تتشدد السلطات التركية بشأن ما تنقله وسائل الإعلام مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في البلاد، بعد ان وجّه أردوغان انتقادات حادة لصحيفة «حرييت»، بسبب عنونة الصحيفة في صفحتها الأولى «حكم الإعدام بـ52 بالمئة من الأصوات»، في اشارة الى الرئيس المصري السابق محمد مرسي. ما عرضها لهجمات الاعلام الموالي للسلطة الذي اعتبرها محاولة للغمز من قناة اردوغان الذي حصل على نسبة مماثلة في الانتخابات الرئاسية. يخشى اتحاد الصحافيين الأتراك من مساواة الصحافة بالإرهاب ومن خطط الحكومة لاستغلال قوانين مكافحة الإرهاب لإغلاق صحيفتي «حرييت» «وزمان» ومصادرة أصولهما وشركاتهما الأم، وهما مصدر رئيسي لوسائل الإعلام المستقلة.


في الوقت عينه لم يوفر اردوغان صحيفة «نيويورك تايمز» اذ هاجمها متهماً اياها «بالتدخل في شؤون بلاده الداخلية»، وبأنها تتخطى حدود الحرية بسبب مقال انتقدت فيه ممارسات الحكومة القمعية قبل الانتخابات، واعطى اوامره بالامتناع عن اعطاء مراسل الجريدة في تركيا الجنسية الفخرية.
وبينما تحتل الانتخابات البرلمانية مقالات الصحف وتعكس الأجواء حدة في المنافسة بين الأحزاب تتباين استطلاعات الرأي حول النتائج ما يلهب الاجواء الانتخابية. ووفقاً للمجلس الأعلى للانتخابات التركية فإن 166 مرشحاً مستقلاً و20 حزباً سياسياً يتنافسون على مقاعد البرلمان الـ550، وأبرزها حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، وحزب الحركة القومية، وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي. ويجوب قادة الاحزاب الولايات التركية الـ81 عارضين أفكارهم وبرامجهم ووعودهم على الناخبين.

برامج الاحزاب

يشدد برنامج حزب العدالة والتنمية على النمو الاقتصادي والسعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ويعد الحزب ببناء تركيا الحديثة عن طريق إقرار النظام الرئاسي عبر تعديل الدستور، وتحقيق السلم الأهلي مع الأكراد. أما حزب الشعب الجمهوري المعارض فهو يركز على الملف الاقتصادي ويعد بتخفيض الضرائب ورفع اجور المتقاعدين.

حتى الآن لم يتورط أتباع
حزب الشعوب الديمقراطية في العنف رغم التحريض
وتعهد السعي الى تحقيق السلام في سوريا وإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. أما حزب الحركة القومية فهو ضد سياسات الحكومة ومنها مفاوضة الاكراد، ويركز حزب الشعوب الديمقراطي على تجاوز العتبة الانتخابية، والحصول على نسبة تزيد عن 10% من أصوات الناخبين، واعداً الاحزاب الحليفة بإفشال مساعي العدالة والتنمية لتعديل الدستور وإقرار النظام الرئاسي لحكم البلاد. تبدو تحالفات الاحزاب بالرغم من اختلافاتها الايديولوجية حمالة لمفاجآت غير متوقعة، ولقد ظهرت أولى بوادرها بالتحالف الذي يقيمه حزب الشعب الجمهوري مع أحزاب إسلامية صغيرة مثل «السعادة» و«الأمة». كذلك التحالف غير المعلن بين «جماعة الخدمة» والاحزاب الثلاثة مجتمعة. يخشى حزب العدالة والتنمية جماعة الخدمة، اي الغولينيين، كونه يعلم ان باستطاعتهم استقطاب الاسلاميين المعتدلين وهم كثر في تركيا لذلك يشن اردوغان حملة شعواء عليهم قضائياً وسياسياً كما يحاول داوود اوغلو تصوير حزب الشعوب الديمقراطي بأنه مرتبط مع الإرهاب وهو ضد القييم الدينية، فالهجمات المتكررة على مقار حزب الشعوب الديمقراطي هدفها أن يقوم الحزب برد فعل من خلال عمليات عنف حتى تتدهور مكانته في نظر الناخبين. لكن حتى الآن لم يتورط أتباع حزب الشعوب الديمقراطي في العنف رغم التحريض. لا شك بان الحزب سيلعب الدور الأهم في توزيع المقاعد البرلمانية، ولا يزال الوضع حرجاً. فبعض استطلاعات الرأي تتوقع لهذا الحزب أن يحصل على ما بين 9 و11% من الأصوات. وعليه فمن المحتمل ألا يتخطى العتبة الانتخابية. فإن لم يتخط العتبة الانتخابية فإن حزب العدالة والتنمية سيشكل الغالبية في البرلمان. ولو حصل حزب الشعوب الديمقراطي على 9.2% من الأصوات كما ورد في استطلاع متروبول فسيبلغ عدد نواب العدالة والتنمية 316 بحصوله على 42.8% من الأصوات، أما إذا تخطى العتبة الانتخابية فسيكون عدد نواب العدالة والتنمية 263 أي أقل من 276.

استطلاعات الرأي ومصداقيتها

غالباً ما توصف استطلاعات الرأي في تركيا بأنها هشة لا سيما عندما اشارت عمليات المسح العام المنصرم الى تدهور مكانة الحزب الحاكم بين الناخبين لكن تناقضت هذه النتائج مع الواقع، لا سيما وان العدالة والتنمية نال في الانتخابات البلدية 46% ونال اردوغان 52% في الانتخابات الرئاسية. لكن بعض التوقعات تعتقد أن حزب العدالة والتنمية سيحصل في هذه الانتخابات على نسبة تتراوح ما بين 45 و50% وهي النسبة الأقرب للواقع الذي تعيشه تركيا حالياً، وأنه من المرجح أن يتمكن الحزب من تشكيل الحكومة، بينما هذه النسبة لا تعطيه الصلاحية لكتابة دستور جديد، أو عرضه على الاستفتاء، والانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي. وبحسب دراسة استقصائية أجراها الباحث الاجتماعي بكير ايردير فإن 60% من الرأي العام التركي يقف ضد اعتماد نظام رئاسي. كما اشارت دراسته إلى أن الدعم الجماهيري لاردوغان يتناقص بسبب ظهوره المتكرر في الساحة السياسية وتدخله في الشؤون الخاصة للشعب التركي... تتطابق هذه الاستطلاعات مع النتائج تلك توصل اليها الدبلوماسيون الغربيون في تركيا والتي اشارت الى ان حزب العدالة والتنمية سيكون هو الرابح في الانتخابات لكنه سيحصل هذه المرة على نسبة ستتراوح بين 40 و42%، اما حزب الشعوب الديمقراطي فسيتخطى سقف الـ10% ويقف عند الـ11%، وهذا يعني ان حزب العدالة والتنمية سيحصل على 300 مقعد وسيكون باستطاعته تأليف حكومة ولكنه لن يستطيع طرح تعديل الدستور للحصول على نظام رئاسي. حتى ان بعض الاستطلاعات ذهبت الى القول انه سيحتاج الى احد احزاب المعارضة لتأليف حكومته، ويمكن ان يقود هذا الامر الى توتر سياسي وعدم استقرار في البلاد لأن اردوغان سيشعر بعدم الراحة مع حكومة فقدت السلطة اضافة الى خسارة عدد كبير من المقاعد البرلمانية، لذلك هو يخشى ذلك ويقود بنفسه الحملات الانتخابية ويعتقد الدبلوماسون الغربيون أن استراتيجية اردوغان لتحويل النظام الى رئاسي لكي يتمكن من حكم البلاد كما يريد هي بالذات التي ستؤثر في نسبة التصويت للحزب وربما سيقود هذا الامر الى خلافات بينه وبين داوود اوغلو. كذلك سينعكس الامر على محادثات السلام مع الاكراد ما سيجر البلاد الى عدم استقرار في مجالات الاقتصاد والديمقراطية. هذه التوقعات المستندة الى تقارير واستطلاعات للرأي تعكس رأي الدبلوماسيين الغربيين في انقرة الذين يرون ان اردوغان يتصرف بديكتاتورية لطالما انتقدها ويعود الامر الى انه لم ينظر الى تظاهرة «جيزي» على انها تظاهرة عادية بل رأى فيها مؤامرة غربية، ولم يتعامل مع فضائح الفساد بإقامة تحقيقات عادلة بل تصرف على اساس ان المؤامرة تستكمل ضده. يمكن القول في هذا الصدد ان الوضع لا يزال يحتفظ بخطورته إلى الآن وقد يتغير كل شيء بشكل مفاجئ.

* باحثة لبنانية