تمثّل قضايا الإنفاق العام وعجز الموازنة والدين العام ومعدلات الفائدة المعتمدة ومعدل النمو إلخ... الموضوعات الأكثر حضوراً في النقاش الاقتصادي العام في لبنان وغيره. تنتمي كلّها إلى ميدان سياسات الاقتصاد الكلّي. تحتكر المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي تقديم الأجوبة واقتراح السياسات بشأنها. تلعب المقاربات النيو-كلاسيكية التي تعتمدها هذه المؤسسات دور «الفكر الوحيد» في هذه المجالات منذ أربعة عقود.


تكتسب الكينزية مصداقية أكبر كلّ يوم، كأساس نظري لمقاربات بديلة من مقترحات المؤسسات الدولية في هذه المجالات. وهي كينزية تمثّل عودة إلى الأصول وتختلف جذرياً عن «كينزية ما بعد الحرب» التي صاغها النيو-كلاسيكيون ومثّلت اختزالاً وتشويهاً لفكر كينز. تقدّم الكينزية بصيغتها الأصلية قراءة للعالم تجعل منها البديل من السياسات النيو-ليبرالية المعتمدة في الغرب، وتجعل منها نقطة ارتكاز لاقتراح سياسات تنموية بديلة في البلدان النامية.

1. «كينزية ما بعد الحرب» كنظرية وتطبيق

اندفعت البلدان الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية إلى اعتماد المقاربة التي كان قد بلورها كينز في ميدان علاقة الدولة مع الاقتصاد. أراد كينز التصدّي للرأسمالية «المترهّلة» التي عبّرت عنها سيطرة «أصحاب الريوع المالية» الذين تتكوّن مداخيلهم من الفوائد. وقد تسبّب هؤلاء بالكساد الاقتصادي الكبير لحقبة الثلاثينيات. اعتمدت الحكومات الغربية الرئيسية، خصوصاً إنجلترا وفرنسا برنامجاً راديكالياً حلّت الدولة بموجبه محل القطاع الخاص كمستثمر في القطاعات الصناعية الرئيسية. طبّقت في ذلك مقولة كينز في ضرورة أن تلعب الدولة دور «المستثمر الأول» (entrepreneur en chef) في حال ثابر رأس المال الخاص على الإضراب عن الاستثمار. بنت الدولة في الغرب اقتصاداً منتجاً كان نقيض اقتصاد «أصحاب الريوع المالية» الذي ساد بين الحربين. مثّل تعاطيها مع الاقتصاد ردّة فعل على تلك الحقبة.
لم يكن استخدام الاقتصاديين لإرث كينز النظري بمستوى الكفاءة التي عبّر عنها تعاطي الدولة مع تحديات ما بعد الحرب. أخذ الاقتصاديون النيو-كلاسيكيون بضع أفكار من كينز، لعل أهمّها إعطاء شرعية لتدخّل الدولة عبر السياسة النقدية وسياسة الإنفاق العام، للحدّ من تقلبات الظرف الاقتصادي في المدى القصير. أهملوا العناصر التي تمنح فكر كينز أصالته وتجعل منه ملهماً لسياسات اقتصادية مختلفة جذرياً عن سياساتهم. أسهم الباحثون المحسوبون على الكينزية في هذا الاختزال لفكر كينز. يقول الباحث جون سميثين إن ميلتون فريدمان، الأشهر بين الاقتصاديين النيو-كلاسيكيين، اكتسب الصدارة فكرياً منذ 1968، وبات مرجعية لدى هؤلاء الكينزيين بديلاً من كينز (سميثين، 1993: 208).
خلال السبعينيات، وجدت الكينزية كما هي مطبّقة في الغرب، أي بوصفها روشتّة لإخراج الاقتصاد من حالات الانكماش الظرفي، بواسطة أدوات السياسة النقدية والإنفاق العام، نفسها محاصرة كفكر وممارسة، وتمّت «شيطنتها» على مدى الحقبة اللاحقة. لعب التضخم «الكبير» خلال السبعينيات الدور الأساس في نزع صدقية «كينزية ما بعد الحرب» المتداولة. وقد استثمرت أحزاب اليمين آنذاك التضخم للتعبئة ضد الدولة ونزع شرعية حضورها وتدخّلاتها بواسطة الإنفاق العام.
لم تجد تلك الكينزية من يدافع عنها. وقف النيو-ماركسيون بدورهم موقفاً سلبياً منها. رأى هؤلاء أن الاستخدام الكامل للقوى العاملة الذي عملت له «كينزية ما بعد الحرب» كهدف، لا يتلاءم مع الرأسمالية كنظام. فهذه الأخيرة تحتاج برأيهم على الدوام إلى كتلة عاطلين عن العمل مهمّة لضبط الأجور (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 8). وقد دانوا سياسات رفد الطلب التي كانت العنوان الذي عُرفت به «كينزية ما بعد الحرب»، باعتبارها تؤدي إلى التضخّم. وأطلقوا حكماً مبرماً على هذه الكينزية لاعتبارهم أن انخفاض معدل الربح كان العائق أمام الاستثمار، وأنه انخفاض ناجم عن ارتفاع الأجور بأكثر من ارتفاع إنتاجية العمل.

2. الطلب مصدراً للنمو

يتبادر إلى الذهن مباشرة حين نتحدّث عن الطلب، أن المقصود هو الطلب الاستهلاكي. ليس الأمر على هذا النحو. يشكّل الاستثمار أو الطلب على السلع الاستثمارية كآلات ومواد أولية ووسيطة، العنصر الأهم في الطلب عند كينز. يضع كينز الاستثمار في المنزلة الأولى كمحرّك للطلب والنمو الاقتصادي.


أراد كينز التصدّي للرأسمالية «المترهّلة» التي عبّرت عنها سيطرة «أصحاب الريوع المالية»
بلور مفهومي «مفاعل الإنفاق» (multiplier) والمسرّع (accelerator) للربط بين الإنفاق والناتج وبين الناتج والاستثمار. في حالة المفاعل، يؤدي مطلق الإنفاق إلى رفع للإنتاج ينجم عنه توزيع مداخيل تعود بدورها لتضخّ إنفاقاً جديداً في الاقتصاد. ويربط المسرّع بين حجم الناتج وحجم الاستثمار، باعتبار الأول محدّداً للثاني.
ما أغفلته التفسيرات النيو-كلاسيكية لفكر كينز بعد الحرب، هو أن هذا الأخير جعل الاستثمار سبّاقاً على الادخار وليس العكس (سميثين: 210؛ لافوا، 2009: 60). ليس حجم الادخار عند كينز هو ما يحدّد الاستثمار، بل إن الادخار يكون نتيجة للاستثمار. بل إن كينز كان يقف موقفاً سلبياً من الادخار بحدّ ذاته، ويعتبر أن هذا الأخير عبء على الاقتصاد وأنه لا ينبغي تشجيع المدّخرين برفع الفائدة المعطاة لهم.
ما يحدّد الاستثمار بالمقابل، هو عدم اليقين (incertitude) عند المستثمرين، أي عدم تأكدهم من أنهم سيجدون طلباً كافياً على منتجاتهم إذا تحمّلوا مخاطر الاستثمار. وما يحدّده هو الرغبة بالربح أو ما يسميه كينز «روح الكسب» (esprits animaux) عند المستثمرين (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 58). ويشكّل تراجع هذه الرغبة معضلة رئيسية في الرأسمالية. ليس الادخار، بل التفاؤل في أوساط المستثمرين بإمكان تحقيق أرباح مجزية هو ما يحدّد الاستثمار.
يمكن أخذاً بالاعتبار لما تقدّم تعريف دور الدولة في كل هذا. تقع عليها مهمّة إزالة عنصر عدم اليقين وجعل التشاؤم تفاؤلاً في أوساط المستثمرين. تحقق الدولة ذلك حين تقف إلى جانب المستثمرين، وتوفّر ضمانات لهم أمام مخاطر الاستثمار. يمثّل الاستثمار وتعريفه ودور الدولة على هذا الصعيد، أهم ما في الكينزية.
يأتي الاستهلاك في المرتبة الثانية بعد الاستثمار كمحدّد للطلب. جعل كينز في الأساس من الميل الحدّي لاستهلاك الدخل، أي نسبة الدخل المخصّصة للإنفاق الاستهلاكي، العنصر الأساس في تعريف «مفاعل الإنفاق». انتقد الباحثون الما-بعد كينزيون التركيز في سياسات ما بعد 1980 على رفع معدل الربح كحافز للاستثمار، وإغفال دور الطلب الاستهلاكي كحافز لهذا الأخير. يمكن أن يتحسّن معدل الربح في خلال خفض نسبة الأجور في الناتج، من دون أن يؤدي ذلك إلى تحسين معدل النمو، بسبب ضعف الطلب الاستهلاكي. رأى الباحثون أن الغالبية الساحقة من الاقتصادات الغربية هي من الفئة التي يحدد فيها الطلب الاستهلاكي معدل النمو (لافوا، 2013). وحين يكون الأمر على هذا النحو، لا يعود كافياً التعويل على رفع نسبة الأرباح كحافز للاستثمار.
المحدّد الثالث للطلب الفعلي هو الإنفاق العام. أغفل النيو-كلاسيكيون الذين استعانوا بفكر كينز، الأهمية التي أعطاها هذا الأخير للتمييز بين الموازنة الحكومية العادية التي تشتمل على الإنفاق الجاري للحكومة، وبين الموازنة المخصّصة للاستثمار. لم يمانع كينز في أن تكون الأولى متوازنة. لكنه أعطى الثانية دوراً رئيسياً في رصد الموارد لرفع مستوى إنتاجية الاقتصاد (سميثين: 202).
تقع على الدولة مسؤولية تخطيط الاستثمار على المدى الطويل بهدف تحسين فعالية القطاعات الإنتاجية. أي ينبغي أن يتوصّل الاستثمار الحكومي إلى إضافة مخترعات جديدة وتحقيق نتائج في ميدان نشاطات البحث والتطوير وفتح آفاق جديدة في ميدان البحث العلمي. في الولايات المتحدة التي غالباً ما كانت نموذجاً لاقتصاد تلعب فيه الدولة دور «المحفّز الأول للاستثمار»، تعوّل المؤسسات الخاصة التي تنتج المخترعات الجديدة على التمويل الحكومي لإطلاق أبحاث جديدة.
لم يكتفِ الباحثون الما-بعد كينزيون بإظهار الدور الأساس للموازنة الحكومية المخصّصة للاستثمار، بل أولوا جهداً غير مسبوق لفهم قضايا الإنفاق العام وعجز الموازنة والدين العام. أظهرت إسهاماتهم العديدة أن مقولة النيو-كلاسيكيين بأن الإنفاق العام يؤدي إلى رفع معدلات الفائدة، الأمر الذي من شأنه «طرد» الاستثمار الخاص، هي مجرّد موقف أيديولوجي. وقد عبّر فريدريش فون حايك، ممثل المدرسة النمساوية الأكثر عداء لتدخّل الدولة في الاقتصاد عن هذا الموقف في الأساس. أظهر هؤلاء الباحثون أن الدولة ممثّلة بالمصرف المركزي هي من يحدّد معدل الفائدة، وأن قدرتها على خلق النقد أي تعزيز العرض له من شأنها خفض معدلات الفائدة لا رفعها (لافوا، 2009: 66).
تصدّت الكتابات الما-بعد كينزية للمواقف النيو-ليبرالية «المشيطنة» للدولة وللإنفاق العام. جعلت من هذا الأخير أحد عناصر الطلب الإجمالي وعاملاً حاسماً لتعزيز ربحية المؤسسات الإنتاجية الخاصة. رأت أن مستوى الإنفاق العام وعجز الموازنة لا ينبغي أن تحددهما مقولات كتلك التي تضع سقفاً كميّاً له، أو تجعل منه نسبة من الناتج لا ينبغي تجاوزها. رأت أن حاجة الاقتصاد هي ما ينبغي أن يحدد حجم هذا الإنفاق (المصدر نفسه: 59).
وقد نشأ الدين العام بعد 1980 في الغرب من سياسات رفع الفائدة النيو-ليبرالية الطابع بحجة كبح التضخم. رتبت هذه الفوائد عبئاً ضريبياً كبيراً على كاهل دافعي الضرائب. برّرت مشاكل المالية العامة هذه، المطالبات بخفض حجم الدولة وإنفاقها، وبرّرت التقشف في الإنفاق على مدى الحقبة. نجحت سياسة الفوائد المرتفعة من خلال العبء الضريبي الذي رتبته لتمويل عجز الموازنة والدين العام، في إطلاق عداء دافعي الضرائب تجاه الدولة.
مثّلت كتابات التيار الما-بعد كينزي موقفاً مناقضاً لموقف المؤسسات الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بشأن الإنفاق العام وضرورة الحد منه. وفّرت حججاً قوية لمتّخذي القرار في البلدان النامية في حال قرروا التصدي للترهيب الذي يخضعون له على يد مسؤولي هذه المؤسسات وخبرائها.
يأتي التصدير إلى الخارج كواحد من العناصر الأربعة للطلب الإجمالي ضمن اقتصاد مفتوح. يلعب التصدير دوراً رئيسياً في العديد من الاقتصادات الغربية، ويُلزمها بالحفاظ على تنافسية منتجاتها من خلال منع أسعار هذه الأخيرة من الارتفاع، ومن خلال منع سعر صرف عملاتها من التحسّن. تمنع الحاجة إلى التصدير الكثير من البلدان الصناعية من «التفرّد» بمواقف تمثّل خروجاً على الإجماع.
رأى الباحثون الما - بعد كينزيون أن الإصلاح الذي قدمه كينز للنظام الرأسمالي انطلق من فكرة أن الأخذ به يكون على مستوى الدول الصناعية كمجموعة، وليس على مستوى بلد بمفرده. طرح هذا الأمر مسألة إمكانية «الكينزية في بلد واحد» (سميثين: 211). أظهرت حقبة ما بعد 1980 خشية البلدان الصناعية من التفرّد بسياسات ليست موضع إجماع، وأظهرت نكوص البعض منها، كما الاشتراكيين في فرنسا في مطلع الثمانينيات، عن سياسات تتعارض مع تلك التي أجمعت عليها البلدان الصناعية الأخرى. تبقى إمكانية «التفرّد» والخروج على الإجماع ممكنة لأي بلد، شرط أن يكون لديه برنامج استثمار حكومي يحقق له سبقاً تكنولوجياً وفعالية فائقة.
إلى محدّدات الطلب الأربعة التي سبقت الإشارة إليها، ينبغي إضافة محدّدين آخرين، يصنفهما لافوا في فئة الإسباب الهيكلية لنقص الطلب، هما التقدم التقني وتوزيع الدخل (لافوا، 2009: 56). المقصود هنا بالتقدم التقني، إحلال ماكينات وآلات جديدة محل اليد العاملة. يشكّل التقدم التقني بهذا المعنى مصدراً لرفع إنتاجية الاقتصاد الوطني، لكنه يمكن أن يؤدي إلى خفض الطلب الإجمالي إذا ترتبت عليه إزالة مواقع عمل عديدة وحرمان من كانوا يشغلونها من مداخيل تعزّز الطلب الاستهلاكي.
أما توزيع الدخل كمحدّد للطلب الإجمالي، فالمقصود به عند كينز، توزّع هذا الأخير بين المستثمرين الذين يشكّل الربح دخلهم والعاملين الذين يشكل الأجر دخلهم من جهة، وبين أصحاب الريوع المالية، الذين تمثل الفوائد دخلهم، من جهة ثانية. يمثّل المستثمرون والعاملون بأجر الفئة المنتجة في المجتمع، في حين يمثّل «أصحاب الريوع المالية» فئة من يحصّلون مداخيل من دون تقديم تضحيات فعلية. سمّاهم كينز في نصه لعام 1936 فئة «المستثمرين بدون وظيفة» (functionless investor) (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 8). أغفل النيو-كلاسيكيون الذين استثمروا أفكار كينز، إصرار هذا الأخير على التمييز بين الربح كدخل للمستثمرين والريع المالي أو الفوائد كدخل لأصحاب الريوع المالية. تعمّدوا الخلط بين الاثنين. جعل كينز من التناقض داخل الرأسمالية بين أصحاب الريوع المالية وبين الرأسماليين الصناعيين مسألة مركزية في فكره. قدم بذلك الإضافة الأهم في مجال فهم أزمات الرأسمالية.
لا تعكس حركة الفوائد في الكينزية تغييرات في عرض النقد والطلب عليه. ليست آلية السوق هي ما يحدد الفوائد. يحدد المصرف المركزي الفوائد، استجابة منه للآراء السائدة في أوساط المتعاملين في الأسواق المالية. يستطيع المصرف المركزي أن يتحكّم بمعدلات الفائدة بشكل كامل في المدى القصير. وحين ترتفع هذه المعدلات، كما حصل بعد 1980، فهي تكون مجرّد واسطة لنقل الثروة والدخل من فئتي المستثمرين والعاملين بأجر إلى فئة أصحاب الريوع المالية. وقد أتاح رفع معدلات الفائدة بعد 1980 لهؤلاء الأخيرين أن «يثأروا» من تجربة «الثلاثون المظفّرة» التي حرمتهم الإفادة من معدلات فائدة عالية.
ويحصل كساد كبير إذا انزاحت الثروة والمداخيل بشكل قوي لصالح أصحاب الريوع المالية. وذلك لأن هؤلاء لا يستثمرون ويستهلكون نسبة ضئيلة من مداخيلهم العالية. يؤدي الموقع المهيمن الذي يحظى به هؤلاء إلى انخفاض الطلب الإجمالي وإلى التسبّب بانعدام النمو وبحالات الكساد الطويل الأجل. مثّل كينز استمراراً لنهج المدرسة الكلاسيكية العريقة في الاقتصاد السياسي. أظهرت هذه الأخيرة أن ملّاك الأرض، أي أصحاب الريوع العقارية، كانوا يقتطعون من أرباح الرأسماليين ويتسبّبون بتوقّف الاستثمار والنمو. حلّ أصحاب الريوع المالية في الكينزية محل أصحاب الريوع العقارية كسبب لتوقّف النمو.
استعاد ماركس النقاش الكلاسيكي القديم بطريقة مختلفة، من خلال إقامة تعارض بين الأرباح والأجور. رأى أن التقدّم التقني المتمثل بحلول الآلات محل الناس، يضعف فائض القيمة ويخفّض معدل الربح، الأمر الذي يضعف أو يزيل رغبة الرأسماليين بالاستثمار. درجت الأحزاب والتيارات التي تستوحي الماركسية على إظهار التفاوت في توزيع الدخل بين الأرباح والأجور، لتقديم حجج حسية تغذي بها «حرب الطبقات».
شكّل كتاب بيكتي الصادر عام 2014، والذي بيع منه على ما يقال مليونا نسخة، إضافة إلى النقاش حول توزّع الدخل وأثر ذلك على النمو. رأى بيكتي، على نقيض ماركس، أن معدّل الربح قد ارتفع على امتداد العصر الحديث بأكثر من ارتفاع الناتج في البلدان الصناعية. أدى ذلك إلى تركّز كبير للدخل والثروة أثر سلباً على النمو. يمكن تفسير الحفاوة التي حظي بها الكتاب بتزامن صدوره مع التظاهرات التي كانت تنطلق ضد وول ستريت، وتدين تركّز الثروة الذي رافق الحقبة النيو-ليبرالية. حظي الكتاب بقراءتين على الأقل بالعربية. كتب عنه الأستاذ عامر محسن (الأخبار، 19/ 9/ 2014)، والدكتور غسان ديبه (الأخبار، 15/ 6/ 2017). قرّظ النيو-كلاسيكيون الكتاب وعرّضه الاقتصاديون من خارج التيار المهيمن لنقد شديد. أثبت هؤلاء أنه غير صحيح أن حصة الأرباح كانت ترتفع على الدوام خلال القرن العشرين. فهي انخفضت نسبياً خلال «الثلاثون المظفّرة». أعابوا على الكاتب خلوّ تتبعه للنمو في المدى الطويل من أية دراسة جدية لدور التقدم التقني خلالها. وجدوا أن استخدامه للمقاربة النيو-كلاسيكية في تعريف مداخيل عوامل الإنتاج يعكس مشكلة منهجية كبيرة في عمله (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 6). تناول النقد أخيراً تعريفه للربح. هناك في كتابه مداخيل من مصادر شتى لا يصح جمعها تحت هذا التعريف (المصدر نفسه: 7). وهو كتاب لا يؤسس لكيفية اعتماد سياسات اقتصادية بديلة. وجد الباحثان سيكاريسيا ولافوا أن العودة إلى كينز في تعريف الفئات التي يمثل الريع المالي والربح والأجر مداخيلها تقي من الالتباسات الذي وقع فيها بيكتي.

3. الكينزية لإغناء «اقتصاد التنمية»: الالتقاء مع هيرشمان

رصد الكاتب جون توي العلاقة بين كينز وبين الباحثين الأوائل في التنمية. أظهر تأثر ميندلبوم وروزنستين-رودان المباشر به، وذهاب هذين الأخيرين إلى أبعد منه في تعيين دور الدولة في الاقتصاد (توي، 2006: 985). كما أظهر أن «اقتصاد التنمية» يدين لكينز بالإطار الإحصائي الذي بلوره لكي يستخدمه الفنيّون في ميدان تخطيط التنمية (المصدر نفسه: 987). وأظهر هيرشمان الدور الكبير الذي لعبته الكينزية في إطلاق مقاربات جديدة في ميدان «اقتصاد التنمية» تمثّل خروجاً على النموذج الاقتصادي النيو-كلاسيكي السائد (mono-économisme)، الذي لا يعترف بتمايز بين بلدان صناعية وبلدان متخلفة، ويتعاطى مع الاثنين بالأدوات المعرفية ذاتها (هيرشمان، 1984: 47). أطلق كينز ثورة فكرية في عقر دار الرأسمالية المالية المهيمنة آنذاك، وأعطى مثالاً في الجرأة على الخروج على السائد. اتخذ الباحثون الأوائل من فكرة عدم الاستخدام الكامل للقوى العاملة التي ركّز عليها كينز كآفة للرأسمالية، لدراسة نقص الاستخدام للقوى العاملة في ريف بلدان العالم الثالث (المصدر نفسه: 49).
لكن أروع ما قدمته الكينزية إظهار أن الاستثمار الخاص هو في الأساس غير ملائم وغير كافٍ، وأن ذلك يفرض على الدولة أن لا تكتّف أيديها، بل أن تحل محل هؤلاء المستثمرين. وهو ما عبّرت عنه مقولة «تأميم الاستثمار» (investment socialization) التي نادى بها كينز، وأخذت بها البلدان الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 58؛ سميثين، 1993: 210).
استوحى هيرشمان، وهو الأفضل في قراءة دور الدولة في البلدان النامية، أفكار كينز من خلال تعريفه لهذا الدور الذي تختصره مقولة «تعظيم القدرة على اتخاذ القرارات الاستثمارية لدى النخب الاستثمارية» (إيفانز، 1995: 31). وذلك من خلال الحوافز التي تقدمها لهم وإدارتها المباشرة لمشروع التنمية.
واستخدم هيرشمان تعريف كينز للتضخّم بوصفه ناجماً عن الصراع من أجل اقتناص حصة أكبر من الدخل الوطني لدى القادرين على ذلك، لفهم حالات التضخّم الكبير التي كانت شائعة في أميركا اللاتينية (هيرشمان، 1981).
يفاجأ الداخل حديثاً إلى عالم كينز الحقيقي وليس ذلك الذي تقدمه كتب التدريس النيو-كلاسيكية. ينطبع في ذهنه تأكيد كينز أن الاستثمار الخاص هو غير ملائم كقاعدة عامة، وأن ذلك يحتّم على الدولة أن تندفع إلى الحلول محل القطاع الخاص أو تشجيعه على الاستثمار. تقع التجربة الآسيوية ونتائجها التنموية الباهرة تحت شعار واحد هو «تأميم مخاطر الاستثمار». وقد لجأت بلدان آسيا إليه وكان أساس انطلاقتها التنموية وخروجها من التخلّف.
تشكل هذه المواقف أفضل رد على المقاربات البائسة والسقيمة التي تتحف بها المؤسسات الدولية بلدان العالم الثالث ومسؤوليها، وتقوم على تدمير قدرة الدولة على الفعل. وذلك من خلال تطبيق مقولة «دولة الحد الأدنى»، والاكتفاء بتكتيف الأيدي في انتظار مجيء الاستثمار الأجنبي المباشر.

4. الكينزية مصدراً لبرنامج وطني بديل

تقدم أفكار كينز وأعمال التيار الما-بعد كينزي دليلاً لسياسة اقتصادية بديلة في لبنان. لا يتطلّب وضع هذه السياسة موضع التطبيق الصدام مع النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية المسيطرتين. تفيدنا الكينزية في نقطتين: 1) وضع موازنة حكومية للاستثمار وتطبيقها؛ 2) التصدي للإعاقات التي تستثيرها السياسة الجديدة.
تهدف الموازنة الحكومية للاستثمار إلى تحقيق هدفين هما تمويل «التعلّم» التكنولوجي، وتمويل تطوير البنى التحتية. يمكن أن يبدأ المسار الجديد بتطبيق برنامج دعم وتمويل لمؤسسات صناعية جديدة تتشارك في إنتاج سيارة مدنية ذات «محتوى محلي»، على شاكلة ما حصل في إيران. وهو مسار سيطلق بمجرد انطلاقه ثورة علمية تستقطب طاقات لبنان العلمية في الداخل وفي الاغتراب. وقد كان تخلّف الدولة وعجزها على تطوير البنى التحتية للمواصلات سبب هجرة اللبنانيين منذ المتصرفية. يجعل قصور الدولة المجرم على هذا الصعيد مستقبل اللبنانيين على كف عفريت. فلا يمكن من دون تطوير البنى التحتية صون القدرة الاستيعابية للبنان ديمغرافياً واقتصادياً وتطوير هذه القدرة.
وأول ما يخشى منه المنخرطون في سياسة اقتصادية جديدة هو هروب الرساميل. وفّر التيار الما-بعد كينزي وصفة للتصدي لحركة الرساميل التي تسارعت بشكل لا سابق له خلال التسعينيات. تسبّبت تلك الحركة بأزمات مالية فادحة في العديد من البلدان، عبرت عنها انهيارات أسعار صرف عملات تلك البلدان. بلور المنتمون إلى هذا التيار آليات لإبطاء حركة الرساميل، ولممارسة رقابة حازمة على حركتها تمنعها من التسبّب بكوارث. قدمت الباحثة غرابل مقاربة متكاملة في هذا الشأن (غرابل، 2003؛ داغر، 2011).
يخشى المنخرطون أيضاً من التضخّم الذي يرافق الحقبات الانتقالية تلك. لم يترك كينز مجالاً للشك في أنه يرى أن التضخم الذي يستحق الاهتمام هو ذلك الذي ينجم عن الصراع على توزيع الدخل والثروة بين الأفرقاء الاجتماعيين. وهو رأى أن التصدي للتضخم يكون بتجميد الأسعار وتجميد الأجور (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 53).

المراجع

Evans Peter, «A comparative Institutional Approach», in P. Evans, Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation, Princeton Univ. Press, 1995, pp. 21-42.

Grabel Ilene, “International Private Capital flows and Developing Countries », in H-J Chang (ed.), Rethinking Development Economics, London : Anthem press, 2003, pp. 325-345.

Hirschman Albert Otto, « The Social and Political Matrix of Inflation: Elaborations on the Latin-American Experience», in A. Hirschman, Essays in Trespassing, Cambridge univ. press, 1981.

Hirschman A., « Grandeur et décadence de l’économie du développement », in A. Hirschman, L’économie comme science morale et politique, Gallimard-Le seuil, Paris, 1984.
Lavoie Marc, “Crise financière, répartition des revenus et relance par les salaires”, Cahiers de Recherche Sociologique, N. 55, 2013, pp. 19-41.

Lavoie Marc, “Etat social, employeur de dernier recours et théorie post-keynésienne”, Revue française de Socio-Economie, 2009 (3), 55-75.

Seccareccia M., A. Parguez, “Les politiques d’inflation zéro: la vraie cause de la hausse tendancielle du chômage dans les pays occidentaux”, Working Papers- Département de sciences économiques-Université d’Ottawa, 22 pages, 1998.

Seccareccia M., M. Lavoie, “Les idées révolutionnaires de Keynes en politique économique et le déclin du capitalisme rentier”, in Economie Appliquée, n. 1, 1989, pp. (47-69).

Seccareccia, M. and M. Lavoie, «Income Distribution, Rentiers and their Role in a Capitalist Economy: A Keynes-Pasinetti Perspective», in Institute for New Economic Thinking (INET) Conference: Liberté, Egalité, Fragilité, Paris, April 8-11, 2015.

Smithin John, “ La composition des dépenses publiques et l’efficacité de la politique budgétaire », in P. Paquette, M. Seccareccia (dir.), Les pièges de l’austérité, Presse de l’Univ. de Montréal, P.U.G., 1993, pp. 201-217.

Toye John, “Keynes and Development Economics: a Sixty-Year Perspective”, Journal of International Development, 18, 2006, 983-995.
ألبر داغر، «احتمالات الأزمة المالية في لبنان وطرق التصدي لها»، الأخبار، 22/ 3 / 2010؛ أعيد نشرها في كتاب ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 224 صفحة، ص. 188 – 192.
* أستاذ جامعي