سواء كان الحريق الذي اندلع في بعض أنحاء الكيان الصهيوني مفتعلاً أو غير مفتعل، ومهما ارتفعت الخسائر المباشرة أو غير المباشرة الناجمة عنه، فلن يغيّر ذلك جوهرياً في الاستنتاج الذي أعلنه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، في المؤتمر السنوي الدبلوماسي السادس الذي نظمته جريدة «جيروزاليم بوست» قبل أيام في القدس المحتلة (بُعيد اندلاع الحرائق، من دون أن تكون هناك علاقة بين الحريق والمؤتمر).


قال نتنياهو: «أنا مليء بالأمل بشأن إسرائيل، بشأن المنطقة، بل وبشأن الأمم المتحدة. فإسرائيل تعيش وسط ثورة تاريخية في مكانتها بين الأمم. هناك تغيير عالمي سريع، هناك ثورة معلومات تكنولوجية، ونحن في مركزهما. هناك فرص أمنية كثيرة، وهذا يغير الطريقة التي تتعامل بها أمم معنا ونحن معها».
لا شك أن في هذا الكلام الكثير من الانتصارية. له أيضاً جانب دعائي على لسان المسؤول الأول في دولة العدو. وقائله يسعى، بكل الطاقة والأساليب (بما فيها المبالغة والكذب الذي اشتهر به)، إلى تجديد ولايته في الانتخابات البرلمانية المقبلة. لكنّ في ذلك، أيضاً، جانباً لا يستهان به من الحقائق. وكذلك، خصوصاً، من الاستشراف والاستنتاج والاستعداد.
لم تغب هذه الميزات يوماً عن المؤسسين الأوائل للمشروع الاستيطاني الصهيوني، ولا عمن واصله، بالقهر والتشريد والعدوان، من بعدهم. هذا أحد أسباب نجاح المشروع: في الماضي وكذلك في الحاضر... وحتى سلوك أو إشعار آخر من قبل خصوم هذا المشروع الإجرامي وضحاياه!
لا شك أن نتنياهو يتحدث عن نتائج ما يجري في المنطقة من احتراب وقتل واقتتال ودمار وخسائر. هو يعبّر عن سعادته وهو يرى دولاً، رفعت دائماً شعار قتاله من أجل تحرير فلسطين وعودة شعبها إلى وطنه وأرضه، تتخبط في دماء وأزمات لا تنتهي. ثم هو يشعر بكثير من الارتياح، أيضاً، لأنه لعب دوراً مهماً في التحضير لهذه الأزمات وفي تعميقها وفي استعصائها، بما يجعله صاحب «حق» طبيعي في استثمار نتائجها، أي كوارثها، على أعدائه، الى الحد الأقصى.
ينبغي أن نضيف بأن المسؤول الأول في إسرئيل يشعر بالرضى الكامل، أيضاً وأيضاً، لأنه قد حلّ في مركز القرار في واشنطن، حامية الكيان الصهيوني وداعمته، دونالد ترامب بديلاً لرئيس لم يبادله يوماً الودّ ولا الأولويات: لا بشأن الوضع العربي والفلسطيني، ولا بشأن إيران ودورها ومشروعها النووي، ولا بشأن أسلوب التعامل مع كل ذلك.
بعد تدمير العراق بقدراته ومقدراته الهائلة ومخزونه القومي المميز على يد الجيش الأميركي عام ٢٠٠٣ (ومن ثم إغراقه في أزمات حكم مقرونة بانقسام وصراع داخليين)، كان استهداف سوريا. الهدف أيضاً تدمير قدراتها وسياساتها وتحالفاتها، وخصوصاً ما هو منها موجّه ضد المشاريع المشتركة الأميركية والصهيونية. امتدت الأزمة السورية وتعمّقت وعظمت محنها وخسائرها بسبب اختلاف المواجهة هناك نتيجة صمود النظام السوري. ثم بسبب قدرته، اعتماداً على ذلك، على بناء تحالفات إقليمية (إيران) ودولية (روسيا)، ما مكنه، ولو بثمن باهظ بكل المقاييس، من استعادة زمام المبادرة من خصومه المحليين والخارجيين. يمكن الاسترسال في إبراز ما هو قائم حالياً، في كل من سوريا والعراق، من تقدم لمصلحة النظامين السوري والعراقي. لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب الحجم الكبير، بل المروّع من الخسائر التي أصابت البلدين ودورهما في المنطقة والعالم، وخصوصاً في التأثير في الصراع العربي الإسرائيلي.
هنا وهناك، أي في كل من العراق وسوريا، جرى استثمار واستغلال مطالب وحقوق شعبية مشروعة، وخصوصاً في مجال ممارسة القمع والاستبداد وملاحقة المعارضين والاستئثار بالسلطة. لكن ذلك حصل وفق مبدأ: كلمة حق يُراد بها باطل.
كانت استفادة العدو الصهيوني هائلة: لم يتأخر لحظة واحدة في تشديد قمعه للشعب الفلسطيني، وفي التوسع في الاستيطان الى حدود وبوتيرة غير مسبوقين. طوّر العدو من استغلاله للصراع: لتطبيع علاقاته مع المزيد من الدول والحكام في المنطقة والعالم، ولتشويه طبيعة الصراع في المنطقة وتصويره صراعاً عربياً فارسياً وتقديم نفسه حليفاً وحامياً للعرب. رفض كل الاقتراحات بشأن الموافقة على مفاوضات تستند إلى الحد الأدنى من قرارات الشرعية الدولية، أي من الاعتراف ببعض ما نصت عليه تلك القرارات من إقامة دولة خاصة بالفلسطينيين، وفق القرار ٢٤٢، وعاصمتها القدس...
ليس الوضع على الضفة العربية على هذا النحو، من القدرة على التوحد، ومن تعبئة القدرات، وتوظيف نقاط القوة وتطويرها، والتخلص من نقاط الضعف... لقد حصلت تضحيات كبيرة. في أماكن ومناسبات متكررة، حصلت بطولات في مواجهة أعداء وقوى وأساليب غير مسبوقة في ممارستها للإجرام والتدمير. لكن يجب القول إن ذلك قد افتقر دائماً إلى خطة شاملة ومدروسة ومثابرة. هذا في ما يتعلق بالقوى المستهدفة والمنخرطة في الصراع. أما القوى الأعرض والمستهدفة بشكل خطير، ولو غير مباشر، فقد كانت غائبة أو مغيبة بسبب سوء علاقة أو سوء تقدير أو سوء أساليب... ليس هذا فحسب، بل إن قوى منخرطة في الصراع ضد مشاريع الهيمنة الخارجية والصهيونية استدرجت الى ممارسات لا يستفيد منها، في نهاية المطاف، إلا دعاة تفتيت المنطقة بالحروب الأهلية وبالصراعات الإتنية والطائفية والمذهبية.
إنّ تحسين برامج المواجهة وشروطها وأساليبها وخططها، في مجرى الصراعات الطويلة خصوصاً، أمر جوهري لتوفير فرص أكبر للانتصار ولتقليص الخسائر. هذا ما ينبغي الالتفات إليه اليوم قبل الغد. ولا ينبغي أن يقتصر ذلك على قوى ومجالات محدودة، بل يجب أن يتناول كل الحقول الضرورية وكل القوى المعنية مصيرياً بالصراع وذات المصلحة في منع العدو من تحقيق أهدافه. لا بد من أجل ذلك من عقد لقاءات ومؤتمرات صريحة وواسعة التمثيل وجدية المشاركة من حيث الكفاءة والإخلاص. إن بلورة مفاهيم جديدة لأمن المنطقة وللدفاع عن مصالحها ولسلامة الأساليب والعلاقات... هي أمور في غاية الأهمية لأن الصراع طويل ولأننا محكومون بالتضحيات وبالكفاح من أجل الدفاع عن مصالحنا ووجودنا.
* كاتب وسياسي لبناني