في الأيام القليلة التي سبقت حادثة خان شيخون والضربة الجوية الأميركية لمطار الشعيرات السوري استفاض الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأركان إدارته في الحديث عن أنَّ مصير الرئيس السوري يحدّده الشعب السوري، وأن همَّ الولايات المتحدة الأميركية وهمَّه الشخصي ينحصران في مكافحة الإرهاب والتطرف. لا بل راجت شائعات تقول إنَّ الرئيس الأميركي يؤيد بسط الدولة السورية سيطرتها على كامل أرضها، فالإرهاب الذي اتخذ من الشام والعراق قاعدة له هو مصدر الأذى، ومنه يأتي تهديد مصالح الولايات المتحدة والعالم.


يبدو أنَّ مجمل هذه المواقف الإيجابية تجاه سوريا ورئيسها بشّار الأسد كان لها في عقل ترامب مبرراتها، فهو يريد حفظ دور للولايات المتحدة في اللعبة السورية والمشرقية مقابل الحصة الروسية الوازنة، وهو مسكون بخطورة التواجد الإيراني في سوريا، خصوصاً مع اقتراب معركة حوران التي ستجعل من إيران و«حزب الله» الطرف الذي سيزحف ويطوق الحليف المدلل وعلى حدود الجولان المحتل وما يحتله من أراض أخرى، ويرى ترامب بعقله السياسي ذي التجربة الحديثة أنَّ خطواته وإشاراته الإيجابية تجاه دمشق ستجعله قادراً على قضم النفوذ الإيراني وتحجيمه تمهيداً لنفيه وطرده.
فما الذي تغيّر حتى ينقلب ترامب مثل هذا الانقلاب على الطريقة القذافية؟
بغض النظر عن الرأي والقناعة الشخصية لكاتب هذه السطور حول ما حدث في خان شيخون ومن هو الفاعل المجرم، إلا أنَّ الإجابة على هذا السؤال قد أصبحت من نوافل القول، إذ أنَّ محققاً فرداً أجرى تحقيقاً عن الحادث بعد دقائق من حصوله، وتوصل إلى نتائج تدين النظام السوري باعتباره من ارتكب هذه الفعلة النكراء، ثم سرعان ما تحول المحقق إلى قاضٍ يحكم من فوره من دون اتباع لأصول المحاكمات من ضرورة تقديم أدلة وشهود وتقارير لإثبات الادعاء؛ ومن فوره أيضاً تحول هذا المحقق إلى سلطة تنفيذية فأوقع العقاب بإطلاقه 59 صاروخ توما هوك على مطار الشعيرات.
في ظني واجتهادي أنَّ تفسير هذا التحول الدراماتيكي يعود بالدرجة الأولى إلى أسباب غير سورية وغير شرق أوسطية، والأسباب الإقليمية تأتي في ذيل القائمه. وأظن أنَّ المسألة برمتها أميركية داخلية بامتياز، وتعبر عن أزمة قد بدأ الرئيس الأميركي يتلمسها، فثمة صراع حادٌّ يدور ما بين الدولة العميقة ومؤسساتها التشريعية وبيوتات المال ومجمعات الصناعة وجماعات الضغط والأذرع الأمنية والعسكرية من جانب، وما بين الرئيس الجديد الطارئ على ساحة الفعل السياسي والآتي من خارج الصندوق.


يعود التحول الدراماتيكي إلى أسباب غير سورية وغير شرق أوسطية
يريد الرئيس ترامب أن يعبر عن نفسه، وهو يصر على تمظهره القوي، ويغازل بعض قوى الدولة العميقة، ولكن على حساب سوريا وسيادتها ودماء السوريين وكأنَه يقول: أنا دونالد ترامب الأشقر الآتي من حلبات الملاكمة ومن عالم الأعمال والصفقات المالية، والذي لا يقل ضراوة عن عالم القبضات المضمومة، أثبت لكم أني بعكس الآتي من صندوقكم الأسود الجبان الضعيف المتردد باراك أوباما.
في هذه المغامرة التي قد تكون محسوبة، يظهر ترامب أنه قادر على تحدي القيصر الروسي والذي لا تفتأ الصحافة الأميركية المعادية للرئيس (وهي معظم المؤسسات الصحافية الأمريكية) تتهمه بأنه معجب ومقلد للرئيس فلاديمير بوتين، وتكاد تصل الاتهامات، إن لم تكن قد وصلت فعلاً، إلى اتهامه بأنَّه تلقى دعماً روسياً اعتمد عليه في فوزه بمقعد الرئاسة.
أمّا من زاوية الحسابات الشرق أوسطية الثانوية، فإنَّ هذه الضربة تدعم الأفكار المتداولة حول إقامة حلف بين السنة وحلف الناتو في مواجهة إيران ومعسكر المقاومة، حيث ترعى الولايات المتحدة الشقيقة ومعها دولة الاحتلال هذا الحلف بهدف الدفاع عن أهل السنة والجماعة في مواجهة الشيعة والروافض.
ستنتعش لأيام قليلةٍ قادمةٍ آمال أعاريب الناتو الجديد، ومعهم فرسان المعارضات السورية، ففي صواريخ التوماهوك 59 ما يعني أنَّ النظام سينهار، وأن الرئيس الأسد كما يردّدون منذ سنوات أخذ بتوضيب حقائبه استعداداً للرحيل. أمانٍ بائسة ومجرد أحلام، فالضربة حصلت وانتهت، وهي لمرة واحدة فقط، وسرعان ما ستعود الأمور إلى نصابها، ولسوف يستمر التقدم العسكري للجيش السوري على كافة المحاور على الأرض، كما سيتعزز موقف القيادة السياسية في المفاوضات الجارية مع أطرافٍ من المعارضة، وكذلك على الساحة الدولية، وعلى مستوى العلاقات الدبلوماسية مع دول العالم.
إنَّ حدود القوة الأميركية معروفةٌ وواضحةٌ، فرامبو الأميركي ذو القوة الخارقة ليس إلا خيالاً ووهماً، وستثبت الأيام المقبلة أنَّ ثمن الصواريخ التي أطلقت على القاعدة السورية ستدفعه أميركا وحلفاؤها بالمعنى السياسي والاستراتيجي، وستدفعه الدمى العربية مالاً ومذلة على يد القابضين على جمر الحق والمؤمنين بسوريا، ولسان حالهم يقول: «الضربة التي لا تقتلني تقوّيني».
*كاتب فلسطيني