في نص كارل ماركس «طريقة علم الاقتصاد السياسي»، الموجود في كتاب «الغروندريسة: أسس نقد الاقتصاد السياسي» (1857-58)، هناك تعامل مع الحركة التاريخية - الاجتماعية بوصفها مولدة لأشكال من المجتمع وأشكال من التشكلات الاقتصادية.

كما يتحدث ماركس في هذا النص عن «الأشكال الأخيرة للمجتمع البورجوازي» وعن «تركز المجتمع البورجوازي في شكل دولة». يمكن الاستنتاج بأن ماركس يرى التاريخ بوصفه تغيُّراً في الأشكال.

يمكن نقل هذا إلى السياسة، فالسياسة مكثف لمحتوى اقتصادي – اجتماعي - ثقافي تأخذ كممارسة أشكالاً عدة: طبقية، قومية، قومية – دينية، طائفية، طائفية - قومية، جهوية، طائفية - جهوية، إثنية - جهوية - قبلية. كل هذه الأشكال تحوي أو تحمل، عبر الجسم السياسي الذي غالباً ما يأخذ شكل حزب أو حركة أو جماعة مع برنامج منطلق من رؤية فكرية - سياسية (= إيديولوجيا) تستند إلى منهج تحليلي، محتوى اقتصادياً – اجتماعياً - ثقافياً. الأشكال السياسية هي المتغيرة والمحتوى واحد حيث السياسة، كشكل، هي الطابق الأعلى للمبنى الاقتصادي - الاجتماعي – الثقافي، وهي شكله التعبيري والممارساتي.
يمكن رؤية الأشكال السياسية في التعبيرات السياسية: طبقية (حزب العمال البريطاني، الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، الحزب الليبرالي الألماني: أحزاب طبقية البنية والتمثيل والبرنامج)، أو قومية (حزب البعث العربي الاشتراكي، حركة القوميين العرب، حزب العمل القومي التركي، الحزب الديمقراطي الكردستاني)، أو قومية - دينية (نمور التاميل: حركة تاميلية - هندوسية ضد هيمنة الأكثرية السنهالية – البوذية في سريلانكا)، أو طائفية (حزب الدعوة في العراق، المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق)، أو طائفية - قومية (الجيش الجمهوري في الشمال الايرلندي الخاضع لسلطة لندن حيث هناك تنظيم سياسي «الشين فيت» وجناح عسكري يعبر عن الأقلية الكاثوليكية الايرلندية في وجه أكثرية بروتستانتية تم جلبها عبر قرنين سابقين إلى شمال الجزيرة الايرلندية من اسكوتلاندا وانكلترا)، أو جهوية (الحركة المطالبة بالفيدرالية في اقليم برقة شرق ليبيا، والحركات المسلحة في الشرق السوداني عند الحدود الإريترية)، أو طائفية - جهوية (الحوثيون في شمال صنعاء، و»الاتحاد المسيحي الاجتماعي» في ولاية بافاريا الألمانية ذو القاعدة الكاثوليكية)، أو إثنية – جهوية - قبلية (حركة العدل والمساواة في اقليم دارفور في السودان التي تستند إلى قبيلة الزغاوة).

السياسة مكثف لمحتوى اقتصادي ــ اجتماعي ــ ثقافي تأخذ كممارسة أشكالاً عدة

يمكن رؤية أشكال أخرى أيضاً، مثلاً حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم حالياً في الهند حيث يحاول أن يقدم إيديولوجيا قومية هندية استناداً إلى الديانة الهندوسية، وهو لا نجد في نوابه الحاليين في البرلمان أي مسلم (10% من السكان)، حيث الاعتماد على موروث ثقافي ديني لبناء قومية في مجتمع متعدد الديانات، وهو ما جعله يأخذ طابعاً هندوسياً دينياً طائفياً بنظر المسلمين والسيخ، فيما عند «نمور التاميل» لا يوجد ذلك رغم التشابه كحركة قومية - دينية، حيث يتم فقط الاستناد إلى الجسم الاجتماعي في الجماعة القومية - الدينية التي كانت مهمشة ومضطهدة من قبل الأكثرية السنهالية - البوذية لتحقيق المطالب التي تراوحت بين الانفصال والحكم الذاتي في أثناء التمرد العنيف لأعوام 1983-2009 بالشمال والشمال الشرقي من سريلانكا. أيضاً يمكن أن نجد في الهند أحزاباً ذات طابع فئوي تمثيلي لفئة، مثل المنبوذين، وهي قوية في ولاية «أوتار براديش»، مثلاً.
في المسار التاريخي تطفو أشكال سياسية وتخبو أشكال أخرى، في عراق 1959-1963 كان الصراع يأخذ شكل صراع بين الشيوعيين والعروبيين، رغم تركز الشيوعيين، كشكل سياسي، في الوسطين الشيعي والكردي، فيما كان البعثيون يستندون كقاعدة اجتماعية إلى السنة العرب. اضمحل هذان الشكلان وظهرا ضعيفين في مرحلة ما بعد سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي يوم 9 نيسان 2003 لتظهر التعبيرات العارية للشيعة والأكراد والسنة العرب بوصفها الأشكال السياسية الأقوى تعبيرياً، وهذا ما ترجم في الانتخابات البرلمانية المتلاحقة منذ عام 2005. عبّر هذا المسار العراقي عن أزمة اندماج اجتماعي وضحت فيها عوامل اللااندماج أكثر من الاندماج، وهذا ما أفرز أشكالاً تعبيرية سياسية تعبر عن هذا أحياناً بشكل تصادمي عنيف (تمرد الملا البرزاني 1961-1970، 1973-1975، وصدام حزب الدعوة مع حكم صدام حسين في نيسان 1980، و»القاعدة» و»داعش»).
لا يعبّر هذا عن «تطور رجعي» أو عن «تخلف المجتمع» بل عن مشكلات لم تحل بعد وهي تطل برأسها عبر هذه الأشكال السياسية التي يتم فيها استدعاء الموروث التاريخي واستخدام أيديولوجيا تولد من رحمه للتعبير عن مشكلات الحاضر وللصراع على مصالح، عبر السياسة ولو أخذت مساراً عنيفاً، هي اقتصادية – اجتماعية - ثقافية. تساهم في هذا فشل الأشكال السياسية التعبيرية الحديثة وخاصة من خلال تجاربها في الحكم، وليتم إثر ذلك «الاستنجاد بالسماء حين لا تبقى حيلة أخرى لشعب محكوم» وفق تعبير جون لوك، حين وصفه للثورة البيوريتانية في انكلترا 1642-1649 ضد الملك والتي أخذت شكلاً طائفياً: بيوريتان ضد أنجليكان. ولكن هذا الشكل الذي استند إلى حرفية «العهد القديم» عند البيوريتان مع تزمت أخلاقي وتقييد للحريات الاجتماعية ونزعة تسلطية أفرزت ديكتاتوراً (هو أوليفر كرومويل قام بتنصيب نفسه كحامي وحلّ البرلمان عام 1653)، كان ثورة اقتصادية – اجتماعية - ثقافية قادها تجار لندن والمزارعون الأغنياء وسكان المرافئ البحرية ضد سلطة الملك المطلقة، وأريد منها نقل السلطة إلى البرلمان.
في الثورة الثانية (1688- 1689) لم يأخذ الصراع شكلاً طائفياً بل حزبياً: حزب الأحرار (الويغ) ضد حزب المحافظين (التوري)، ولكن تقريباً بالحوامل الاجتماعية نفسها التي كانت قبل نصف قرن، ومن أجل الهدف نفسه: سلطة البرلمان و»الملك يملك ولا يحكم» بعد أن عادت الملكية في عام 1660 وجرت محاولات لإعادة الحكم الملكي المطلق.
في عامي 1995 و2002 نزل ليونيل جوسبان مرشحاً عن الحزب الاشتراكي ضد جاك شيراك بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، وقد أصبح جوسبان رئيساً للوزراء بين عامي 1997 و2002. لم يذكر أحد من الفرنسيين بأن جوسبان بروتستانتي حيث البروتستانت لا تتجاوز نسبتهم 1%. في فترة 1562-1598 كانت الأرض الفرنسية مسرحاً لحرب أهلية عنيفة بين الكاثوليك والبروتستانت (الهوغنوت)، وجاء مرسوم نانت عام 1598 لكي يقيم تعايشاً قلقاً بين الطائفتين. في عام 1685 قام الملك لويس الرابع عشر بنقض مرسوم نانت وحرق كنائس البروتستانت وهجّر الملايين منهم، وهم بمعظمهم تجار وبورجوازية صاعدة، إلى جنيف، حيث كانوا أساس المصارف بتلك المدينة السويسرية، وإلى جنوب انكلترا ليكونوا عماد صناعة النسيج هناك. يدل مثال جوسبان على أن فرنسا تجاوزت الطائفية كشكل تعبيري سياسي إلى آخر حديث. في المقابل يدلّ المثال اليوغسلافي في أعوام 1991-1999 على انفجار شكل دولتي ما فوق قومي - ديني وتذرره إلى أشكاله البدائية، وعلى أن شكل تعبيري سياسي، هو الشيوعية، لم يكن أكثر من إطار تسكيني مؤقت منذ عام 1945 ولم يستطع حل المشكلة القومية هناك والوصول إلى شكل اندماجي ما فوق قومي - ديني في بلد حيث الجماعات ذات طابع قومي - ديني (الصرب الأرثوذكس، الكروات الكاثوليك، مسلمو البوسنة، الألبان المسلمون في كوسوفو).
* كاتب سوري