لقد انسابت تداعيات التطورات الاجتماعية ــ السياسية الصاخبة التي شهدها عام 2016 إلى العام الجديد. ما كادت الساعات الأولى لعام 2017 تحلّ على تركيا حتى واجهت سفكاً متجدداً للدماء، عندما تعرضت حشود تحتفل بحلول العام الجديد في ملهى ليلي في اسطنبول لإطلاق نار من قبل مسلم متطرف، قرر أن يعرب عبر اللجوء إلى العنف عن احتجاجه على التزام بلد غالبية سكانه من المسلمين بالتقويم الميلادي. وتركيا ما هي إلا بلد من بين بلدان عديدة تجد نفسها في صدارة التحولات الجيو ــ سياسية التي تعصف بمناطقها وبمناطق أبعد منها.


إن إلقاء نظرة على الاتجاهات الكامنة التي صاغت السياسة الدولية في عام 2016 تشير إلى ازدياد أهمية التحالف الناشئ عبر أوراسيا، وهو تحالف يبدو أن قَدَرَه أن يؤثر بشكل كبير في الجغرافيا السياسية في عام 2017.
فالمرحلة الأولى من هذا التحالف المستند إلى أوراسيا هو في طور التشكيل عبر اصطفاف المصالح السياسية والجيو ــ استراتيجية لكل من روسيا، والصين وإيران وبالتالي لدول آسيا الوسطى. وبالفعل، ولقد جعل هذا التحالف العلاقات الدولية تشعر بأصداء ما يُحدِثه من هزات.

بناء كتل اقتصادية كبرى

من ناحية اقتصادية، يقوم التحالف الثلاثي الناشئ، والمكون من روسيا، والصين، وإيران، على «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الناشئة، والكتلة الاقتصادية الروسية المعروفة باسم «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي»، والموارد الطبيعية ومصادر الطاقة الوفيرة لدول آسيا الوسطى، وموقع إيران الاستراتيجي كمركز ناشئ للتجارة والطاقة يتمتع بدور أمني متنام كحصن حصين في مواجهة الجهادية الوهابية التي ألهمتها السعودية. فمن منظور الأمن القومي، ينظر هذا التحالف الثلاثي إلى الجهادية الوهابية كتهديد استراتيجي يمكن أن يتلاعب به الغرب أو حلف «شمال الأطلسي» ليعيث الخراب الاجتماعي والاقتصادي في أنحاء اليابسة الأوراسية.
إن «مبادرة الحزام والطريق» الصينية ــ وهي مجموعة من مشاريع البنى التحتية الضخمة تمتد في أنحاء أوراسيا وتشمل أيضاً طرق الملاحة البحرية العالمية – تُحدِث تحولات في معظم أنحاء المشهد الاقتصادي في آسيا الوسطى. فالاستثمارات التي قامت بها الصين، وبمباركة إيديولوجية من روسيا، في مجال النقل، والاتصالات، وأنابيب الطاقة، والجامعات، والخدمات اللوجستية، قد أنعشت التجارة على امتداد طريق الحرير، وأوجدت فرص عمل لآلاف المواطنين المحليين في دول «مبادرة الحزام والطريق».


يعتبر قرار تركيا بمواءمة سياستها مع روسيا وإيران أكثر من نقلة سياسية


وفي موازاة «مبادرة الحزام والطريق»، يطالعنا «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» الذي تقوده روسيا كسوق موحدة متكاملة مؤلفة من روسيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وأرمينيا، وقيرغيزستان، بناتج محلي إجمالي يبلغ مجموعه 4 تريليونات دولار أميركي. ولقد فاتحت دول آسيوية، بما فيها أعضاء في «رابطة أمم جنوب شرق آسيا» (آسيان)، هذه الكتلة الاقتصادية الصاعدة في شأن عقد اتفاقيات للتجارة الحرة. وفييتنام، على سبيل المثال، قد وقعت بالفعل اتفاقاً للتجارة الحرة مع «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي». ووجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعوات إلى دول أوروبية غربية لتطوير علاقاتها التجارية مع أعضاء «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي». ويوفر «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» لموسكو إمكانية الإبقاء على دول آسيا الوسطى ضمن نطاق نفوذها بينما يقدم للصين مبالغ نقدية واستثمارات هي في أمسّ الحاجة إليها لتحديث البنى التحتية الحيوية للدول الأعضاء فيه.

تحالف أكثر جرأة

وينظر قادة الثلاثي المؤلف من موسكو، وبكين، وطهران إلى الوضع الحالي للتحالف الغربي على أنه يواجه تحديات على جبهات متعددة إلى درجة أنه يصعب عليه الحفاظ على التماسك الاستراتيجي في سياسته الخارجية. وتشمل هذه التحديات، من وجهة نظرهم، النمو الاقتصادي الضعيف، ومعدلات البطالة المتنامية، وصعود نجم السياسات الشعبوية، والوهن الذي يدب في أوصال التحالف العابر للأطلسي، وأزمة اللاجئين الضخمة التي تمزق نسيج المجتمعات الغربية، مشعلة فتيل توترات عرقية وثقافية. ويعتبر هذا الثلاثي أيضا أن انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة نذير بمزيد من الضعف في التحالف العابر للأطلسي، نظراً إلى سياسات ترامب الانطوائية الرامية إلى إنعاش الاقتصاد الأميركي وقاعدته التصنيعية، وازدرائه الناتو، والذي يرى فيه منظمة يستخدمها حلفاء الولايات المتحدة لاستغلال كرمها لصالح أمنهم الجماعي، وخططه الرامية إلى نسج علاقات أكثر دفئاً مع روسيا ولربما حتى تنسيق بعض السياسات مع موسكو.

سوريا كنقطة تحول جيو ــ استراتيجية

لقد شكل قرار روسيا بالتدخل في الحرب الأهلية السورية في تشرين الثاني 2015 هزة للتحالف المناوئ للأسد. فهذا التحالف تشكل بشكل رئيسي من السعودية، وقطر، وتركيا مع دعم تدريجي من إسرائيل، وخصوصاً بعدما قررت إسرائيل إقامة تحالف فعلي مع السعودية وقطر. لقد تصورت القدس، والرياض، والدوحة، وأنقرة أنها ستلحق مجتمعة الهزيمة بجيش الأسد وبالتالي ستطيح بحكومته موجهة ضربة استراتيجية حاسمة لإيران وحضورها في بلاد الشام. لا يمكن التقليل من شأن ضخامة الرهانات في سوريا بالنسبة إلى التحالف المناوئ للأسد الذي تقوده السعودية، وبالتالي لـ»الأطلسي». فتدفق عشرات الآلاف من المتمردين إلى سوريا من تركيا والأردن والدعم الذي تلقوه في مجال الخدمات اللوجستية، والعلاقات العامة، والتسليح من دول «الأطلسي» ــ بما في ذلك الدعم في مجال الأمن الحاسوبي من بعض المؤسسات الكندية ــ كل ذلك أكد على أهمية الإطاحة بالأسد بالنسبة إلى هذا التحالف.
ولقد استند إصرار روسيا على إلحاق الهزيمة بالتحالف المناوئ للأسد بدعم من إيران و»حزب الله» إلى المبرر الاستراتيجي التالي: إن الإطاحة بالأسد من السلطة وتالياً إقامة نظام سلفي في سوريا تحت وصاية تركيا والسعودية سيقدمان لـ»الأطلسي» فرصة لزعزعة استقرار بلاد القوقاز وآسيا الوسطى عبر تشجيع، ودعم، وتقوية جماعات أصولية سنية هناك، وبالتالي تقويض المصالح الروسية الجيو ــ سياسية والجيو ــ استراتيجية الحيوية في حديقتها الخلفية. وشاطرتها إيران والصين، اللتان لديهما مصالح حيوية متشابهة في القوقاز وآسيا الوسطى وتعتبران الجماعات السلفية الوهابية تهديداً استراتيجياً، هذا المبرر الاستراتيجي بسهولة. وبالنسبة إلى الثلاثي المؤلف من روسيا وإيران والصين، فإن ضخامة التهديد المُحتَمَل الذي تشكله سوريا إسلامية بعد الأسد حولت إلحاق الهزيمة بالتحالف المناوئ للأسد إلى ضرورة استراتيجية.
وشكل سقوط حلب في كانون الأول وعودة المدينة إلى قبضة الجيش السوري زلزالاً جيوــ سياسياً. فلقد أشادت طهران وموسكو بسقوط حلب كنصر حاسم ضد كتلة قوية كانت عاقدة العزم على إعادة رسم خريطة المنطقة وتقويض مصالحهما الحيوية بشكل خطير. وألقت بكين أيضاً بدعمها الدبلوماسي وراء العملية الرامية إلى إلحاق الهزيمة بالمتمردين في سوريا، معلنة أن إعادة السيطرة على المدينة تصب في خدمة «مصالح السلم والأمن الإقليميين».
وعقب سقوط حلب في أيدي قوات الأسد، شنت وسائل الإعلام الروسية، والإيرانية والصينية هجوماً في حقل العلاقات العامة لإظهار أن المتمردين المناوئين للأسد هم أبعد ما يكون عن «الاعتدال»، وهي فكرة غذت بها معظم وسائل الإعلام العربية والغربية عامة الناس على نحو متواصل. فعندما عُرِضَت الفظائع التي ارتكبتها القوات المناوئة للأسد ضد السكان المحليين على الملأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الخبرية المستقلة، خسر المتمردون «المعتدلون» معظم مصداقيتهم. ومن وجهة نظر الثلاثي، شكل انهيار «المتمردين المعتدلين» انقلاباً في حقل العلاقات العامة.

استدارة أردوغان

لقد شكل الاجتماع غير المسبوق في موسكو بين وزراء خارجية روسيا، وتركيا وإيران في أعقاب سقوط حلب، والذي جرى بعد يوم واحد من اغتيال السفير الروسي إلى تركيا، أوضح مؤشر على استدارة حكومة الرئيس أردوغان الاستراتيجية في سياسته حيال سوريا. وأظهر الاجتماع أيضا نية أردوغان حرف مسار سياسته الخارجية عن سياسات السعودية وقطر. فلقد تواصل أردوغان، المصاب بالإحباط جراء ما اعتبره انعدام الدعم الأميركي لهجوم تركيا في سوريا لتفادي قيام دولة كردية مستقلة، مع روسيا للحصول على مساعدتها. ويشن سلاح الطيران الروسي حالياً ضربات جوية ضد «داعش» والمقاتلين الأكراد دعماً للهجوم العسكري التركي في سوريا.
أنقرة واللاذقية في أوراسيا «مبادرة الحزام والطريق»
يعتبر قرار تركيا بموائمة سياستها مع سياسات روسيا وإيران وبالتالي الصين أكثر من نقلة سياسية. فهو بالفعل نقلة جيو ــ استراتيجية في طور التشكيل. لقد أدى الفشل الذريع الذي منيت به سياسة تركيا الخارجية في حقبة ما بعد «الربيع العربي»، والذي تبلور في سوريا، إلى تدفق خطير للمتمردين الوهابيين الأصوليين إلى البلاد، وهو تطور تحول إلى تهديد للأمن القومي. فعبر توجيه دفة سياستها الخارجية شرقاً، تسعى تركيا للحصول على ملاذ من تحالفها العبثي مع الرياض والدوحة، والذي تحول إلى عبء مكلف بدلاً من أن يكون ثروة.
والانضمام إلى محور طهران ــ موسكو ــ بكين يعتبر اعترافاً من أردوغان بالفرص والمنافع طويلة الأمد بالنسبة إلى الاقتصاد التركي التي تقدمها «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. وفي المقابل، بالنسبة إلى بكين، تعتبر تركيا وسوريا المستقرة التي لا يدير أمورها جهاديون، قطعة لا غنى عنها في خط جيو ــ استراتيجي للنقل والطاقة يمكن أن يمتد على امتداد الطريق إلى مرفأي طرطوس واللاذقية السوريين. وإذا ما تواصل ميل تركيا إلى أوراسيا من دون انقطاع، فإن ذلك سيشكل انقلاباً جيو ــ استراتيجياً بالنسبة إلى بكين وموسكو. أما بالنسبة إلى طهران، فسيشكل ذلك خطوة أخرى نحو تعزيز مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، والقوقاز، ووسط وغربي آسيا.
إن تخوم نقلة جيو ــ استراتيجية ناشئة، ستُشعِر السياسة والاقتصاد العالميين بارتداداتها، هي في طور التشكيل أمام ناظرينا وعلى شاشات الحواسيب.

(هيئة تحرير مؤسسة «فورين بوليسي كونسبتس» للاستشارات في تورنتو، كندا)