ليس الأمر غريباً بعد كل ما جرى ويجري في الوطن العربي، ولكن الغريب هو شيوع روح التناقض وخيبة الأمل عند عديد من أصحاب الصوت العالي أو الادعاء الكبير في كل قضية من القضايا الحساسة المطروحة اليوم.


وليس الأغرب طبعاً أن تسمع من بعض هؤلاء ما يثبط العزيمة ويدعم الانكسار أو يشيع الهزيمة ويكرس الخيبة والخسران. إنها مأساة فعلية بلا شك. لكن ليس كل ما يحدث يهيمن على الجميع أو يصبح الحدث الرئيسي أو الأبرز في المشهد العام. للأسف نتحدث عن الصورة الأولى، ولا بد من التطرق إليها، في كل الأحوال، مع التأكيد على الصورة العامة التي تحمل كل الألوان، وتبقى الإرادات فيها أقوى والإصرار على التجاوز والثبات أهم من تلك الحالات السالبة طبعاً.


في الزمن الجميل، كانت البيانات التضامنية تفصيلاً بين التفاصيل الكثيرة المساهمة


في أوضاعنا العربية اليوم أكثر من حالة تقتضي المواجهة ودعم الممانعة فيها والمقاومة معها، بكل السبل ومنها بيان تضامن معنوي بتواقيع شخصية، وهو أضعف الإيمان فيها. وحين ننظر إلى أية قضية نشعر بضرورة الانخراط في تفاصيلها والعمل لإيجاد ما يحقق مطالبها وحقوقها العادلة والمشروعة، وعدم الركون إلى الصمت والتفرج عليها. وهذه سمة واضحة لدور الإنسان السوي، المناضل الوطني والقومي، المثقف المشارك الفعلي في الحياة اليومية لشعبه ووطنه. وأنا أسجل هذا على تيار واسع له صفاته وميزاته المشتركة، وليس على «الضد» الآخر الذي هو بالأساس يعتبر حتى البيان عملاً منحازاً ومتطرفاً، معبراً عن ازدواجية مقيتة، لا سيما حين تراجع أرشيفات البيانات وتوجهاتها.
في أيام ماضية، ذلك الزمن الجميل، كما يُطلق عليها الآن، كانت البيانات التضامنية تفصيلاً بين التفاصيل الكثيرة المصاحبة والمساهمة. وكانت الخيارات فيها عديدة والتسابق فيها محموداً ومنشوداً وتحصيل حاصل. أما اليوم فإننا نواجه ما بدأنا ذكره سلفاً، ما يشعر بأن ثمة ما يخجل حقاً ويثير استفهاماً وتساؤلاً كبيرين!
أقول ذلك بعدما انتهينا من توقيع بيان تضامن مع نضال الشعب العربي في البحرين لما يتعرض له، هذا الشعب الأعزل المسالم، من ظلم واضطهاد وقمع وتصفيات دموية أقرب إلى الإبادة الممنهجة والمدروسة. فهل هذا قليل شأن؟ وهل الصمت مجدٍ؟ وماذا يعني الموقف إذاً؟!.
الحديث إذاً قد يكون عادياً، أو من الطبيعي أن يكون كذلك، في الخلاف والاختلاف، والتنوع والتباين، أو ما شاكل ذلك. لكن برغم كل ذلك ثمة قاسم مشترك وجامع اختياري ومصير واحد. فإذا كان هذا غير كاف ولا ضروري فمتى يكون؟!
من يعرف ما خلف هذا ولماذا أكتبه وأشير إليه إشارات سريعة لأبين صعوبات عديدة ومناورات إعاقة وتدوير والتفاف، بتدخلات مباشرة أو أعذار واهية مكشوفة، يقدر ما ورد، ولا سيما أن تلك المحاولات تصب كلها مع ما يدعون أو يرغبون في إبعاد أية صورة احتجاج أو صرخة غضب أو رفع كف اعتراض، وفي الأخير تتنكر لروح التضامن والتشارك والحراك، حتى بهذا الأسلوب وهذا الشكل وهذه المبادرة. ولكن العزيمة، كما أشرت، أقوى والإرادة أشد، وصدر البيان ونشر واسعاً. وهنا لا بد لي أن أوجه تحية لكل من وقع عليه، ومن نشره، ومن وزعه، ومن أوصله لمن يهمه الأمر أو يعنيه موقفه.
الآن أسأل الجميع، بعد أكثر من عامين من حرب تدمير اليمن، شعباً وبلداً، ومن حصار وحشي، بري وبحري وجوي، وليس آخرها انتشار مرض «كوليرا محمد بن سلمان» زيادة لصواريخه ومشاريعه الكارثية، ألا يستحق من كل صاحب ضمير أن يقول كلمة في بيان جديد، حملة تواقيع، على الأقل، وهذا أضعف الإيمان، مرة أخرى؟!