رياض صوما *


طرح جورج بوش أخيراً، عنواناً جديداً لحربه الاستباقية الشاملة على المنطقة العربية والاسلامية. فاعتبرها حرباً مفتوحة بين قوى الحرية، وفي مقدمها اسرائيل، وبين قوى الفاشية الاسلامية، وعلى رأسها ايران. سمعنا ذلك، في وقت يزداد فيه وضوحاً، التخلي الاميركي العملي، عن العناوين المثالية لمشاريعهم لهذا الشرق الاوسط الجديد، كتغيير الانظمة الاستبدادية وتعميم الديموقراطية وتسريع وتائر التنمية، الخ... لمصلحة الأهداف الاستراتيجية الحقيقية، سواء ما تعلق منها بالنفط، او أمن اسرائيل، أو تصفية القوى المعارضة للسيطرة الغربية على المنطقة. وما يزداد وضوحاً كذلك، الإيغال أكثر فأكثر في افغانستان أو في فلسطين، وقد أضيف لبنان والسودان الى اللائحة، بانتظار المزيد. ولعل هذا التوجه الأميركي الجديد، يفسر جرأة الأنظمة العربية التابعة والمتعاونة، في رفع عقيرتها بتهديد معارضيها بالسحل، وحماستها في كشف انحيازها الى السياسة الاميركية الاسرائيلية. وهذا يدفع الاميركيين والأطلسيين واسرائيل أكثر، على متابعة سياساتهم العدوانية في المنطقة. وقد تجلى ذلك في العدوان على لبنان، كما تجلى في قرار مجلس الأمن الأخير بشأن الملف النووي الايراني، والتهديدات المتكررة لسوريا... وليست الادارة الاميركية بعيدة، عن انخراط بعض قادة المنطقة، في الحملة التي تشن على ايران وعلى حلفائها الاقليميين، تارة تحت عنوان الهلال الشيعي، وطوراً تحت عنوان «مخاطر الامبراطورية الفارسية»، ودائماً عبر اذكاء الصراع المذهبي على امتداد الشرق الاوسط الكبير. فبدل الاستقواء بالقدرات الايرانية لموازنة القدرة الاسرائيلية التي شكلت خطراً على المنطقة منذ عقود، والاستفادة منها لمواجهة الاحتلال الاطلسي، يفضل هؤلاء القادة افتعال خطر فارسي مزعوم، لتبرير التحاقهم السياسي بأعداء شعوبهم. على كل حال، لا يخرج سلوك هؤلاء، عن التقاليد التاريخية لكل أدوات السياسات الغربية في المنطقة، منذ ما قبل محمد علي باشا، وإلى ما بعد جمال عبد الناصر. لقد كانت هذه مواقفهم دوماً، كلما قامت الولايات المتحدة أو الدول الأطلسية بحملات ضد الدول التي رفضت الخضوع، ككوبا وكوريا وفييتنام ويوغوسلافيا...، وخاصة ضد مصر، ابإن الحقبة الناصرية. والنجاح الإيراني الراهن في امتلاك عوامل القوة، عبر اعتماد نهج البناء الاقتصادي الانتاجي المستقل، والاهتمام بالتصنيع العسكري، واستيعاب التقنيات الحديثة، بما في ذلك التقنيات النووية، يزعجهم كما يبدو، بمقدار ازعاجه للغربيين واسرائيل. فأكثر ما يقلقهم جميعاً، امكانية مساهمة هذا النجاح في تشجيع الآخرين في المنطقة وخارجها، على السعي لمسار مشابه. وكما جاءت الحروب الغربية الصهيونية ضد مصر والعرب سابقاً، رداً على قرار استعادة قناة السويس، وبناء السد العالي، وكسر حصار السلاح، ينتشر الاحتلال الاطلسي راهناً، بدون غطاء أو بغطاء الأمم المتحدة، على امتداد المنطقة... لتطويق وإشغال القوى الاستقلالية والنهضوية العربية والاسلامية. في هذا السياق جاء العدوان الأخير على لبنان كما سبق وأشرنا، ليس فقط من أجل استعادة هيبة الجيش الاسرائيلي المهتزة، وقطع الطريق على مد يد العون لصمود الشعب الفلسطيني، واستكمال عملية تغيير الموقع الإقليمي للبنان، بل كذلك لتزخيم الهجوم الاميركي الإجمالي على «الشرق الأوسط القديم»، وتعزيز فرص الجمهوريين في الانتخابات القادمة. هذا هو المضمر في كلام رايس عن دور العدوان الاسرائيلي في ولادة «الشرق الاوسط الجديد». وهذا هو سبب الاستخدام المفرط للقوة، والإمداد السريع للعدوان بالأسلحة الذكية، وهذا المقدار من التغطية الغربية للعدوان، وتأخير صدور قرار وقف النار. ولذا يمكن اعتبار توصيف قائد المقاومة السيد حسن نصر الله للحرب، بأنها حرب أميركية بأيد اسرائيلية، وبأنها حرب تخاض ليس دفاعاً عن لبنان فقط، بل كذلك دفاعاً عن مستقبل الأمة في محله تماماً. وليس تحميل ايران مسؤولية هذه الحرب سوى محاولة بائسة للإيحاء بأن لبنان والعرب ليسوا مستهدفين من التحالف الاميركي الاسرائيلي. وليس التركيز المتزايد على ايران أصلاً، الا لكونها تشكل دعماً حقيقياً للعرب في مواجهة الخطط الاطلسية الاسرائيلية التي تستهدفهم كما تستهدف ايران. ويمكن الجزم بأن انجاز المقاومة والشعب اللبناني المتمثل بردع العدوان الاسرائيلي الأخير، زاد من ثقة قوى المقاومة العربية والإيرانية بقدرتها على صد الحلقات القادمة من الهجوم، الذي يتخذ من الملف النووي إحدى ذرائعه. ولعل ثبات ايران على صد الحلقات القادمة من الهجوم، الذي يتخذ من الملف النووي إحدى ذرائعه. ولعل ثبات ايران على موقفها من حقها بالاستمرار في تخصيب اليورانيوم، رغم انقضاء المهلة الاولى التي حددها مجلس الامن، يعكس جانباً من ذلك. إضافة لعودة الصلابة للموقفين الروسي والصيني ضد فكرة فرض العقوبات عليها، التي تتمسك بها واشنطن. وكذلك الليونة المستجدة في الموقف الأوروبي التي تمثلت بإعطاء مهلة جديدة للحوار. وهكذا يتضح أن إيران قد نجحت، مرحلياً، بتجاوز العاصفة. علماً بأن بولتون وباقي المسؤولين الأميركيين أكدوا استعداد الولايات المتحدة للمضي منفردة في ضغطها على ايران. وقد كرر بوش شخصياً، عزمه على منع الايرانيين من متابعة مشروعهم النووي. وهذا يرجح ان يكون تجاوز الايرانيين للعاصفة غير نهائي. فلا يمكن استبعاد إقدام ادارة بوش على مغامرة عدوانية ضد طهران، رغم الاحتمالات الكبيرة لفشلها. فالتحالف الاميركي الاسرائيلي ليس مستعداً بعد، كما يبدو، للإقرار بعجزه عن حسم الصراع، ويتجه لمواصلة هجومه العام، رغم الصعوبات التي واجهها حتى الآن، وتلك التي سيواجهها، وقد تكون أكبر بما لا يقاس. وما يشجعه على ذلك استمرار الانصياع الاوروبي، والتواطؤ المعلن من قبل النظام الرسمي العربي، والثغر الجدية في طبيعة بعض أخصامه، والأداء السيئ لبعضهم الآخر. ان الشرق الاوسط عامة، وايران خاصة، يواجهان راهناً، ما يشبه العدوان الثلاثي على مصر الناصرية. مع فارق أول، ان الولايات المتحدة لا تلجم بريطانيا وفرنسا واسرائيل، بل تقودهم وتتقدمهم. وفارق ثان، لا يقل أهمية، ان روسيا لا تهدد بضرب لندن وباريس بالصواريخ، بل تكتفي بدعم متردد للمعتدى عليهم. ان هذا الواقع يعقد المواجهة ويطيلها ويعطيها طابع حرب الاستنزاف، ويستدعي المزيد من الاعتماد على النفس. فغياب حليف يعادل قوة وتصميم الحليف السوفياتي السابق، يزيد من أهمية العوامل الذاتية للصمود، ومن أهمية التحالفات الإقليمية. وتبدو ايران واعية لذلك، فسياسة التقارب مع تركيا ودول الجوار، ودعم حماس والشعب الفلسطيني بوجه الحصار التجويعي، والوقوف الى جانب سوريا ولبنان في وجه التهديد الاسرائيلي، وتشجيع حلفائها في العراق على أخذ مسافة أكبر عن الأميركيين، وحثهم على تغليب ضرورات الوحدة الوطنية على ما عداها، ترجّح هذا التقدير. وهذا التوجه يعزز فرص صمودها بوجه الضغوط الاميركية، ويقطع الطريق على تفكيك صفوف الأطراف المستهدفة. لقد شاءت الظروف التاريخية ان تكون ايران العمق الاستراتيجي للمدافعين عن استقلال المنطقة بوجه غزاتها. فعندما يقول رئيسها أحمد نجاد: نريد شرق أوسط جديد خال من القوات الاميركية والعدوانية الاسرائيلية، فانه يؤكد إدراك القيادة الإيرانية لدورها التاريخي، ويحدد في الوقت عينه، الهدف الاستراتيجي المشترك لكل القوى الحريصة على استقلال المنطقة ومنعتها.
* عضو المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني