يكاد يصبح التردي الذي يضرب لبنان، منذ مدة، عاماً وشاملاً. لا شك أن السبب الأساسي في ذلك يتمثل في استهتار الطاقم الحاكم. والاستهتار هذا، الذي تمادى في السنوات الأخيرة إلى درجات قصوى وغير مسبوقة، إنما هو تتويج لنهج فئوي تحاصصي، عانى منه اللبنانيون، تقريباً، منذ الاستقلال حتى اليوم.


في المرحلة الأخيرة خصوصاً، أسقطت القوى الحاكمة كل ما كانت تراعيه من شبه ضوابط، ولو كان معظمها شكلياً. في مجرى ذلك بات انتهاك الدستور مثل «شربة المي». جدد المجلس النيابي لنفسه دون سبب منطقي أو قاهر. كرَّر ذلك مرتين. وهو في تعطيله الشرعية مع ادعاء ممارستها وحيازتها، عطل شرعيات أخرى على مستوى رئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية، باعتبار أن شرعية هذين الموقعين إنما تُكتسب، أصلاً، من شرعية المجلس النيابي. والمجلس يكون شرعياً، فقط، بالانتخاب، وليس بالتمديد، فكيف إذا كان سبب التمديد الخلاف على قانون انتخاب يريده كل طرف على قياسه ولخدمة مصالحه، بالدرجة الأولى.
بعد انتهاء الحرب الأهلية كانت الشكوى، تتلخص، أساساً، في عدم احترام دستور البلاد الذي أُدخلت عليه، بموجب اتفاق «الطائف»، تعديلات أساسية في ضوء مقررات ذلك الاتفاق، وأساساً في ضوء خلاصات ودروس الحرب الأهلية التي امتدت، بكل ويلاتها ومآسيها، خمسة عشر عاماً. الآن أُضيف إلى ذلك انتهاك الدستور ومحاولة تكريس، وشرعنة الممارسات التي ترسخت طيلة حوالى 25 سنة، في الدستور نفسه، وخصوصاً في مجال تأبيد الطائفية والمحاصصة والانقسام، وتعزيز دور المزارع السياسية والدويلات الخاصة على حساب الدولة الواحدة، الحصينة والمستقلة والعادلة.
في امتداد تجاهل الدستور ومن ثم انتهاكه وجعل شرعية الدويلات المغذاة بالمحاصصة أساس كل شرعية في البلاد، اندفع حكام البلاد إلى أقصى الفئوية والجشع والفساد. برز ذلك، خصوصاً، في ملف النفايات وفي تعطيل المؤسسات وفي الصراع على مواقع النفوذ السياسي والإداري والمالي... وقد انتهى كل ذلك، منذ بضعة أشهر، إلى قيام سلطة هجينة راهنة يقودها، أساساً، طرفان أولهما يبحث عن «صيغة» هيمنة بائدة (سلطة امتيازات واحتكار وفئوية)، وثانيهما يبحث عن ثروة ضائعة في مجاهل ومخاطر سوء الإدارة والتحولات الدولية والإقليمية. المثلان البارزان على ذلك، الآن، في مسألة قانون الانتخاب ومحاولة دفع هذا القانون ليكون طائفياً ومذهبياً، خلافاً لمصلحة البلاد ونصوص الدستور، إلى الحد الأقصى. والثاني في نهب الدولة و«تناتش» مواردها وعافيتها كما في ملفي الكهرباء والاتصالات، بشكل خاص. في ظل سيادة هذه الذهنية التحاصصية وفي مُناخ الصراع الضاري ذي البعدين الداخلي والإقليمي، باتت الحكومة شبه مشلولة وعاجزة عن القيام بالحد الأدنى من واجباتها السياسية والاجتماعية، وتحديداً في إقرار قانون انتخاب جديد يستند إلى أحكام الدستور بالرجة الأُولى. لم «تنتج» الحكومة إلا في المسائل التي كان فيها التقاسم التحاصصي ممكناً بعد صراع وجدال وتعطيل، وخصوصاً في مجال الثروة النفطية التي يعوِّل عليها لبنان الكثير من أجل تعزيز دخله والتعامل مع أزماته الاقتصادية المخيفة وأخطرها الدين الفلكي والهجرة من لبنان وإليه بشكل مقلق بأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية...
وسط ذلك يتكرس في البلاد منطق عبثي يُسقط، بالكامل، مصالح الوطن والناس في بناء دولة قانون ومؤسسات ومساواة بين المواطنين. وما نشهده اليوم من تفكك في البلاد وجشع في نهب المرافق العامة وتسييس فئوي في الوزارات وتجاهل لمطالب المواطنين في الحصول على الحد الأدنى من الحقوق والخدمات في حقول الطاقة وفرص العمل وتصحيح الأجور، وفي مجالات الصحة والتعليم والاستقرار الاجتماعي والأمني... ذلك وسواه هما مؤشر لا جدال فيه لانهيار البلاد المعرَّضة، أيضاً، بسبب الحروب والتوترات الإقليمية والخارجية، لمخاطر مدمرة على المستويات كافة.
تستقوي القوى الحاكمة على مصالح الأكثرية الساحقة من اللبنانيين بتغذية العصبيات الطائفية والمذهبية. وهي في سبيل ذلك لا تتورع عن استخدام أيّ أسلوب بما فيها، أساساً، تسخير السلطة العامة ومؤسسات الدولة لإثارة التحريض ولبث ونشر سياسة فتنوية وفئوية، خصوصاً، في حقول التربية والإدارة والإعلام. يتصل بذلك عضوياً استتباع المواطن وابتزازه في لقمة عيشه، وتعطيل حقه الطبيعي في أن تحترم حريته وحقوقه وكفاءته. وتشكل التبعية للخارج حلقة أساسية في هذه السلسلة المدمرة لشروط وحدة البلاد ولسيادتها.
تستقوي القوى الحاكمة على المواطنين وعلى بعضها البعض، أيضاً، بالقوى الخارجية التي يفاقم صراعها الضاري الراهن، من عجز أطراف السلطة في لبنان عن التوصل إلى تفاهمات أو تسويات كانت الأطراف الخارجية تفرضها أو تساعد في التوصل إليها استناداً إلى مصالح هذه الدول بالدرجة الأولى: في إبقاء الوضع اللبناني تحت السيطرة أو غبّ الطلب، لاستقرار أو توتير، وفق ما يتطلبه الوضع الإقليمي ومصالح أقويائه، وخصوصاً أولئك الذين يمارسون التأثير الأكبر على القوى اللبنانية المتصارعة.
وتستقوي قوى السلطة، ثالثاً، على أكثرية الشعب اللبناني، بعجز قواه المعترضة والمعارضة، من موقع وطني، على صياغة دور لها وبرنامج مؤثرين في المشهد السياسي اللبناني. هذا الأمر يبرز الآن في طليعة ما يجب تركيز النقاش عليه مراراً وتكراراً. ذلك أن قوى السلطة التي تدهور رصيدها المعنوي والأخلاقي بسبب الفئوية والفساد والنهب والتعطيل والعجز والعبثية والاستهتار، ما زالت، رغم ذلك، قادرة على تضليل فئات واسعة من الشعب اللبناني. والواضح أن هذه الفئات لا تجد البديل القادر على إحداث تغيير في مسار الأحداث لجهة منع السلطة وأطرافها من الإمعان في الاعتداء على مصالح المواطن وفي تعريض مصالح البلاد للحد الأقصى من المخاطر: انهيار الوضع الاقتصادي. انهيار الاستقرار. خطر تجدد العنف في الداخل سواءً بواسطة قوى إرهابية مستفيدة، أو من قبل دول، إقليمية أو خارجية ذات مصلحة في إحداث فتنة داخلية.
إن الانخراط في محاولة بناء قوة اعتراض، وطنية وفاعلة وذات صفة مرجعية موثوقة، هي مهمة أولى الآن. وهي مهمة ضرورية وإنقاذية وممكنة في الوقت نفسه، لمنع استمرار العبث بالوضع اللبناني من قبل قوى داخلية أو خارجية، وبالتالي لمنع تعريض لبنان واللبنانيين لأسوأ المخاطر. لهذا الغرض ينبغي عدم إغراق برنامج هذه القوة العتيدة بالتعقيدات والفئويات والأخطاء. إن محورة أهداف هذه القوة حول احترام الدستور، والتصدي للهدر والنهب، ومقاومة النفخ في نار الفتنة الطائفية والمذهبية، هي عناوين متكاملة وكافية لمحاولة إطلاق تيار سياسي وطني عريض، جديد وقادر على بناء أو تجديد الثقة بالعمل الشعبي والسياسي المعارض الذي أطلق، في المرحلة القريبة الماضية، مؤشرات استعداد كبير للتحرك ورغبة جامحة في التغيير. مثل هذا المشروع سوف يكون، بالضرورة، امتداداً لصيغ العمل الوطني السابقة. كذلك سيكون امتداداً لنجاحات اللبنانيين في حقول التحرير والتعلق بالانفتاح والديموقراطية. هذه مهمة تتطلب الكثير من التفكير المسؤول في شروط إطلاقها ونجاحها، لكنها لا تحتمل التأجيل أبداً!
* كاتب وسياسي لبناني