كنت قد تلقيت دعوة من الصديق والزميل الصحفي محمد اليوسفي للقاء عادي قد يحدث بين صديق وصديقه في أي مقهى وسط العاصمة، قبل أن يتحول اللقاء إلى نقاش لم أتوقع أنه سيصل إلى هذا المستوى من العمق، بعدما أسرّ لي محمد أنه بصدد الاشتغال على دراسة أراها مهمة، تتناول العلاقة بين التاريخ والصحافة، المؤرخ والصحفي. كان ذلك يوم الـ29 من جوان/ حزيران 2017 قرب مقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.


بعد أيام تلقيت الدراسة، عنوانها "في تقاطعات الصحافة وتاريخ الزّمن الرّاهن: نحو مقاربة تأويلية جديدة"، وقد تناولتها بالدرس والتمحيص، وفي هذا معرض ما رسخ في ذهني من ملاحظات:
بداية، إن حسبي في ما أقول هو طلب المعرفة، فأنا الجاهل دائماً والمتعطش أبداً لمعرفة ما كُتِبَ وما فكر فيه الناس وما عرفوه، وأوكل إثباتي في هذا إلى الناس الذين يقرؤون لي. وثانياً أنني أمام مبحث مستجد بالنسبة لي، فأنا لست مؤرخاً ولست عالماً في التاريخ، إنما درست الصحافة وأتممتها بالأنتروبولوجيا. وحتى وإن كان هناك شيء من التاريخ في ما درست، فإن عالم التاريخ يبقى الأجدر في ذلك الباب. أما والحال أن دراسة زميلي قد جمعت مبحثين هما التاريخ والصحافة، فإني أرى مدخلاً لأقرأ وأصيغ ما رسخ من تلك القراءة.
مبحث تاريخ الزمن الراهن مسألة شائكة فعلاً، وإن سبر أغوار هذا المبحث لمن أولويات الأمور في السياق الذي نعيشه اليوم، وأنا أضمّن العرفان لمحمد اليوسفي على التقاطه الفكرة واللحظة والمبادرة بالتساؤل عن هذا المبحث وطرح السجال حوله من زاوية العلاقة بين هذا النوع من كتابة التاريخ وبين المهنة الصحفية، والظاهر أنه ومنذ البداية تتراءى لنا أفكار عن تقاطع وتشابه في المهمتين دفع المهتمين إلى مساءلتهما والبحث فيهما.
تساؤلي الأول يحوم حول مكمن التأريخ للحظة، هل تأريخ اللحظة الراهنة مهمة المؤرخ أم الصحفي؟ طبعاً لا يمكن الحسم في هذه العلاقة الجدلية، إذ لا يمكن أن لا يتفاعل ممتهن التأريخ (المحترف) مع الواقع وتطوراته ولا يمكن له ألا يبالي بتلك الأحداث، فهي التي ستؤثث سلّمه التاريخي. بل إن متابعته ــ عن كثب ــ لشتى الأحداث تعد ضمن اشتغاله اليومي. وأما الصحفي فالكل يعلم أن اشتغاله الجوهري يكمن في التساؤل اليومي الذي يطرحه على نفسه وفي اجتماع التحرير: «ما الجديد؟ وبماذا سنخبر الجماهير اليوم؟». ولعلنا بهذا القول قد بسّطنا إلى حد ما مهمة الحرفتين: المؤرخ والصحفي، وهما بالفعل معنيان بكتابة التاريخ الراهن.
لكن التسليم بهذا القول قد يحيل التفكير إلى استشعار خطر ابستيمولوجي مغمور بالانتصار للخطاب العجائبي الذي تقوده الصحافة المثخنة بالتطور التكنولوجي اليوم، وهذا الخطر يكمن في انتفاء الحدود بين المؤرخ والصحفي بطريقة تزول معها القدرة على التمييز بين المجالين، وبالتالي لن يكون هناك داع للمؤرخ باعتبار وجود الصحفي، وهنا مكمن النقاش.
في رأيي وعند تناول هذه الجدلية بالدرس وجب التفطن إلى مسألة ما: "من هو الصحفي الذي يكتب التاريخ الراهن؟". ولعلي بهذا السؤال أشير إلى أن الصحفيين أنواع واختصاصات ومستويات، بل إن تعريف الصحفي في حد ذاته أمر فيه جدل وقياس وتمحيص، فهل يعتبر كل كاتب للأحداث وموثق لها صحفياً؟ وهل يقتصر عمل الصحفي على تغطية الخبر بالحد الأدنى الموضوعي أم يمكن له حقن ما يكتب بانطباعية جائزة وفق مقولة حرية التعبير والرأي؟ والعديد من الأسئلة الأخرى التي ربما ستغرقنا في باب الصحفي وخصائصه ليس في هذا المحل مجال لذكرها. وبالتالي فإني أرى أن الاعتماد على «محترف إخباري» لا يزال تعريفه مرتبكاً وغامضاً في كتابة التاريخ فهذا أمر أرى فيه خطراً على تلك الصرامة والسُّمك الذي يكتب به التاريخ.


حسم الغرب منذ بداية القرن العشرين ماهية الصحفي وماهية الصحافة بشكل تام تقريباً

ثم إن تاريخ الزمن الراهن مفهوم ظهر في سياق ما حدث في نهاية الحرب العالمية متى مرت أوروبا من حقبة من إلى حقبة أخرى بعد محاكمات نورمبرغ وتدوين تاريخ الفترة النازية الذي خضع بدوره إلى إشكالات في كيفية تدوينه في تلك اللحظة، نظراً إلى تأثر الجميع بما حدث في الحرب، وحتى الصحفيين ممن كتبوا ذلك التاريخ ضمن الاعترافات والمحاكمات فإن إنتاجاتهم كانت مرتبكة في أحيان كثيرة.
وينطبق الأمر ذاته على نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي ومن قبلهما انهيار جدار برلين، ثم نظام الأبارتهايد والفصل العنصري في جنوب أفريقيا (إلخ..) كلها أمثلة تؤكد أن ظهور كتابة التاريخ الراهن مرتبطة بمجال انتقالي مشحون بالعلامات السياسية والإنسانية والانطباعية وربما العاطفية أيضاً، ولهذا فإن إيماني لا يزال راسخاً في منهجيات كتابة التاريخ المعهودة والتي من بين شروطها البرود وأخذ المسافة اللازمة وانتهاء الفعل التاريخي.
صحيح أن ما حدث في تونس سنة 2011 وما تلى ذلك الحدث من تطورات قد تشبه الأمثلة المذكورة في استنطاق التاريخ من خلال آليات العدالة الانتقالية وغيرها، لكن ذلك لا يعدو أن يكون «خبراً» بالنسبة إلى الصحفي حسب فلسفة الإخبار التي يعمل وفقها، ولكنها مادة تاريخية تخضع لمناهج الفحص التاريخي بالنسبة إلى المؤرخ المحترف. فحتى وإن كانت العدالة الانتقالية «فرصة» لكتابة التاريخ الراهن إلا أنها لا تخضع للنظرة نفسها بالنسبة إلى الصحفي وكذا بالنسبة إلى المؤرخ.
ومن ناحية أخرى، فقد حسم الغرب منذ بداية القرن العشرين ماهية الصحفي وماهية الصحافة بشكل تام تقريباً، أما المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج لم تتمكن بعد من الوصول إلى ذلك الحسم نظراً إلى وجود مجتمعات لا يمكن لها أن تهضم الصحافة كفلسفة وسلطة ومهنة ومجال بحث (هي مجتمعات كارهة للصحافة لأسباب حضارية)، فكيف لهذا المجال أن يسلم أمانة حساسة وهي كتابة التاريخ الراهن لصحفي قد يكون هو ذاته «عدواً» للتعريف الديموقراطي الحديث للصحافة. وأنا أرى في هذه النقطة أن التقاطع بين الصحفي والمؤرخ في كتابة التاريخ الراهن إنما هو تقاطع خاص بالمجال الحضاري التاريخي الذي يسمى الغرب، لأنه استوفى شروط التطور وفق المنهج الذي وضعه هو ونتّبعه نحن، ووصل إلى مرحلة يمكن فيها «التجرؤ والمغامرة» بترك كتابة التاريخ الراهن مشتركاً بين الصحفي والمؤرخ.
يجب أن نعترف بشيء هنا، يمكن أن يتفطن إليه دارس الصحافة والاتصال بشكل بديهي في غالب الأحيان، وهو اختلاف الجمهور. للصحفي جمهور يسكنه في ذهنه ويتشارك معه في الكثير من المناسبات في صياغة الخطاب الإعلامي عبر آليات التفاعل الحديثة والتكنولوجية. أما المؤرخ فجمهوره يحمل طبيعة أخرى، قد يكون جمهوراً من الباحثين أو الراغبين في البحث والنبش التاريخي، وقد يكون الصحفي ذاته من الصفوف الأمامية لجماهير المؤرخ لحاجته إلى تفسيرات معينة وأيضاً للعب دور الوسيط بين المؤرخ (المؤرخ ليس مجبراً على تبسيط الخطاب التاريخاني للجمهور) والجمهور وطبعاً من أبجديات مهمة الصحفي أنه وسيط médiateur.
نقل الأحداث والأخبار مسألة لا تخلو من التلاعب بالجمهور (manipulation) وفق آليات صناعة الأخبار والإعلام. والكل يعرف أن تلك الصناعة قد لا تخلو في أحيان كثيرة من تركيب وإعادة تركيب وصنصرة وتعديل ذاتي في تطابق مع مقولة «خط التحرير». وهذا السلوك قد لا يغري كثيراً المؤرخ، بل يمكن أن يدفع المؤرخ إلى فتح سجالات «ماكرة» بينه وبين الإنتاج الصحفي الإعلامي كي يضمن القدر الأقصى من الصرامة والوضوح والموضوعية، وهذا ضروري في رأيي لأنه ضامن لتلك الشفافية و«القداسة» التي يتم إضفاؤها على كتابة التاريخ، إذ ـ في آخر المطاف ـ يجب أن نرتكز إلى شيء ما صلب حتى لا تتهشم الذاكرة.
* صحافي تونسي