لطالما كان من يعنيهم أمر تطور المجتمع وتحريكه ثقافياً وفكرياً أمام فرصة جادة خاصة مع انتشار الفضاء الاعلامي الذي بنسبة كبيرة منه بات للأسف عبئاً ثقيلاً على الحياة بما يعرض من برامج ويثير من إثارات ترتد سلباً على النسيج الاجتماعي ومستوى وعيه، فبين برامج استهلاكية تهدف إلى تسليع الإنسان وإسقاط قيمته وحصرها فقط بالإطار المادي النفعي الرخيص وبين برامج موجّهه تتوخى غاية ظرفية الأثر يبقى الوسط الإعلامي متذبذباً.


ولكن يظل الأمل معلقاً على برامج هادفة إلى إظهار الحوار الجاد بين المؤهلين له لتعزيز المعرفة البشرية واكتسابها لوناً جديداً تفتقده هذه الأيام هو لون المناظرة والجدال والمحاججة المنتج والمحفِّز بعدما أصبحنا نسمع عنه ونقرأه في كتبنا القديمة في حديثها عن عصور ذهبية للثقافة والفكر، لا فقط لون الإثارة الإعلامية التي تنتهي بنهاية وقتها وتحدث نقاشاً ظرفياً ويعود كل طرف إلى معتقده إنها قضية الإيمان والإلحاد والتي عرضت مؤخراً على قناة الجديد للإعلامي طوني خليفة الذي استضاف العديد من الأشخاص بغض النظر عن مستوى إحاطتهم ومستوى مقاربتهم للموضوع الذي شغل كبار المفكرين والفلاسفة على امتداد الزمن.


مسألة الإيمان بالله
أو إنكاره ليست جديدة
كما يتوهم البعض


من هنا نحب أن نطل على تاريخية المسألة وتوجيهها، فمسألة الإيمان بالله وإنكاره والكفر به لا بل بكل صانع وموجد لهذا الكون وما فيه ليست جديدة كما يتوهم البعض بل هي قديمة جداً قدم الإنسان وقد أخذت مجالها الواضح والعلني مع فلاسفة الدهرية الذين تأثروا بفكرة أرسطو القائلة بقدم العالم وأضافوا بأن الدهر أو الزمن هو المهيمن على الأمر كله لا حد له ولا انتهاء وهو يتصرف فينا بلا فناء له.
حتى إذا ما جاءت الرسل والرسالات أعلنت عن الإيمان بإله واحد خالق وموجد لا يشبهه أحد متفرد بعظمته وقدرته مهيمن على الزمان والوجود بلا أمد.
وحاولت هذه الرسالات مخاطبة فطرة الإنسان قبل الولوج إلى عقله لأنه لا يمكن تكريس التوحيد وزرع الإيمان في النفوس ما دام الشك يساور قلب الإنسان ويغزوه بين الحين والآخر بحسب الظروف والمؤثرات النفسية والاجتماعية وما يتبعها فاعتمدت لذلك مفاتيح بسيطة غير معقدة للفت الانتباه إلى أن الإيمان ليس فرضاً وقهراً من السماء على المخلوق بل فعل استجابة يتوافق مع أصل الفطرة وصفائها في تناغمها وتكاملها مع هويتها الإنسانية المتميزة على باقي المخلوقات أيضاً بنعمة التعقل والفكر اللذين يسيران بالمخلوق إلى تأكيد الإيمان وطرد الإلحاد الذي يجسد العبثية والخلل من منظور الإيمان، ففي النهاية يسلخ الإنسان عن أفضل ما يملكه وهو الإيمان بغاية شريفة كاملة يسعى إليها ويرتبط بها ويغتني في كل مسيرته.
ولماّ كان الإيمان مشاعر وممارسة متكاملة تصوغ فعل الإنسان تجاه الحياة وتدفعه إلى معايشة إنسانيته بكل نقاء وأصالة، عادت جذوة الإلحاد إلى التوقد مع بروز ملامح النهضة الأوروبية بعد فترة طويلة من الكبت والقهر الديني والتسلط والتشويه الذي مارسه كثير من الهيئات الدينية في الإسلام والمسيحية وأبعد الناس أو أقله أضعف ارتباطهم بالله والإيمان وتأسست مخيلتهم على ذلك، وبعد النهضة الأوروبية الصناعية وبروز الحضارة المادية تعمق الشرخ أكثر إذ بدا أن أطماع الإنسان لا حدود لها حتى ولو كان الأمر سلب الإيمان من النفوس لتكريس المنافع المادية، فغذت هذه الحضارة بذور الإلحاد وهيأت الأجواء له من إعلامية وثقافية وغيرها، وخاصة في توظيفها لبعض المنجزات العلمية لدحض الإيمان مع أن مقولاتها تظل مجرد كلام لا يقوى على نفي الإيمان مطلقاً.
حتى إن الإلحاد بمعنى النكران لله لا ينسجم مع طبيعة الإنسان الموحدة والمفطورة على التوحيد، لأنه إذا عاد الإنسان إلى نفسه وأعمل عقله وقلبه سيجد الإيمان مركوزاً فيه حتى لو لم يكن متعلماً وكان عادياً وبسيطاً ولهذا نجد لغة الأمثال في القرآن والأديان التي حاكت بساطة الناس لتفتحها على الآفاق الرحبة للإيمان البسيط غير المعقد والذي لا يحتاج إلى كثير فكر وبرهان بل أحالتهم على أنفسهم لينصتوا إليها طوعاً.
والإيمان ليس شيئاً جامداً متوقفاً عن الحركة والتجلي في تثبيت مرتكزات الإنسان التوحيدية والإيمانية بل كل يوم وفي كل آن على الإنسان أن يصغي إلى صوت نفسه وقلبه وما يدركه عقله من هذا الوجود وينتفع به، بالمقابل فإن الإلحاد وإن كانت التسمية مسمومة ولها خلفيتها باعتبار أنه يوجد إنسان شاك وليس ملحد بمعنى الإنكار لله لأنه عملياً بفطرته مؤمناً وإن كان غير ملتفت، لا يسمح بتنشيط الفعل البشري بل يحبطه حتى لو بنى الإنسان حضارة مادية فإن لم تكن مرتكزة على حوار مع العقل والذات ومصارحة بين الشاك والمؤمن لن نضع الأمور في نصابها بتاتاً بل سنبقى في دائرة اجترار الكلام، هذا يعرض أدلته المعروفة عن الإيمان وذلك يتفاخر بتمرده على الله.
* كاتب لبناني