عمر نشابة


منذ بداية العدوان الاسرائيلي على لبنان تشنّ مجموعة سياسيين لبنانيين تابعين لمجموعة 14 آذار حملة إعلامية على المقاومة وعلى رئيس الجمهورية وعلى سوريا وإيران. وكلّما اشتدّت حفلة القتل الاسرائيلية لأبناء البلد اشتدّ الهجوم على المقاومة من الداخل اللبناني ــ وهو ما يشبه الطعن في ظهر المجاهدين. على شاشة «إل بي سي» يتزامن تهجّم سمير فرنجية على سلاح المقاومة، صباح الأحد الماضي مثلاً، مع بثّ صور عن القصف الهمجي الإسرائيلي لقرى الجنوب والبقاع، كأن التعليق التلفزيوني على الدمار يأتي على لسان فرنجية. ويستفيض فرنجية في الحديث عن «مشروع الدولة» كأنه مشروع تأسيس شركة تجارية أو مؤسسة صناعية تكبّدت خسائر مالية باهظة بسبب حريق شبّ في أحد مصانعها. إن مشروع الدولة يُبنى على أسس يبدو أن فرنجية والمجموعة التي ينتمي إليها قد أغفلتها بالكامل.
فمشروع الدولة يُبنى أساساً على:
1ــ مبدأ حماية المواطنين من العدوان الخارجي، وذلك يقتضي دعم المقاومة الوطنية التي تتصدّى كما تصدّت في الماضي للهجوم الإسرائيلي المدعوم أميركياً على اللبنانيين. إن الجيش اللبناني، أو أي جيش عربي آخر في المنطقة، لا بل الجيوش العربية مجتمعةً، لا تقوى على صدّ الجيش الإسرائيلي، بينما أثبتت الوقائع الميدانية منذ الثمانينات أن تكتيك حرب العصابات الذي تستخدمه المقاومة يؤدّي الى تراجع الإسرائيليين وصدّ هجومهم وتحرير الأراضي التي يحتلّونها.
يبدو أن مجموعة 14 آذار تتناسى أن الاسرائيليين لا يحترمون القانون الدولي ولا التسويات السلمية ولا تردعهم الضمانات الدولية ولا يسمحون حتى للأمم المتحدة بأن تراقب تحرّكاتهم العسكرية (إشارة الى استهداف إسرائيل قواعد القوة التابعة للأمم المتحدة في الجنوب، مما أدى الى سقوط أربعة مراقبين دوليين)، ومع ذلك تطالب هذه المجموعة بنزع سلاح المقاومة بحجة «مشروع الدولة». إن «دولة» 14 آذار لا تقوى على ردّ أو صدّ أولئك الذين يقتلون أبناء البلد ويدمّرونه إلا بالنحيب والبكاء أمام الزعماء العرب المتراجعين عن معاهدة الدفاع المشترك، أو بتوسّل الأميركيين والفرنسيين من دون جدوى ليسمحوا بدخول المساعدات الإنسانية... دولة تتباهى بأنها استطاعت عبر اتصالات مع سفراء غربيين التوصل الى ضمانات لسحب قوى أمنية ومواطنين من مرجعيون... وبعدما قصف الاسرائيليون قافلة هؤلاء، خارقين «الضمانات»، عجزت دولة 14 آذار عن القيام بأي شيء على المستوى الدبلوماسي أو الإعلامي أو السياسي. لم يكن متوقّعاً ردّ عسكري أو دبلوماسي ولا حتى موقف داعم للمقاومة... لكن كلّ ما كان مأمولاً هو على الأقل كفّ أبواق 14 آذار عن التهجّم على المقاومة.
2ــ مبدأ العدالة يقتضي المطالبة الملحّة بتطبيق جميع القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بما فيها القرارات 242، 338، 194 وغيرها من القرارات، من دون التركيز على قرار واحد (1559) كما يفعل القيّمون على مشروع الدولة التابعين لمجموعة 14 آذار.
قبل شنّ إسرائيل وأميركا عدوانهما على لبنان قام السياسيون في لبنان بخطوات متقدمة في إطار تطبيق الجزء الثاني من القرار 1559، بينما لم تقم إسرائيل بأي جهد لتطبيق القرار 194، مثلاً، الذي ينصّ على عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، على رغم أن هذا القرار صدر منذ عشرات السنين. مع استمرار اسرائيل في خرقها القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، ومع استمرار التهديد الاسرائيلي لأمن جنوب لبنان، ومع استمرار احتجاز أسرى لبنانيين في سجون الدولة العبرية، هل يجوز أن يركّز «مشروع الدولة» على «نزع» سلاح المقاومة عبر مطالبته الملحة بتطبيق الـ1559 حتى بعد شنّ إسرائيل حربها المدمِّرة على لبنان؟
3ــ مبدأ احترام القانون والأسس القانونية السليمة... ويقتضي ذلك فصل السلطات وعدم التدخّل في التحقيقات القضائية واعتبار جميع المشتبه بهم أبرياء حتى تثبت إدانتهم أمام المحكمة كما تنصّ مقدمة الدستور (بالإشارة الى وجوب احترام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان). إن القيّمين على «مشروع الدولة» التابعين لمجموعة 14 آذار ما انفكّوا يتهمون سوريا ويتعاطون معها كدولة «مجرمة» و «قاتلة» رفيق الحريري وآخرين قبل صدور حكم المحكمة لا بل قبل ختم التحقيق الدولي. وتستمرّ هذه المجموعة في التعاطي غير القانوني مع رئيس الجمهورية اللبنانية الذي كان الحريري نفسه قد صوّت على تمديد ولايته، ولم يثبت قضائياً بعد وجود تهديدات دفعت النواب إلى التصويت على التمديد.
إن مشروع دولة حقيقياً لم يكن مطروحاً أصلاً، والمجموعة التي تجتمع في السفارة الأميركية بينما تتساقط القذائف والصواريخ الأميركية الصنع على مواطنين لبنانيين لا يجوز أن يُسمح لها بالحديث عن مشروع الدولة الحقيقي، لأنها خالفت أبسط القواعد الوطنية والإنسانية. وعلى هؤلاء أن يخجلوا من اجتماعاتهم بالأميركيين والمطالبة بنزع سلاح المقاومة بينما يتمسّك مئات آلاف المواطنين الذين فقدوا أهلهم وأولادهم وبيوتهم وأرزاقهم، بحزب الله وبجناحه العسكري المجاهد.