بينما تشهد المرحلة أفول المدارس العسكرية النظامية وتراجع أداء الجيوش التقليدية، يتفرد الجيش اليمني بأداء متميز، وتكتيكات متطورة، وتماسك، وانسجام بين وحداته، وألويته، وتشكيلاته العسكرية بأسلوب فعال من حيث طبيعة المواجهة الشاملة، كقتال على جبهات عدة. وهذا تطلب تنسيقاً عالياً لخوض معارك داخلية وخارجية، جواً وبحراً وبرّاً، ومشاغلة من داخل المدن.

وبفضل التلاحم بين الجيش وقاعدته الشعبية من قبائل، ولجان شعبية، ومؤازرة، وتماه من أنصار الله، نجح الجيش اليمني في خوض تحد كبير.

وذلك بالرغم من الحملة المنظمة باتهامه بالولاء لأشخاص كالرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي كان له دور مهم في الحياة السياسية وفي الجيش، ولكن هذا لا يكفي لجعل الجيش يقاتل بقوة وفعالية على جغرافيا تمتد إلى 540 ألف كلم. فبالتأكيد هناك عوامل أخرى، أبرزها الشعور الوطني، والانتماء اليمني، والتمسك بوحدة البلاد. والجيوش التي تدين بالولاء لأشخاص، أو أحزاب أو ضباط لا تمتلك قدرة على مواجهات كهذه، والتبعية لا تؤدي إلى الشهادة، أو إلى نتائج مجدية وباهرة. فالجيش يقاتل تحالفاً من دول عدة، وهذا يحتاج إلى قضية لتجعله على مستوى التحدي.
اتهامات الجيش اليمني بالولاء لأشخاص، جاءت في سياق حرب نفسية ضده بالتزامن مع بدء العمليات العسكرية، ولكن كل تلك الخطط والحملات من اتهامات وسواها، لم تؤثر على التماسك الداخلي، وهذا يعني أن للجيش قضية أساسية – وطنية تتجاوز الأشخاص.

شكّل اليمن نتيجة نسيجه
القبلي والعشائري والتنوع الطائفي حالة قلق دائم للسعودية

ادعى التحالف الذي يخوض حرباً عسكرية حماية الشرعية، لكن الادعاء واجهته معضلة الجيش الذي رفض تنفيذ أوامر هادي، بل قاتل إلى جانب «أنصار لله» و»اللجان الشعبية». فتفسير هذه المعضلة باتهام الجيش بالولاء الشخصي، والطاعة العمياء لا تنسجم مع حجم التضحيات التي دفعت، ولا مع مجريات الأحداث، ولا مع ضراوة المعارك التي خيضت. ذلك كله دون أن تحدث انشقاقات بحسب التوقعات، بل بقي الجيش حتى اللحظة متماسكاً على الرغم من انتشاره في محافظات شاسعة تحت شراسة القصف الجوي، وجميع قيادات الجيش والأجهزة الأمنية العليا عينها الرئيس هادي، وهذا ما يغلب الظن أن أسباباً متعددة تدفع بالجيش للقتال إلى جانب «أنصار الله».
قد لا تكون الولاءات بينها ذات أثر يذكر، كما عبر قائد قوات الأمن الخاصة عبد الحفيظ السفاف في رفضه أوامر هادي لتسليم عدن، وإخلاء المعسكر حولها. لكن التشكيك بوطنية الجيش ربما يتفرع من جذر أكبر، وهو اتهام «أنصار الله» وحلفائهم بالانقلاب على عملية سياسية لا تشوبها شائبة غير الولاء لإيران.
واللافت أن التحالف الذي ذهب إلى حرب في بلد شكل له حديقة خلفية لزمن طويل، يظن أن ولاء الجيش لجهة ما هو كافٍ لقتاله تحت الحصار، والنار، على عكس العلم العسكري الذي يرى أن أية قضية وطنية للجيش تدفعه للتضحية، ومن المؤكد أن الجيش يعرف مجملها وأسبابها.
ربما لو كان اليمن لا يملك هذه الجغرافيا، وليس في هذا الموقع لتبدل تاريخه، لهذا فإن الجغرافيا تؤثر في التاريخ، وقد تصنعه. وهذا ما يشكله النموذج اليمني.
لم تستطع أي قوة أجنبية أن تدخل هذه الجغرافيا الصعبة تاريخياً بما فيها السعودية التي حاولت كثيراً أن تسيطر عليه منذ بداية القرن العشرين، وبقيت الحساسية تحكم نظرة السعوديين إلى اليمن، بخاصة في نظرة لليمنين على أنهم نتاج حضارة تفتقر اليها شعوب الجزيرة العربية. وزاد هذا الشعور بعد الخروج البريطاني من جنوب اليمن بحيث أصبحت عدن عاصمة اليسار العربي (الماركسي) الذي شكّل قلقاً للسعودية في تلك المرحلة.
وشكّل اليمن نتيجة نسيجه القبلي والعشائري والتنوع الطائفي، حالة قلق دائم للسعودية، ولمجلس التعاون الخليجي. وهذا ما يفسر الرفض الدائم من قبل المجلس انضمام اليمن إليه، وأيضاً بسبب الفوارق الطبقية والاجتماعية خاصة بعد الثورة النفطية حيث اتسعت الهوة بينهما اكثر. وهناك نظرة سعودية متعالية انطلاقاً من الواقع الاقتصادي والمعيشي، والتي توهمت فيها السعودية على أنها قادرة على أن تبقي اليمن تحت سلطتها.
وزاد من التناقضات نبض الشارع اليمني الذي بقي محتفظاً بانتمائه للعروبة، وبالتفاعل مع كل القضايا العربية، وبخاصة فلسطين، واكبر دلالة على ذلك أنه استقبل على أرضه «منظمة التحرير الفلسطينية» بعد الخروج من بيروت عام 1982 على أثر الاجتياح الاسرائيلي. وكان اليمنيون في طليعة المتطوعين في ساحات العمل الوطني والقومي، وطليعة الشعوب المتضامنة في عدواني تموز 2006 وغزة 2008.
واقع اليمن هذا، يضاف إليه الانتماء الوطني، والقضية العادلة، عناصر تجمعت لتحول الجيش اليمني من جيش متواضع إلى قوة محورية، ولاعب أساسي في صراع المحاور، وقوة تعيد رسم الخريطة، وإلى تملك قدرة على فرملة أكبر قوة خليجية، وربما أبعد من ذلك في الإقليم.
فالجيش اليمني لا يصنّف من بين الجيوش الحديثة، المعروف عنها بأنها جيوش مترفة، ومتخمة بأحدث التقنيات، والطائرات، والبوارج، والصواريخ، والدبابات. فالجيش اليمني يعتمد بشكل أساسي على القوات البرية، وعلى تشكيلات متنوعة، وألوية ووحدات الحرس الجمهوري، وينشر القوات البرية في سبع مناطق، وفي عدد من المحاور العملياتية وفقاً لمتطلبات مسرح العمليات، ولمقتضيات القيادة الميدانية.
بالرغم من ترسانته المتواضعة، امتلك جنوده الإرادة، وقاتلوا ببسالة، ونجحوا في خوض مواجهات متعددة، ومتنوعة، وتفوقوا في فن القيادة، والسيطرة منذ اليوم الأول.
فقد عمل الجيش على احتواء الضربات الجوية، واستوعب الحملة العسكرية من البداية وفق خطة تعتمد توسيع الجبهات، ففتح خمس جبهات قتال في وقت واحد هي: عدن – ابين – لحج – شبوة – الضالع، وبذلك أدخل الطائرات المغيرة في إشكالية بحيث يصعب تحديد الأولويات فيها، وأفقدها قدرة الحد من أي تقدم، ما أجبر الطائرات على ملاحقة المشاة والمجموعات الصغيرة.
لقد تصرف الجيش اليمني منذ اليوم الأول كجيش مخضرم، ذي خبرة، يمتلك دينامية عالية، ومرونة في تحريك قواته باعتماد آليات عمل تناسب مسرح العمليات، وهو الاستفادة من الجغرافيا الممتدة على كامل الأراضي اليمنية، وهذا أدخل الحلف المعادي في دوامة من الاستنزاف والمراوحة.
لم تقتصر مهمات القوات اليمنية على عدن، كونها الهدف المركزي للتحالف، أو الدفاع عن صنعاء أو صعدة، بل عملت على اعتماد الجبهات المفتوحة، وهذا تطلب مستوى عالياً من التنسيق بين القوات المشتركة، الجيش – أنصار الله – القبائل، وتقسيم الجبهات بشكل يعطي أفضلية للقادة الميدانيين:
1 – مناوشات حدودية، كر وفر.
2 – استكمال تنظيف المدن والمديريات من أنصار هادي والقاعدة بوقت واحد.
3 – مشاغلة الطيران عبر القتال المتداخل.
لا شك لقد نجح الجيش اليمني بالتصدي لأهداف التحالف عبر سلسلة إجراءات وتكتيكات، وأسقط أهداف العدوان، وأفشل مهمة الطيران، وتعويضاً عن فشله، ضرب التحالف المدنيين، والبنى التحتية، ودمر المؤسسات المدنية والأهلية.
وهنا يسجل للجيش اليمني، واللجان الشعبية، والقبائل، وأنصار الله النجاح في كيفية إدارة معركة مفتوحة، ومعقدة، بفضل فن القيادة، والقدرة على السيطرة.
ودون شك هذا الصمود كان بفضل التلاحم بين كافة المكونات اليمنية، فاللحمة الداخلية الوطنية عززت قدرة الجيش، و»أنصار الله» في خوض معركة مصيرية ستنتج يمناً موحّداً، قوياً، حرّاً، وذلك بفضل تصلّب بنية الجيش الذي أثبت أنه واحد من أقوى جيوش المنطقة.
أفشل الجيش اليمني ومعه أنصار الله والقبائل خطط العدوان ومنع التواصل والتنسيق وربط المناطق الحدودية بالداخل اليمني بين الجيش السعودي ومجاميع هادي- البيض بمنع بناء جسر إلى عمق تجمعاتهم عبر السيطرة على طول مناطق جيزان – نجران – عسير وجبل تويلق بفضل قدرة القوات اليمنية المشتركة بالمشاغلة والتصدي لمحاولات التوغل والانزالات (البريقة) والمرونة بالقتال في حجة وشبوه ولحج والضالع وأبين وتعز، والنجاح في المناطق المتداخلة – الاستراتيجية في عدن (خورمكس) كخط فاصل لطرق الامداد، والسيطرة على القاعدة البحرية في عدن والتمسك بالمطار. كما نجحت القبائل في عمليات الكر والفر (أسلوب الإغارة على المواقع والتحصينات السعودية في معسكري المنارة وعين الحارة والسيطرة على جبل الدخان وقاعدة الخنجر في الجوف وجبل الدود في الخوبة وتدمير قاعدة الشرفة المدفعي، وقطع طريق إمداد رئيسي نصاب - عتق وبذلك فقد الجيش السعودي المبادرة وتحول الى مدافع عن حدوده بينما كانت خططه الهجوم البري لتشكيل بقعة جغرافية لتجميع بقايا هادي – البيض للوصول الى عدن تمهيداً لعودة هادي.
ولا شك أن الجيش اليمني نجح الجيش في لجم اندفاعة القوات السعودية، وفرض وقائع ميدانية غيرت مسار الحرب من عدوان هجومي لاحتلال اليمن الى معارك حدودية دفاعية اتسمت بالندبة ومبادلة الهجمات والقصف المدفعي – الصاروخي مع تطور نوعي لمصلحة الجيش اليمني باختراق المناطق الحدودية السعودية.
بعد مرور اكثر من ثمانين يوماً فشل العدوان في تحقيق أي من أهدافه، بينما دخل الجيش اليمني في طور الفعالية والعمليات النوعية وامتلاك القدرة على المناورة، واختراق المواقع الاسنادية، ومعسكرات التحشيد السعودية على طول الحدود، وهذا يؤسس لانهاك القوات المغيرة، ودفعها للتراجع ووقف العدوان.
وإذا عرفنا كيف ينشر هذا الجيش قواته، أمكننا أن نعرف قوته الذاتية المستمدة من قوته العقائدية، وانتمائه الوطني، فهذا الجيش يتوزع كما يلي:
1 – سبع قيادات لمناطق عسكرية، وعدد من قيادات المحاور العملياتية بتفاوت بحيث يراعي كل منها ما يخدم فعالية القيادة والسيطرة الميدانية.
2 – ألوية من التشكيلات البرية تعمل في إطار كل من المناطق العسكرية والمحاور وبتفاوت كمي ونوعي حسب طبيعة مسرح العمليات.
3 – وحدات من ذات التشكيلات البرية تعمل في إطار كل من المناطق العسكرية كاحتياط استراتيجي للمستوى الأعلى، ويحدد تموضعها، ويكون استخدامها بحسب الخطة الدفاعية.
يضاف إلى توزعه، وتوزع وحداته، ما يمتلكه من تعداد وأسلحة وألوية، فعدد قواته يبلغ ستمئة وستون ألفاً، موزعين على ثلاثين لواء مشاة، وأحد عشر لواء مشاة ميكانيك وأحد عشر لواء مدرع.
أما القوة الصاروخية والمدفعية فتتوزع في ستة ألوية، وست قواعد عسكرية، وحوالى ثلاثين ألف مجند موزعين في ثمانية ألوية، وعشرة ألوية دفاع جوي، ولواء رادار، ولواء لوجستي. ولدى الجيش اليمني ثلاث قواعد بحرية ولواءان بحريان، كما يعتمد على الفرقة المدرعة الأولى، والتي تعرف بالحرس الخاص أو القوات الخاصة، واللواء الثامن (صاعقة) واللواء الثالث (مشاة دعم). ومعسكر خالد وفيه اللواء الثاني مدرع 33. واللواء الأول (مشاة جبلي). قوات الأمن المركزي (قوة ضاربة).
يمتلك الجيش اليمني ثلاث آلاف دبابة من أصناف متنوعة من: T34 – T54 – T55 - T72 – T80، ودبابات أميركية باتون أم 60، ودبابات بانهارد الفرنسية أم 245 وأم 20. وألف وخمسمئة ناقلة جند مدرعة أم 113 بي تي أر 40 وبي تي أر 60 وبي تي أر 152 وناقلات جند أميركية هامفي. وألف وستمئة مركبة قتال مدرعة بي أم بي 2 وبي أم بي 1، ومدافع أس 1 وأس 2، وأم 46 وأس 23، وبي أم 13، وبي أم 24، وبي أم 27 الروسي، وأر أم 70 التشيكي، وغراد الروسي، وصواريخ أرض – أرض عدد 300، وأم تي أر 21، وفروغ 7، وصواريخ سكود
وصواريخ تاو، وبي جي 71 الأميركي.
* كاتب لبناني