قبل سنوات من الآن كان خوف السوريين ينحصر في قضايا محددة. منها، خوف الناشطين السياسيين والمثقفين على اختلاف ميولهم وانتماءاتهم من تغوّل أجهزة أمنية هيمنت لعقود على هامش كبير من القرار السياسي الحكومي الرسمي، ما أسهم في تجفيف تربة العمل السياسي. وكان لذلك أثر واضح في ما نلحظه من تناقضات تعاني منها أطراف المعارضة السياسية كافة.


علماً بأن ذلك لا يقلل من إشكاليات تتعلق ببنية المعارضة الذاتية، وأخرى بعوامل خارجية دولية وإقليمية تسيطر على هامش كبير من قرار الفصائل المعارضة وتتحكم في آليات اشتغالها. من جانب آخر، فإنَّ شرائح واسعة من السوريين أرَّقها على مدار عقود مضت إشكاليات متعددة منها تراجع مستوى المعيشة نتيجة اعتماد الحكومة لسياسات التحرير الاقتصادي، وتحكُّم فئات محددة من التجار والمستثمرين بالسياسيات الاقتصادية، وتوجهات سياسية. وكان لذلك دورٌ كبير في تفاقم إشكاليات أخرى مثل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة إضافة إلى تردِّي أوضاع قطَّاعي التعليم والصحة... لكنَّ جميعها لا يمكن مقارنته أو حتى مقاربته لما آلت إليه أوضاعنا الراهنة نتيجة مفاعيل متناقضة للصراع ومتداخلة أسهمت في تحويل تفاصيل يومياتنا على امتداد الجغرافيا السورية إلى كابوس يهيمن على أوضاعنا وآليات تفكيرنا. هذا يعني أننا نواجه كارثة وطنية عامة شاملة وعميقة، تنعكس تداعياتها على المستويات الكافة الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية. بهذا المعنى، فإن عوامل الخوف وأسبابه الناجمة عن مفاعيل الأزمة الراهنة الممتدة والمتمددة، تجاوزت عتبة الخوف المتعيّن منه قبل الأزمة. ولا ينحصر ذلك بالقاطنين في مناطق سيطرة النظام، إذ يصل الخوف بأعداد كبيرة من الموجودين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام إلى عتبة الرعب، ما يكشف عن آليات تفكير واشتغال الأطراف المقاتلة المتطرفة منها والمعتدلة.
من جهة أخرى، نشير إلى أن الجهل بالأسباب والنتائج الموضوعية للمتغيرات اليومية والتحولات العامة، يتسبب في زيادة الشعور بالخوف. ولا ينحصر ذلك بالمستوى الفردي، لكن يتجاوزه إلى شرائح اجتماعية يتعيّن حجمها تبعاً لمستوى إدراكها، وأيضاً لمعطيات الصراع. ولذلك علاقة مباشرة بتفاقم حالات الخوف المبرّرة منها، أي التي تستند إلى معطيات مادية حسية، وعقلية موضوعية؛ وأخرى غير مبررة، لها علاقة بنزعات غرائزية قطيعية تتجلى بشكل خاص زمن الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية، حيث يتراجع التفكير العقلاني، والمحاكمات العقلية المنطقية لمجريات الأمور وتطورها. والخوف كما هو معلوم، من سمات الإنسان العاقل. أي إن الفرد الفاقد لملكة التفكير العقلاني، لا تنتابه مشاعر الخوف. بهذا المعنى فإن درجة الإحساس بالخوف له علاقة مباشرة بالمستوى العقلي للإنسان، وبالتالي درجة إدراكه لمصادر الخطر. وانطلاقاً من ذلك فهو يعمل على تحاشي تلك المصادر ويتعامل معها بحذر تجنّباً لمخاطرها المادية/ الجسدية الحسية، وأيضاً النفسية والعصبية.
في بحث تفاصيل أشكال الخوف الكامن منه والمهيمن، سوف نحاول استعرض بعض من تجلياته وملامحه المتجددة، ونركِّز على تجليات أخرى ناجمة عن مفاعيل الصراع التي أسهمت بأشكال مباشرة وملموسة في ازدياد مصادر الخوف، وكذلك أشكاله ومستوياته التي يكتسب فيها الخوف السمة الجمعية. علماً بأن مستويات الخوف وأشكال تجلياته الفردية، تشكِّل أحد تعبيرات الخوف الجمعي.


انهيار الأمن الغذائي
بات يشكل أحد أكثر
مصادر الخطر
ونشير في السياق المذكور إلى أن تفاقم معاناة الإنسان السوري، وارتفاع منسوب شعوره بفقدان الأمان والاستقرار، بسبب تعدد واختلاف مصادر الخطر وتنوعها يضاعف من إحساسه بالخوف الذي يصل في بعض اللحظات إلى درجة الاكتئاب. ولذلك منعكسات نفسية وعصبية تجاوزت حدود الحالات الفردية. وأصبحت حالة شبه عامة، يحتاج تجاوزها إلى إنهاء الصراع وإيجاد مخارج مناسبة للأوضاع الناجمة عنه. علماً بأن شرائح من السوريين ما زالت ترى أن المثل القائل «للحيطان آذان» لم يفقد حضوره. وهو يدلل على تغوّل الأجهزة الأمنية، وهيمنتها على خيال السوريين وآليات تفكيرهم. أما بخصوص إشاعة البعض لتجاوز السوريين حواجز الخوف وحدوده، فإن دحضه يحتاج إلى بحث في عوامل ومصادر الخوف الراهنة:
ــ بات واضحاً أن التناقض في المواقف السياسية، وتحميله على الهويات الصغرى، يثير الخوف والاضطراب بين السوريين، ويكشف عن ذلك طبيعة العلاقات الاجتماعية التحتية التي تميل إلى تفاقم الاحتقان والتشنج. ويعزز من ذلك استطالة زمن الصراع، وتفاقم تداعياته الكارثية. ومن نتائجه أيضاً تفاقم مظاهر التخوين والتهديد بالتصفية، ما يثير الاضطراب والرعب بين السوريين، ويدفعهم للتقوقع على الذات الفردية، والاستقواء بانتماءات جهوية وإثنية وطائفية ومذهبية عصبوية تُعبِّد الطريق أمام إعادة توضيب المجتمع السوري على أسس المكونات الأولية المولدة للتخلف المصحوب بمظاهر الاحتقان والحقد المتعدد الأبعاد والمستويات والاتجاهات. وذلك يهدد استقرار العلاقات الاجتماعية، وينذر بانفجار صراعات ونزاعات طويلة الآجال ضمن القاع الاجتماعي. إضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من الوسائل الإعلامية المرتهنة لمصادر التمويل تساهم في تأزيم العلاقات السورية البينية.
ــ يرتبط ما تقدم مع خوف السوريين من استمرار الصراع الذي يساهم بنظرهم في تحويل سوريا إلى مجال مفتوح للتطرف والتعصب والتمذهب. وجميعها ينذر بتفكك وتحلل روابط العلاقات الاجتماعية وانحطاط آليات التفكير.
ــ في السياق ذاته، يندرج خوف السوريين من تقسيم سوريا وتحويلها إلى كانتونات مذهبية وطائفية متناحرة. ويعزّز من ذلك غياب دور السوريين، وتغيّبهم عن مجالات الفعالية الاجتماعية والسياسية عبر آليات مختلفة منذ بداية الصراع، تحديداً العقلانيون وأصحاب التفكير الموضوعي، ما أسهم بازدياد التعصب والتطرف الذي بات يشكل ملمحاً عاماً. ويتقاطع ذلك مع خوفهم من ما ستؤول إليه نتائج الصراع، تحديداً كون من يتحكم في مفاعيله وأدواته وبالتالي ضبط مآلاته النهائية، أطراف متعددة دولية وأخرى إقليمية تتنازعها مواقف أيديولوجية وسياسية ومصالح مادية متناقضة.
ــ إذا كان صحيحاً أن المجهول يشكل أحد مصادر الخوف، وهو كذلك. فإن ذلك ينطبق على أوضاع السوريين الراهنة. إذ أن خوفهم يتجاوز حدود اللحظة الراهنة. فمستقبلهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي غير واضحة آفاقه ومعالمه. هذا في لحظة يشير كثير من المعطيات إلى أن ما يُرسم للسوريين يتناقض مع مصالحهم السياسية والمادية والاجتماعية، إضافة إلى الاشتغال على تحويلهم إلى أوراق للمساومة، وأدوات لصراعات بعضها راهني وآخر مستقبلي. وجميعها مفتوحة على المجهول الذي يشكل رعباً لعامة السوريين، بغض النظر عن مواقفهم وانتماءاتهم. وينذر بتحويل سوريا إلى بؤر للتوتر والصراع الكامن والوظيفي، بمعنى أنها ستكون مجالاً للتوتر حينما تقتضي مصالح الأطراف الخارجية، والداخلية المستفيدة من أوضاع الصراع.
ــ من عوامل الخوف الأخرى يبدو أنَّ انهيار الأمن الغذائي، بات يشكل أحد أكثر مصادر الخطر للسوريين. ومعلوم أنَّ ذلك لم يكن يعاني منه السوريون قبل عام 2011 بالرغم من عدم التناسب بين احتياجات الأسرة السورية وبين مستوى الدخل. لكنه كانت تتم المحافظة على الحدود الدنيا للأمن الغذائي. بهذا المعنى فإن معاناة السوريين من سياسات الإفقار ليست جديدة.
لكن ما هو ملحوظ حالياً أن الإفقار وصل إلى درجة تحطيم الأمن الغذائي. حيث تشير المعطيات إلى أن حوالى 90% من السوريين غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الغذائية. ويتقاطع ذلك مع دمار شبه كامل للبنى والقطاعات الاقتصادية الأساسية الصناعية منها والزراعية وكذلك الموارد السياحية والاستخراجية والثروة الحيوانية، وخروج قسم كبير منها عن سيطرة الدولة. وينعكس ذلك على قضايا أخرى أساسية تتعلق بتأمين المسكن والملبس والطبابة والتعليم، وجميعها بات السوريون يفتقدون لها. ونشير في السياق إلى أن تراجعاً مرعباً بات واضحاً على المستوى التعليمي، هذا بالإضافة إلى أن مئات الآلاف من الأطفال لا يتمكنون من الالتحاق بالمدارس. ما يعني أننا سنعاني في المستقبل من فجوة علمية ومعرفية سيكون لها انعكاسات جداً خطيرة على مستقبل سوريا. ومعلومٌ أن التعليم وكذلك القضاء يشكلان أساس بناء الدولة، وكلاهما في سوريا يعانيان من صعوبات خطيرة إن لم نقل كارثية.
نشير أخيراً إلى أنَّ التحولات التي تعرضت لها «الثورة السورية» أفقدها الطابع الديموقراطي، وقلّص من إمكانية الانتقال إلى نظام آخر ديموقراطي. وتقاطع ذلك مع فشلها في إحداث تغييرات ديمقراطية في النمط الثقافي السائد وكذلك العلاقات السياسية والاجتماعية وأيضاً أشكال الوعي. فالفصائل السياسية المرتبطة بقوى خارجية، وكذلك العسكرية الإسلامية، المتطرفة منها والمعتدلة، تعيد في سياق ممارساتها اليومية إنتاج الاستبداد السياسي بأشكال متعددة، بعضها يتمظهر بأشكال دينية مذهبية وطائفية. ويتجلى ذلك في سياق «إقامة المحاكم الشرعية، فرض تصورات للدين غريبة عن السوريين، التدخل في الشؤون الخاصة، وفرض التعليم الشرعي». حتى باتت المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل الإسلامية بيئة طاردة للسوريين، وبشكل خاص الناشطين والمثقفين، ما يدلل على فشلها في تقديم نموذج جاذب يكون بديلاً من النظام... لتبدو كأنها ثورة جماعات وطوائف متنافرة.
*كاتب سوري