غسان العزي *


أخيراً دخل نيكولا ساركوزي الى قصر الإليزيه ليسكنه خمس سنوات قابلة للتجديد بصفته الرئيس الثالث والعشرين للجمهورية الفرنسية والسادس للجمهورية الخامسة التي أرسى دعائمها الجنرال ديغول. حقق الرجل حلماً راوده منذ نعومة أظفاره وتأكدت له إمكانية تحقيقه عندما أضحى عمدة بلدية نييلى ــ سير ــ سان القريبة من باريس، وهو لم يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاماً، أي العمدة الأصغر سناً في تاريخ البلدات المهمة في فرنسا. وقتها سأله الصحافي المعروف دوهاميل ما إذا كان يفكر في رئاسة الجمهورية في كل مرة يحلق ذقنه أمام المرآة، فأجابه ساركوزي: «ليس فقط عندما أحلق ذقني». وفي مسيرته السياسية، القصيرة نسبياً، تمكن من سحق خصومه داخل حزبه واستفاد من أخطاء الجميع ومن هجومهم عليه مبيّناً قدرة فائقة على المناورة والمجادلة والتعاطي مع الإعلام.
منذ اللحظة يصفه المراقبون بأنه الرئيس الأكثر يمينية منذ خمسين عاماً وبأنه «محافظ جديد» سيُدخل فرنسا في منعطف جديد، كما فعلت مرغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في الولايات المتحدة وخوسيه ماريا أزنار في إسبانيا وسيلفيو برلسكوني في إيطاليا. فقد أعلن، خلال حملته الانتخابية، أنه لا يخجل أبداً من الانتماء الى اليمين، لكنه يمين يريد أن يحدث قطيعة مع كل تلك الممارسات السائدة في العهود السابقة يمينية ويسارية على السواء، والى قيمة العمل التي ارتقى بها الى مصاف القيمة المثالية الأعلى، والى الأمن الذي من دونه لا عمل ولا سياسة ولا من يحزنون. والذين وصفهم ساركوزي بـ«الحثالة» و«الأوباش» هم الذين يعكّرون صفو الأمن ويعتدون على «الهوية الوطنية»، لذلك وعد باستحداث وزارة خاصة بـ«الهوية الوطنية والهجرة» قيل إنه سيكلف بها صديقه الفرنسي ــ الإسرائيلي أرنو كلارسفيلد الآتي لتوه من اسرائيل حيث أدى خدمته العسكرية في لواء حرس الحدود.
لقد جنح ساركوزي الى اليمين مقترباً من أقصاه في بعض شعاراته الانتخابية الى درجة أن زعيم «الجبهة الوطنية» جان ــ ماري لوبان اتهمه بسرقة أفكاره وشعاراته، وأن زعيم اليمين النمساوي المتطرف يورغ هايدر علّق على فوزه في الانتخابات بالقول إنه تبنّى برنامجه بالكامل. وسواء كان هذا القول صحيحاً أو مبالغاً فيه، فمما لا شك فيه أن الجنوح المبالغ فيه الى اليمين من قبل زعيم حزب حاكم، أمر يحصل في فرنسا للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبعد هذه الحرب والمصالحة التاريخية بين فرنسا وألمانيا ثم تشكيل «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» راح المشهد السياسي والحزبي في فرنسا يتجه تدريجاً وببطء صوب الوســــــط واليسار تحت تأثير من الديغولية التي عبّدت الطريق أمام انتخاب الاشتراكي فرانسوا ميتران عام 1981 أو جعلته ممكناً على الأقل خلفاً لليميني الوسطي فاليري ــ جيسكار ديستان.
وفي الثمانينيات من القرن المنصرم وبتأثير من الموجة اليسارية تحت حكم التحالف الاشتراكي ــ الشيوعي اتجه اليمين أكثر فأكثر نحو الوسط فأخلى مساحة في المشهد السياسي سرعان ما احتلها اليمين المتطرف بزعامة لوبان الذي راح يتقدم مستفيداً من عجز اليسار عن تحقيق الوعود التي رفعته الى السلطة.
لكن على رغم شعبيته المتزايدة تدريجاً كما عبّر عنها عدد من الانتخابات التشريعية والرئاسية ــ وآخرها وصول لوبان الى الدورة الثانية ضد شيراك عام 2002 ــ بقي خطاب لوبان الموصوف بالعنصري والمتطرف والمعادي للسامية هدفاً لهجوم اليمين واليسار على حد سواء. بقي هذا اليمين المتطرف بمثابة «التابو» الذي يأباه الجميع ويستحي أعتى غلاة اليمين الجمهوري من الاستفادة من أصواته ويستشيط غضباً من مجرد المقارنة معه. فاليمين الفرنسي عموماً بقي يعاني عقدة وصفه بالمتعاون مع الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية وبالبيتانية (نسبة إلى الماريشال بيتان). أما الجنرال ديغول ــ كما الحزب الشيوعي ــ فكان على رأس المقاومة التي انتصرت فحررت فرنسا وأعادتها الى مصاف الدول الكبرى في العالم. من هنا التمييز المقصود في الخطاب السياسي ما بين «الديغولية» واليمين أو دمج المفردتين بقصد التحديد والإيضاح عند القول «اليمين الديغولي» الذي حارب الاحتلال الألماني والذي يفخر بتمايزه من الحليف الأميركي وبسعيه لحماية «النموذج الفرنسي».
لكن هذا النموذج بدأ يتعرض للاهتزاز نتيجة الأزمات العديدة التي واجهته ولا سيما مع تحولات النظام الدولي والعولمة ومع تراكم الإخفاقات في كل المجالات الداخلية تقريباً منذ عهود. بدأت الحاجة الى خطاب جديد تفرض نفسها في صفوف الفرنسيين الذين إزاء إشكاليات العولمة وتوسيع أوروبا وارتفاع البطالة وانخفاض القوة الشرائية والهاجس الأمني واضطرابات الضواحي المهمّشة ومشكلة الهجرة والمهاجرين وغيرها، عبّروا عن قلقهم في غير مناسبة أبرزها التصويت الاحتجاجي في الاقتراع العام ورفض الدستور الأوروبي المشترك لدى الاستفتاء الشعبي عليه، على رغم أن الرئيس الفرنسي الأسبق ديستان كان على رأس صائغيه وقام بالأصل بمبادرة فرنسية دعمتها ألمانيا.
تلقّف ساركوزي الفرصة. لقد بات الخطاب اليميني المتشدد ممكناً. انكسر التابو ولم يعد في إمكان اليسار، المتخبط هو الآخر في نزاع داخلي مرير والعاجز عن العثور على خطاب عصري جامع مقنع، الاستمرار في ابتزاز اليمين بالعودة الى البيتانية والفاشية وغيرها. رفع ساركوزي شعار اليمين المتخلص من عقده والمعتز «بتاريخ فرنسا وأمجادها وعظمتها»، هذا التاريخ الذي ينبغي التعاطي معه على «أنه كلٌّ واحدٌ وليس مقاطع تناسبنا فنعتزّ بها وأخرى نرفضها ونخجل منها» على حد قول المرشح ساركو. رفض الاعتذار عن الماضي كما فعل شيراك بخصوص مشاركة بعض الفرنسيين في الحملات ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. ساركوزي يعتبر أنه لا هو ولا أنصاره ولا المحيطين به كانوا قد ولدوا أو شاركوا في ما جرى خلال هذه الحرب، وبالتالي لا مجال للاعتذار أو الشعور بالذنب. لكنه شدد أيضاً على أن انتقال فرنسا من وضعية البلد المحتل عام 1940 الى موقع البلد المنتصر عام 1945، كان بفضل مساعدة الحلفاء وفي طليعتهم الولايات المتحدة التي لا يخفى إعجابه بها على ما كتب مرة في جريدة لوموند.
لكن ساركوزي ذهب بعيداً في اعترافه بفضل الولايات المتحدة، ولا سيما عندما ذهب الى واشنطن ليقدم شبه اعتذار للرئيس بوش عن مواقف شيراك من سياساته الدولية واحتلاله العراق، وأفرط في أطلسيته المعلنة وفرنسيته المفرطة، وهو ابن «المهاجر اليهودي من سالونيك»، على ما وصفه الاسرائيليون الذين وضعوا صورته على طابع بريدي، عندما قال للمهاجرين (العرب والمسلمين تحديداً): «إما أن تحبوا فرنسا وإما أن تغادروها». لقد كسر عدداً من «التابوات» أو المحرمات في الخطاب السياسي السائد حتى في صفوف اليمين المبتعد عن الوسط، فوفّر للاشتراكية سيغولين رويال أرضية للهجوم عليه والتحذير من عدم الاستقرار الذي قد يسبّبه إذا وصل الى السلطة رئيساً، والذي قد بدأ يطلّ برأسه من خلال أعمال الشغب وحرق السيارات في الضواحي والإضراب الذي أعلنه طلاب جامعة باريس الأولى غداة إعلان فوزه.
لقد نجح المرشح ساركوزي في تخليص اليمين الفرنسي من عقدته التاريخية ودفعه الى المزيد من اليمينية. لكن ساركوزي الرئيس سيكون مضطراً إلى الإيفاء بوعد واحد على الأقل من وعوده الانتخابية الكثيرة، وهو أن يكون «المتحدث باسم جميع الفرنسيين» لا فقط أولئك الذين صوّتوا له. فمن بين هؤلاء من أعطاه صوتاً لمجرد الاحتجاج لا إعجاباً بأفكاره وبرامجه. ثم إن اليسار، على رغم كل مشاكله وتخبّطه، نجح في الحصول على قدر لا يمكن الاستهانة به من أصوات الناخبين بلغ أقل بقليل من نصفهم.
وتدلّ التجارب في كل الدول الديموقراطية الغربية على أن اليمين الحاكم الواثق من نفسه يقدم خدمة لليسار بدفعه الى إصلاح نفسه ولمّ شمله قبل المبادرة الى الهجوم والعودة الى السلطة. يستطيع الرئيس ساركوزي أن يسأل أصدقاءه الذين فرحوا بانتصاره مثل الإسباني خوسيه ماريا أزنار الذي كتب عنه مقالاً في الفيغارو أو الإيطالي برلسكوني أو جورج بوش الذي يعاني الأمرّين في واشنطن وعلى الساحة الدولية قبل خروجه القريب من البيت الأبيض.
* كاتب لبناني