نزلت الضربات العسكرية الاولى لـ «عاصفة الحزم» كالصاعقة على الحوثيين وحلفائهم. فاجأتهم. هذا ما دلّت عليه تصريحات مسؤوليهم في صنعاء وتنديدات قادة ايرانيين في طهران وبيان حزب الله في بيروت، كما كلام امينه العام الناري ضد المملكة العربية السعودية. علماً بأن المفاجأة، بالنسبة للعارف بجيوسياسة المنطقة، كانت بـ «صبر» المملكة العربية السعودية على «الانقلاب» الذي قام به الحوثيون وبعدم صدور رد فعل فوري مصري. فسيطرة الحوثيين على اليمن تعني احكام الطوق الايراني على الجزيرة العربية من الجنوب (بعد ان وطّد الايرانيون نفوذهم في العراق، في شمال شرقي الجزيرة، ويشكّلون تهديداً قديماً انطلاقاً من الضفة الشرقية لبحر الخليج).


وهي ايضاً تهديد مباشر لمصر. فسيطرة الحوثيين تعني تمدّد النفوذ الايراني الى مضيق باب المندب - بوابة قناة السويس. هذا اضافة الى توسّع نفوذه في كل من سوريا (الجبهة الشرقية في الصراع مع اسرائيل) والعراق ولبنان. فهل أخطأ الحوثيون في اندفاعهم السريع نحو الجنوب لإحكام سيطرتهم على البلاد؟
ما حققه الحوثيون خلال الاسابيع الاخيرة من الصراع الداخلي في اليمن هو انجاز تاريخي بالنسبة لهم. فقد أحكموا السيطرة سريعاً على شمال البلاد والعاصمة صنعاء. ووضعوا في الاقامة الجبرية الرئيس عبد ربه منصور هادي وكبار معاونيه وحلوا البرلمان والحكومة. واتبعوا ذلك بإعلان «المجلس التأسيس» و»الاعلان الدستوري» بهدف ترجمة الانتصار العسكري بإحكام قبضتهم السياسية واستعادة حكم البلاد. إلا ان فرار الرئيس هادي الى عدن واعلان الدول العربية وغالبية الدول الاجنبية تأييدها له كرئيس شرعي للبلاد، استعجلا الحوثيين للزحف نحو الجنوب، كي لا يكون ما حقّقوه في الشمال، نصف انتصار. وقد شجّعتهم على ذلك الظروف داخلياً واقليمياً ودولياً. ما هي هذه الظروف؟ وعلى ماذا راهن الحوثيون؟

خطابات القادة العرب في القمة العربية تؤكّد المضيّ في المعركة

داخلياً، خرجت جماعة الحوثيين بعد الثورة من «قوقعتها» في صعدة ونسجت شبكة تحالفات داخلية جلعتها الطرف الاقوى في الصراع الداخلي. فهي تحالفت مع الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح الذي لا تزال له شعبية ومناصرون في القوات المسلحة اليمنية. كما تحالفت مع قبائل معادية لقبيلة حاشد التي يتزعمها آل الاحمر.
اقليمياً، إن تمدّد النفوذ الايراني في كل من العراق وسوريا ولبنان، على نحو غير مسبوق منذ الثورة الايرانية في عام 1979، يشكّل فرصة تاريخية للجماعة «لاستعادة» الحكم في اليمن. ففي سوريا، قوات الحرس الثوري الايراني وحزب الله موجودة بشكل علني على الجبهات السورية كافة الى جانب النظام من الجنوب عند الحدود الاردنية الى الشمال بالقرب من الحدود التركية. هذا عدا عن الجبهة الغربية (على طول الحدود اللبنانية – السورية) حيث شكلّت معارك القصير والقلمون بداية الاعتراف العلني بمشاركة الحزب في الحرب في سوريا. وفي العراق، فإن ظهور «نجم» داعش وحشد العالم قواته الجوية لتدميره، شكّل الفرصة الذهبية لإيران للاندفاع بقواتها البرية العسكرية وبشكل علني ايضاً في العراق وتدريب الميليشيات الشيعية وقيادتها في المعارك الى جانب الجيش النظامي العراقي في العديد من الجبهات. حتى ان قاسم سليماني لم يتوانَ عن الظهور علناً في ساحات الصراع. وقد ترافق هذا التدخّل مع تصريحات مسؤولين ايرانيين عن «الامبراطورية» الايرانية و»عاصمتها بغداد». كما سبقتها تصريحات تؤكّد ان حدود ايران اصبحت على البحر المتوسط، بخاصة في لبنان حيث يملك حزب الله فائض قوة عسكري وسياسي غير مسبوق ايضاً منذ تأسيسه.
بالاضافة الى هذه الظروف المؤاتية، راهنت الحركة الحوثية على «غض الطرف» الاميركي والعجز الاوروبي. والاهم من ذلك، بالنسبة للحوثيين وحلفائهم، على ضعف الموقف العربي بخاصة بعد سقوط الانظمة وغرق العديد من بلدانه في الحروب الداخلية.
وفي التفصيل، فإن الولايات المتحدة الاميركية «غضت الطرف» وربّما شجّعت على اندفاعة الحوثيين، كجزء من سياسة نشر «الفوضى» التي بشّرت بها إدارة جورج بوش «الجمهورية». وعِماد هذه الفوضى انتشار الصراعات الداخلية، وتحديداً الصراعات الطائفية بين المكوّنين الاساسيين في المنطقة (السنّة والشيعة)، بهدف تغيير خريطة المنطقة وكياناتها السياسية.
اما الاتحاد الاوروبي، فهو عاجز عن مواجهة المشروع التوسّعي الايراني في المنطقة العربية، وعن اعتماد سياسة مستقلّة عن تلك الاميركية «المراوغة» و»الملتبسة» في المنطقة وتحديداً تجاه الصراع الايراني – العربي. وقد اظهرت الاحداث في كل من العراق وسوريا ضعف الاوراق التي تمتلكها الدول الاوروبية (فرنسا وبريطانيا والمانيا) في المنطقة التي كانت جزءاً من مستعمراتها.
إضافة الى كل هذه المعطيات الاقليمية والدولية، راهنت الاندفاعة الحوثية باتجاه الجنوب على عدم قدرة المملكة العربية السعودية على التدخّل عسكرياً في وقت يعود السديريون الى السلطة، وينهمك نظام عبد الفتاح السيسي في مواجهة التحدّيات الامنية والاقتصادية في الداخل، إضافة الى ارتباكه في التعامل مع الازمات في محيطه الجيوسياسي العربي، من سوريا الى العراق، والآخر الافريقي، من ليبيا الى اثيوبيا (حيث ازمة سد النهضة التي بدأت اديس ابابا بناءه على النيل الازرق).
على الرغم من هذا الواقع الداخلي والاقليمي والدولي، لقد فات الحوثيون، ومن خلفهم الايرانيون، انهم باندفاعهم نحو الجنوب قد تجاوزوا «الخطوط الحمراء» ليس لأمن الخليج القومي فحسب إنما للأمن القومي المصري ولأمن النفط العالمي ايضاً. فكانت اغارة الطائرات السعودية السريعة على مواقع الحوثيين وانطلاق البواخر العسكرية المصرية باتجاه باب المندب في ظل تأييد عربي (اصبح رسمياً وعلنياً في القمة العربية)، ودعم اميركي
واوروبي.
كل هذا لا يعني ان «عاصفة الحزم» قادرة على الحسم سريعاً. فـ «الصحوة» العربية لا تزال في بداياتها. والصراع الاقليمي في اليمن في بداياته. خطابات القادة العرب في القمة العربية وقرار تأسيس القوة العربية المشتركة تؤكّد المضي في المعركة. في المقابل تصريحات المسؤولين الحوثيين والايرانيين والسيّد حسن نصرالله تؤكّد أن لا تراجع عن المكتسبات في دولة ذات موقع جيو-استراتيجي في المنطقة والعالم. فلا عجب إذاً إن ظهر بعد فترة قاسم سليماني في صنعاء او تعز، وإن وجد عناصرت من حزب الله في معسكرات تدريب جماعة «انصار الله» وربما على جبهات القتال المتقدّمة. وبالتالي فإن اليمن على طريق «العرقنة» او «السورنة». أما المنطقة فإلى مزيد من «الفوضى».
* باحث واستاذ جامعي