يقول محمد العبدالله في إحدى قصائده: «شوارع المدينة مش لحدا... شوارع المدينة لكل الناس... نحنا الناس...». أما محمود درويش فيقول في قصيدته "سجّل أنا عربي": "أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ... شوارعُها بلا أسماء وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ".

ذهب ابن المدينة، وجاء مكانه أحدٌ من خارجها. يّدعي حصرية الانتماء إليها، تحت شعار «البيارتة»، نافياً هذا الانتماء عن مئات الآلاف من البيروتيين، أبّاً عن جد، بسبب هوية طائفية.
عام 1990 انتهت الحرب اللبنانية، رسمياً، بعد أن دمّرت بيروت حجراً على حجر، وهجّر خيرة شبابها إلى غربات بعيدة. بدأت بعدها مرحلة جديدة – قديمة، مع دخول الشيخ رفيق الحريري وفريقه إلى حلبة السياسة اللبنانية من بابها العريض، لتنطلق حقبة فساد غير مسبوقة في وطن الأرز.
حينذاك، وعدت الحكومات الحريرية بإطلاق حملة إعادة الإعمار، من بيروت عام 1995. فنشرت خرائط ومجسمات وصوراً عن بيروت عام 2000. لكن، وبعد مرور عشرين عاماً، وانفاق، أو هدر مئة مليار دولار، لا تزال العاصمة مدينة أشباح، لا علاقة لها بسكّانها المظلومين، خصوصاً إذا كانوا من «البيارتة»، بحسب توصيف الشيخ سعد الحريري في الانتخابات البلدية الأخيرة. لقد ماتت بيروت الثقافة والحضارة مع عصر الحريرية، الذي أغرق لبنان بالديون، ووضع اليد على أفضل منطقة عقارية على هذا الجانب من البحر المتوسط، تحت مسميات مختلفة، أبرزها شركة "سوليدير".
لم تدخل الحريرية العمل العام في بلدية بيروت، أو في الحكومة اللبنانية، من أجل الخدمة العامة، بل لاستباحة المال العام، وخدمة مشاريع إقليمية، لا تصبّ في المصلحة الوطنية.
فقد كان أسلوبها استخدام جميع الأساليب المشروعة، وغير المشروعة، لكي يصبح المال العام والملك العام ملكية شخصية، أكان عبر شركة "سوليدير" أو عبر شركات شكلية قامت بتأسيسها، باسم رفيق الحريري، وأبنائه، وزوجته أحياناً، أو باسم أحد معاونيه، أو من التابعين له أو من موظفيه.

استغلت الحريرية الضائقة المعيشية واشترت مساحات شاسعة بأبخس الأثمان

فكانت، تطفو إلى السطح، بين فترةٍ وأخرى، فضيحة من فضائح الحريرية، سواءً الخليوي، أو الرملة البيضا، أو الدالية على البحر، أو فضيحة النفايات المدوية. ثم أنّ الحريرية أدخلت الفساد إلى لبنان من بابه العريض. فبعدما كانت الرشاوى، و"الكومسيونات" في السبعينيات لا تتجاوز الخمسين ألف دولار لتمرير الصفقات والسرقات، بات الحد الأدنى لرشى الفساد لا يقل عن 50 مليون دولار، ومعه ارتفع النهب إلى عقارات وثروات وأموال بمئات ملايين الدولارات. فمَن هو يا ترى الذي سيقاوم هذا الإغراء المذهل الذي بدا مع الحريرية وكأنّه قادم من الفضاء الخارجي؟
لقد أصبح المنصب العام، من البلدية إلى النيابة والإدارة العامة، باباً للإثراء الشخصي. ثم كانت الصناديق الرسمية التي أنشأتها الحريرية، للهدر والتنفيع، وعلى رأسها مجلس الإنماء والإعمار وهيئة الإغاثة وغيرها. وكانت النيّة الشريرة أن هذه الصناديق لا تخضع لمجلس الوزراء مجتمعاً، ولا لديوان المحاسبة، بل تتبع لشخص رئيس الحكومة مباشرة. فيعيّن فيها من يشاء وينفق كما يحلو له. فاستُعملت أموال الإغاثة، والتي هي من المفترض لضحايا الحروب الإسرائيلية والكوارث، على مشاريع الحريري العقارية. وبعد رحيل رفيق الحريري، مؤسس الحريرية، انتشر النفوذ على الصناديق بين أبنائه، وخاصة سعد الحريري، وشقيقة رفيق، بهية، ورموز تيار المستقبل.
في بيروت، وخارج حي "سوليدير" الذي لم يعد من لبنان، هناك عدد كبير من أحياء العاصمة وشوارعها دون إشارات، تعيش التخبّط والعشوائية. وطيلة 2015، وجزء من العام الجاري، تكوّمت النفايات في الشوارع حيث لم تجمعها شركة "سوكلين"، إحدى إنجازات الحريرية وتلزيماتها لزبانيتها. فامتلأت سماء العاصمة بالتلوث والروائح البشعة، ولم ينفع ضغط الناس وتظاهرات الشبيبة لأنّ الطبقة السائدة جلدها "متمسح".
استعملت الحريرية سلاحي المال والإعلام، واشترت الذمم والمثقفين والنخب السياسية، وبات معروفاً بالأرقام، وبالتواريخ، صناديق الدولة الموزّعة بين «أمراء الحرب وحيتان المال»، وفق تعبير الكاتب كمال ديب. أحدها مجلس الإنماء والإعمار، والذي يتولى توزيع المشاريع على البلديات، وحصّة الأسد لبلدية بيروت. ومن هنا، بدأت التلزيمات والمقاولات والتعديات على أملاك الدولة. وحدّث ولا حرج عن نهب أرشيف تلفزيون لبنان، وإهمال المكتبة الوطنية القديمة. فمَن يحب بيروت عليه أن يهتم بتراثها وماضيها الثقافي، أولاً. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنها فقط حكومة الدكتور سليم الحص أنقذت المكتبة، وأصدرت قراراً عام 1999 بجعل مبنى كلية الحقوق والعلوم السياسية في الصنائع للمكتبة الوطنية.
ويفضح مهندس مشروع إعادة إعمار الوسط التجاري، هنري إدّه، قصة وضع اليد على وسط بيروت. يقول: «طلب منّي رفيق الحريري بعض الإيضاحات حول الحصّة العائدة للدولة في أراضي المرفأ. كان يريد معرفة وجهة نظري في التعويض الذي يجب أن تدفعه الشركة العقارية للدولة، مقابل أن تتنازل لها عن هذه الأراضي. وعندما أجبته بأنّي أقدّر قيمة هذه الأراضي، بما يقارب أربعمئة مليون دولار، رفع ذراعيه إلى السماء وقال لي إنه لا مجال لديه لا لدفع مثل هذا المبلغ الهائل، ولا للتخلي عن هذه الأراضي. وأنّ علي أن أجد الوسائل الكفيلة بتقليص المبلغ الذي أعلنته». لاحقاً، حصلت «سوليدير» على هذه الأراضي دون أن تدفع.
ويضيف إدّه أنّ الحريري شكا من عدم تقدّم الأعمال، فأبلغه عن رزنامة الأعمال والتنفيذ. فقال الحريري إن «مما قلته لي أحفظ المساحة الإجمالية للأراضي الصالحة للبناء، في وسط المدينة، هي بحدود 600 ألف متر مربّع. وعلى افتراض أنّ هناك 300 قطعة، كل واحدة مساحتها ألفي متر مربّع، فأنا ألتزم شخصياً بأن أعثر لك، في أقل من أسبوع، على 300 مشترٍ من الخليج. وسيكونوا في غاية السعادة ليوظف كل واحد منهم ستة إلى سبعة ملايين دولار، لاستملاك قطعة أرض وسط بيروت». واعترض إدّه على هذا القول، وضرورة إتاحة الفرصة لأكبر عدد من اللبنانيين، عبر أسهم كي يعيدوا بأنفسهم بناء مدينتهم، بناءً يجسّد تقاليدهم وآمالهم ويجعل بيروت تنتسب إليهم.
امتدت الإمبراطورية العقارية الحريرية في بيروت إلى حي فردان، حيث أُزيل مركز "الأونروا"، لشؤون اللاجئين الفلسطينيين، واستثمر العقار على مساحة 14 ألف متر مربّع بمباركة رئيس بلدية بيروت، آنذاك، محمد الغزيري. ثم من موقف السيارات، مقابل مقرّ "الأونروا" نزولاً إلى الكرمل سان جوزف، وحتى الرملة البيضا، والتي أصبح اسمها جادة رفيق الحريري، وجرى وضع اليد عليها لبناء مرفأ ومجمّع سياحي يتصلان بـ"سوليدير"، عبر الخط البحري، والذي تملك هذه الشركة معظم عقاراته عكس القانون، لأنّه لا يمكن لأحد استملاك الشاطئ.
ومن "سوليدير"، صعوداً نحو حي كليمنصو، تملّكت الحريرية مساحات كبيرة في المنطقة، منها سنتر قازان. كذلك وضع اليد على مساحة 9000 متر مربّع، ابتداءً من تمثال جمال عبدالناصر في عين المريسة حتى فندق سان جورج. فعلى مريد الاستثمار، في هذا العقار، أن يدفع عمولة بملايين الدولارات. وبين هذا وذاك، مروراً بحي الصنوبرة ثم قريطم، حيث قصر الحريري هبوطاً باتجاه السفارة السعودية، ما أدراك من أملاك حريرية هناك.
ووضعت الحريرية يدها على رئاسة الحكومة، ورئاسة مجلس الإنماء والإعمار، ورئاسة مجلس تنفيذ مشاريع بيروت الكبرى، ورئاسة المجلس البلدي وأعضائه، ومنصب محافظ مدينة بيروت. إذاً الحريرية هي حاكمة المدينة، وأميرتها ووليّة أمرها. لقد استغلت الحريرية الضائقة المعيشية، والوضع الاقتصادي، كما في سيناريو نيوليبرالي وصائدي الثروات، واشترت هذه المساحات بأبخس الأثمان.
وسعت لإنشاء شركة عقارية لجنوب بيروت، باسم «إليسار»، على أساس المحاصصة الطائفية بمساحة 5.6 مليون متر مربّع. كما أنّ مشروعاً مماثلاً وُضع لساحل المتن الشمالي، قضى بردم البحر، وللحريرية حصّة في الشركة منذ البداية، بمشاركة الوزير ميشال المرّ.
وإذا استعرضنا خارطة بيروت العقارية، لوجدنا أنّها تحوّلت تدريجياً إلى مملكة حريرية، ومتموّلين عرب أو أجانب، أو لبنانيون لا يمتّون إلى بيروت بصلة. مركزها قلب بيروت، وأطرافها تمتد في الجهات الأربع: من سوليدير نحو المتن شمالاً، ونحو الجناح جنوباً، وعمقاً إلى الشرق.
ومن المفترض أنّ ترخيص "سوليدير" صالح لمدّة 25 سنة، أي ينتهي عام 2019. فمدّدت حكومة فؤاد السنيورة عمر الترخيص 10 سنوات، ليصبح 35 عاماً. والمفارقة، أن مجلس بلدية بيروت السابق، والذي رأسه بلال حمد، عمل لمصلحته الخاصة في المقاولات، قد خلفه، في رئاسة البلدية، المدير التنفيذي لـ"سوليدير"، جمال عيتاني، بحملةٍ حملت شعار «بيروت للبيارتة». شعار تتقزّز له النفوس ويتنكّر لتاريخ المدينة الحضاري، واحتضانها لكافة أبناء الشعب اللبناني. وعيتاني يعمل مع فريق البلدية حتماً، لمزيد من الإمعان في نهب المدينة، تحت اسم "البيارتة" طبعاً، ولكن لصالح النيوليبرالية الحريرية المستشرسة.

* صحافي لبناني ــ برلين

المراجع:
كمال ديب، أمراء الحرب وتجار الهيكل: خبايا رجال السلطة والمال في لبنان، بيروت، دار الفارابي، 2015.
نجاح واكيم، الأيادي السود، بيروت، شركة المطبوعات، 1996.
هنري إدّه، المال إن حكى، شركة المطبوعات، 1996.