سيقترن يومان ببعضهما في التاريخ التركي: 29 تشرين أول 1923 و16 نيسان 2017. الأول هو يوم إعلان مصطفى كمال (أتاتورك) قيام الجمهورية التركية، والثاني هو يوم إجراء الاستفتاء الذي فاز فيه مشروع رجب طيب أردوغان لتعديل الدستور.


اقترنت جمهورية أتاتورك بإلغاء السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية وبالعلمانية. لم تكن علمانية أتاتورك تعني «حيادية الدولة كفضاء عام تجاه الأديان والطوائف والعقائد السياسية»، بل كانت مثل الماركسية السوفياتية المتزامنة معها، محاولةً لإعادة صياغة المجتمع والأفراد عبر السلطة الحاكمة في مجالات الثقافة والاعتقادات وفي المظاهر الاجتماعية مثل الزيّ (منع الطربوش ومنع الحجاب في المؤسسات الرسمية... إلخ). اعتمد أتاتورك في ذلك على رصيده كمحرر وطني للأرض التركية من جيوش الحلفاء المنتصرة على العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، واستند اجتماعياً على الفئات الحديثة المتعلمة في المدن الثلاث: اسطنبول وإزمير وأنقرة عاصمة الدولة الجديدة، ومؤسساتياً على الجيش. اقترن المشروع الأتاتوركي بنزعة قومية تركية قمعت الأكراد الذين انتفضوا عام 1925 تحت راية إسلامية بقيادة الشيخ سعيد بيران، مطالبين بعودة الخلافة ثم اتجهوا في انتفاضتهم الثانية في جبل أغري 1926 ـ 1930 والثالثة في محافظة ديرسيم 1937-1938 إلى الراية القومية الكردية لمواجهة النزعة القومية التركية الأتاتوركية التي مارست الطلاق مع الجامعة العثمانية الإسلامية والافتراق مع النزعة القومية الطورانية التي ترى عالماً تركياً يمتد من بحر إيجه حتى تركستان الصينية. مزج أتاتورك العلمانية مع نزعة لا دينية تحاول نزع الدين من الفضائين الاجتماعي والسياسي، ومع نزعة قومية تركية لم تعترف بالتنوع القومي في الجمهورية التركية، وحاولت تذويب الأكراد والعرب (كلاهما 20% من مجموع السكان).
كان أول أعراض اعتلال الأتاتوركية هو فوز الحزب الديموقراطي بزعامة عدنان مندريس في أول انتخابات برلمانية بالاقتراع السري عام 1950 ضد حزب أتاتورك: حزب «الشعب الجمهوري»، بعد 12 عاماً من وفاة أتاتورك. أعاد مندريس السماح بالأذان بالعربية بعدما منع ذلك أتاتورك، وأعاد فتح الكثير من المساجد المغلقة بعهد أتاتورك. اقترن عهد مندريس بالدخول في حلف «الأطلسي»، وبازدهار اقتصادي بلغ فيه حجم النمو 9% سنوياً خلال عشر سنوات حكمه. كانت لافتةً القاعدة الاجتماعية لفوزه بانتخابين برلمانيين أيضاً بعامي 1954 و1957 خارج المدن الثلاث الكبرى: اسطنبول وأنقرة وإزمير، عند الأناضول ومدن البحر الأسود. لم يستطع العلمانيون الأتاتوركيون هزيمة مندريس صاحب النزعة الليبرالية الاقتصادية الممزوجة بنزعة محافظة اجتماعياً وبشيء من النزعة الإسلامية في الثقافة من خلال صندوق الاقتراع. لذلك اختاروا خيار الانقلاب العسكري يوم 27 أيار 1960 ثم شنق مندريس بالعام التالي، ولم يسلموا الحكم للمدنيين أواخر عام 1961 إلا بعد استحداث (مجلس الأمن القومي)، عبر استفتاء لتعديل الدستور في تموز جرت انتخابات تشرين الأول البرلمانية على أساسه، حيث حكم العسكر عبر هذا المجلس من وراء ستارة الأحزاب المدنية. وعندما كان يتم تجاوز الخطوط الحمراء قاموا بانقلابات 1971 و1980 ضد خطر اليساريين ثم في 28 شباط 1997 ضد رئيس الوزراء الإسلامي النزعة نجم الدين أربكان. كان شعار «حماية تراث أتاتورك» هو شعار هذه الانقلابات الأربعة.
في السبعينيات، ظهرت شيخوخة الأتاتوركية أمام يسارية ماركسية صاعدة انتشرت بقوة وسط الأكراد والعلويين (الذين هم 25% من السكان ويضمون أتراكاً وأكراداً وعرباً). وفي الحياة الأكاديمية وبين الطلبة والمثقفين وفي حركة عمالية قوية، ثم بعد انقلاب 1980 أمام حركة كردية قومية ممزوجة بالماركسية تزعمها عبدالله أوجلان، قبل أن تظهر علامات على مدٍّ إسلامي بدأت أول معالمه مع توركوت أوزال بعد عودة الحياة الحزبية عام1987، ثم مع حزب «الرفاه» الإسلامي النزعة بزعامة أربكان الذي حلّ حزبه أولاً في انتخابات 1995، قبل أن يكون أول رئيس وزراء إسلامي النزعة في جمهورية أتاتورك فيما كان مندريس ليبرالياً في الاقتصاد ومحافظاً يميني النزعة في السياستين الداخلية والخارجية مع شيء من النزعة الثقافية الإسلامية. أما أربكان فمن مدرسة «الإسلام السياسي» أي إسلامياً. لم يطغَ المد الإسلامي ويسود إلا مع انتخابات برلمان 2002 عبر رجب طيب أردوغان وحزبه «العدالة والتنمية» الذي فاز في 15 عاماً لاحقة بكل الانتخابات البرلمانية والبلدية والرئاسية والاستفتاءات.
كان واضحاً منذ انتخابات الثالث من تشرين الثاني 2002 أن الأتاتوركية قد دخلت مرحلة الاحتضار: حزب إسلامي يأخذ غالبية أصوات أنقرة، عاصمة الجمهورية الأتاتوركية، ومعها غالبية أصوات اسطنبول ومدن ساحل البحر الأسود، مع غالبية كاسحة في وسط إقليم الأناضول بمثلث مدن (قونية ـ قيصرية ـ ملاطية) حيث نشأت برجوازية صناعية وتجارية أصبحت تفوق برجوازية أزمير وبرجوازية الأحياء الأوروبية من اسطنبول في الثروة، ولكن من دون علمانيتهما الأتاتوركية ومع تلاق مع هذا الوافد الجديد للبرلمان ولرئاسة الوزارة الذي اسمه أردوغان، بعدما كان في السجن إثر قراءته لقصيدة اعتبرها الأتاتوركيون مسّاً بالعلمانية وقبلها كان رئيساً لبلدية اسطنبول.عاش أردوغان في حرب باردة مع المؤسسة العسكرية حتى عام2007 ثم مالت الكفة نسبياً لصالحه ولكن بأرجحية بسيطة. لم يستطع إضعاف العسكر كثيراً فيما كان العلمانيون الأتاتوركيون المدنيون في حزب «الشعب الجمهوري» دائماً في حالة هزيمة بصندوق الاقتراع أمام حزب أردوغان. بعد إدارة واشنطن ظهرها منذ عام 2013 لحلفها في عامي 2011 ــ 2012 مع النموذج الإسلامي الإخواني في مصر وتونس كان من المتوقع كثيراً أن يتكرر سيناريو انقلاب الثالث من تموز 2013 المصري في أنقرة. حصل هذا مساء 15 تموز 2016 ولكن أردوغان لم يكن محمد مرسي برغم إشارات كثيرة إلى رضى ضمني في الغربين الأميركي ـ الأوروبي عما حاوله العسكر الأتراك بذلك اليوم، فيما كان أكثر المؤيدين لأردوغان اثنان هما فلاديمير بوتين وعلي خامنئي.
منذ صباح 16 تموز 2016 أشهر أردوغان خنجره تقطيعاً وذبحاً للمؤسسة العسكرية إثر فشل محاولة الانقلاب. بعد تسعة أشهر، وفي يوم 16 نيسان أراد عبر الاستفتاء من أجل تعديلات دستورية تتيح لرئيس الجمهورية أن يكون بصلاحيات مثل تلك التي للأميركي، أن يقول بأن رئيس الجمهورية الإسلامي في تركيا قد أصبح الحاكم القوي الأوحد في البلد بما فيه «القائد العام للقوات المسلحة» التي كانت قلعة الأتاتوركية منذ العشرينيات. كانت نسبة الفوز (51,41%) لا تدل على قوة عند الأتاتوركيين توازي كلمة «لا» التي قالها 48,59% من المشتركين في الاستفتاء ما دام قسم كبير منهم، من الأكراد ومن طورانيي حزب «الحركة القومية» الذين رفضوا تحالف حزبهم مع أردوغان في الاستفتاء، ومن أصوليي حزب أربكان «حزب السعادة»، قد قالوا (لا). والأرجح أن هؤلاء ككتلة تصويتية تفوق كتلة أتاتوركيي حزب «الشعب الجمهوري». هذا يدل على انقسام اجتماعي تركي كبير ولكن لا يدل على عدم موت الأتاتوركية، ولو أنها لم تدفن بعد.
* كاتب سوري