»اف 16»، بل وسالت دماء مصرية أيضاً على الجانب الآخر من الحدود «عن طريق الخطأ» كما قالت لنا إسرائيل. فلماذا لم نتذكر الأمن القومي المصري في غزة؟
قبل 3 سنوات، عاب الكثيرون على الرئيس المعزول محمد مرسي دعوته إلى الجهاد في سوريا حين كان في السلطة بحضوره مؤتمر «نصرة الشعب السوري وإطلاقه صيحته الشهيرة لبيك يا سوريا»، وقيل وقتها إنه يحاول الزج بالجيش المصري في نزاع تحول إلى ساحة حرب إقليمية بل وعالمية.
فما الفرق إذاً بين ما فعله الرئيس المعزول وما يفعله الرئيس السيسي؟ حتى إن الرئيس مرسي وقتها لم يجد متسعاً من الوقت ليتبع الأقوال بالأفعال، بعكس الرئيس المشير الذي قال وفعل.
يقال إن التاريخ يعيد نفسه. وقد يكون هذا صحيحاً في مرات كثيرة. لكن في حالة مصر وتدخّلها في اليمن، فإن التاريخ أعاد نفسه «بالمقلوب» ولا ينبغي مقارنةُ ما حدث في ستينيات القرن الماضي بما يحدث اليوم لأن الرئيس جمال عبد الناصر حين ذهب إلى اليمن، وبغض النظر عن الأخطاء التي صاحبت ذلك التدخل والثمن الذي دفعته مصر بعده، لم يكن حينها في خندق واحد مع السعودية التي كانت تناصبه العداء. لقد كان في الخندق المقابل!
عبد الناصر ومهما قيل عن تدخله، كان له الفضل في غلق القاعدة العسكرية البريطانية في عدن. فما الذي سيجنيه الرئيس عبد الفتاح السيسي من دخوله هذا المستنقع؟ ولماذا التضحية بجنود مصر وضباطها والدخول في حسابات خاسرة؟
واهمٌ من يظن أن القوى التي تحالف معها الرئيس المصري تريد أو تسمح بظهور عبد الناصر جديد يخطف منها الزعامة لأنه سيكون خطراً على مصالحها. هي تريد تجيير من له القوة العددية والعسكرية في مشاريعها ومواجهتها مع إيران والتاريخ يشهد.
لا نريد ولا نتمنى للرئيس السيسي أن يكون صدام حسين جديداً، ساهمت القوى الإقليمية والغربية في تغوّله واستبداده وزوّدته بالمال والعتاد للدخول في حرب ضد إيران دمرت البلدين وأخذت خيرة الشباب فيهما وأثقلت كاهل العراق بالديون. ثم سرعان ما انقلبت عليه الدول نفسها حين لم يوافق على مخططاتها، بل ساعدت على غزو العراق وتدميره. فحليف اليوم يتحول إلى عدوّ إذا لم ينصَعْ.
بدل الانخراط في مغامرة غير محسوبة العواقب، على الرئيس المصري تحصين الجبهة الداخلية ومصالحة كل فئات الشعب المصري بعضها مع بعض وبناء اقتصاد لا يعتمد على معونة أميركية ولا على منّة خليجية، كلّنا يعرف أنها لم ولن تكون أبداً لوجه الله.
إن لمصر من المشاكل ما يكفيها. فالإرهاب استوطن سيناء وعزّ الأمن والأمان وساد الاحتقان شرائح واسعة من الشعب بعد ما حدث منذ الـ 30 من يونيو 2013. هذا دون الحديث عن أن من كل شارك في ثورة 25 يناير يقف مذهولاً وهو يرى صكوك البراءة توزع على كل رموز النظام القديم. فلم يبق أحد منهم في السجن أو يكاد. وآخرهم كان وزير الداخلية الأسبق الذائع الصيت السيد حيبب العادلي.
فهل بقي مجال أو وقت للدخول في تحالف خارج الحدود لن يكون قطعاً حلاً للتحديات التي تواجهها البلاد؟
مصر أكبر من أن تكون جزءاً في تحالف يستقوي على شعب طيب فقير مسكين خطيئته الوحيدة هي الجغرافيا، وقيمة مصر لا تقدر بكنوز الدنيا كلها وليس بحفنة مليارات.
* صحافية جزائرية ــ فرنسا