أدوات الاستعمار للسيطرة على مقدرات الشعوب «تطورت» من الاحتلال العسكري المباشر (كولونيالية كلاسيكية) إلى سيطرة اقتصادية وسياسية وخلق طبقة حاكمة من سكان البلاد ترتبط مصالحها مباشرة مع القوى الاستعمارية في إطار «نيوكولونيالي». ومن ضمن أدوات الهيمنة التي «طورتها» القوى الاستعمارية نفسها، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.


كانت هذه المقدمة ضرورية لتوضيح السياق الذي يتناوله هذا التعقيب عن رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض، ودوره في تعميق الشرخ الفلسطيني. والدخول في مرحلة جديدة عملت على تأخير الوصول للهدف التحريري من حرية وعدالة ومساواة، بما يشمله ذلك من حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض.
جاء الرجل بمظلة «دولية» من البنك الدولي ضمن مجموعة من الأدوات التي ابتدعتها الولايات المتحدة للضغط على ياسر عرفات على الرغم من كل التنازلات التاريخية التي قدّمها الأخير.
تعيين فياض كان شرطاً كي تقوم أميركا والاتحاد الأوروبي بتقديم «المعونات». تولى فياض وزارة المالية من 2002 - 2005، ثم تولى رئاسة الوزراء عام 2007 على الرغم من فوز كتلته (الطريق الثالث) بمقعدين فقط. خلال فترة ترأسه للحكومة عانى قطاع غزة أسوأ سنوات الحصار الذي يعد جريمة حرب كونه «عقوبة جماعية» بامتياز تمارسها إسرائيل بأشكال عدة. تميز هذا الرجل بمهنية عالية وبمقاييس الليبرالية الجديدة، وبرز ذلك في المديح الدائم الذي كان يتلقاه من المنظومة الغربية، وبالذات من توني بلير. توهم فياض أنه بالانصياع الكامل لشروط الولايات المتحدة، وبالتالي إسرائيل، فإنه قادر على بناء ما أسماه «مؤسسات الدولة المستقلة» على حدود الـ67، وذلك من خلال التنسيق الأمني «المقدس»، خصخصة الاقتصاد الفلسطيني، وبالتالي تبعيته للاقتصاد الإسرائيلي، مع محاولة الابتعاد عن الهيمنة الفتحاوية على مفاتيح الحكم والسلطة، مما عرضه لحنق الطبقة الفتحاوية الحاكمة. وكانت «الطفرة» التي شهدتها الضفة الغربية خلال توليه رئاسة الوزارة تعتمد أساساً على إقراض الموظفين مبالغ خيالية لشراء المنازل والسيارات، من دون خلق قاعدة اقتصادية منتجة. وتم تغليف ذلك بدعم بعض أشكال المقاومة الشعبية اللاعنفية التي تتناسب مع «طبيعة المرحلة» ولا تعيق سياسة التنسيق الأمني الذي هو في الأساس صميم اتفاقيات أوسلو النكبوية. إلا أن الرجل ترك كرسي رئاسة الوزراء بمديونية وصلت إلى 4 مليارات دولار.
وهكذا تم اختراع مصطلح «الفياضية» للتعبير عن السياسة النيوليبرالية التي اتبعها فياض بدعم غربي، والعمل على توحيد الأجهزة الأمنية بعقيدة واضحة المعالم تحت إشراف جنرال أميركي تم استدعاؤه بعد الحوادث الدموية المؤسفة في قطاع غزة التي أدت إلى انقسام لا زال سكان غزة يدفعون ثمنه. توج كل ذلك بخلق ما أسماه فياض بـ«الفلسطيني الجديد»، أي ذلك الفلسطيني الذي لا يرى أي فائدة في مقاومة الاحتلال، ويرى أن «الحوار» مع إسرائيل ضروري للوصول إلى حلم الدولة الفلسطينية المستقلة، بغض النظر عن الحقائق على الأرض التي قامت إسرائيل بخلقها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو والتي جعلت «حلم الدولة» مستحيلاً، باعتراف الإدارة الأميركية السابقة.
غادر فياض الحكم وحاول أن يتبع خطاً سياسياً «مستقلاً» بعيداً عمن عاداهم بعد أن انتهى دوره. فجاء لزيارة غزة التي ساهم في خنقها، وقيل إنه عقد لقاء مع القيادي الفتحاوي المنشق محمد دحلان في دولة الإمارات العربية. وكردة فعل تم الحجر، بأمر من النائب العام، على أموال مؤسسة «فلسطين الغد» التي يرأس مجلس إدارتها، مما زاد من عزلته.
في المحصلة النهائية، قام سلام فياض بتسلم كرسي رئاسة الحكومة الفلسطينية آملاً بوضع لبنة الأساس لمؤسسات الدولة الحلم، ناسياً، أو متناسياً، أن القرار موجود في تل أبيب وواشنطن اللتين حاول بقدر الإمكان استرضاءهما. موغلاً في التعامل مع سكان الضفة الغربية على أنهم الشعب الفلسطيني الذي يستحق تلك الدويلة/ البانتوستان بدعم من صديقه توني بلير ورؤساء البنك الدولي، منظراً لليبرالية جديدة، ناسياً أنه ديمقراطياً لا يحق له، وهو صاحب الكرسي الوحيد في المجلس التشريعي، أن يشكل حكومة شكك الحقوقيون بشرعيتها ومنذ اليوم الأول. منظراً «للفلسطيني الجديد» غير المقاوم، الفلسطيني الذي يرضى بالتنسيق الأمني مع الاحتلال... متناسياً أشكال الاضطهاد الأخرى ضد مكونات الشعب الفلسطيني التي لا تتبع لحكم سلطته!
والآن يتم ترشيح الرجل، بعد أن غضبت عليه الطبقة الحاكمة الفلسطينية، لتولي منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا. ولكن المفارقة أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها لا زالت تعرقل تعيينه مبعوثاً دولياً لأن، حسب مندوبة واشنطن الدائمة لدى مجلس الأمن، «واشنطن لا تعترف بالدولة الفلسطينية ولا تدعم الإشارة التي يمكن أن يمثلها هذا التعيين داخل منظمة الأمم المتحدة»! وهكذا لم تنجح مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة التي عمل الرجل على بنائها طيلة وجوده في رئاسة الحكومة في ضمان وظيفة «دولية» له حتى اللحظة.
ولكن إن تم تعيينه، هل نبارك للشعب الليبي أم نبدي له أسفنا مسبقاً على ما قد يكون محاولة لخلق «الليبي الجديد»؟

* مستشار سياساتي في الشبكة «شبكة السياسات الفلسطينية»