من يراقب مسار الأحداث الإقليمية والعالمية، قد يتخيل للوهلة الأولى ان الدول الغربية قد وصلت إلى لحظة الحقيقة، واستفاق الوعي الافتراضي لديها، في محاولة لانقاذ العالم من آفات وظواهر الدمار الشامل الذي حلّ بالمنطقة والعالم... فهل ما نراه ونسمعه يعكس الواقع، أم علينا أن نزيل الغشاوة عن أعيننا لنرى الحقيقة كما هي؟ تسعى الولايات المتحدة الى تحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة والعالم، مستخدمة كلّ الوسائل لتحقيق ذلك، فالأهداف ثابتة، والمتغيرات تكمن في الوسائل والتكتيكات، ولا وجود لأيّ اعتبارات أخلاقية في عالم السياسية، وإنما هي لغة المصالح. وهذا ما يفسر استثمار واشنطن في التنظيمات الإرهابية، واللعب على تناقضات المصالح، وحرب الأفكار.


لم يكن غربياً ان تستخدم الولايات المتحدة الفكر الطائفي التكفيري كمنهجية عمل واستراتيجية دولة، من خلال اللعب على تناقضات وحرب الافكار كما سمتها مؤسسة «راند»، وكما روج لها برنارد لويس، من خلال كتابة «أزمة الاسلام – الحرب المقدسة والإرهاب غير المقدس» من أجل تشويه الماضي والتبشير بمستقبل أميركي غربي لمنطقتنا العربية. فالهدف الأميركي للحرب على سورية يرسم الى إعادة المسارات الجيوسياسية لمصلحة الولايات المتحدة، والحدّ من أي فرصة للمدّ القومي العربي الذي يقوده الرئيس الاسد، نقيض «الفكر التكفيري الطائفي الذي يتبناه الغرب»، إضافة الى الحدّ من الاندفاعة الروسية ودول «بريكس» وإيران في المنطقة والعالم، في ظل التراجع الأميركي القسري من المنطقة لأسباب موضوعية بسبب المتغيرات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة والعالم.

طبيعة العلاقات الدولية تستدعي العمل السياسي بالتوازي مع استخدام القوة

من الخطأ الاعتقاد بأن المناورات السياسية ستؤدي الى تغيرات جوهرية بمسار الأحداث في المدى القريب، فالمخاض يحتاج الى وقت وتغيرات على المستوى الجيوسياسي، تفرضها التحولات في ظلّ الصراع الحادّ بأكثر من منطقة في العالم.
الرئيس بوتين يرمي الكرة في ملعب حلف واشنطن، ويدفع بمبادرة تقول: «من يريد مكافحة الإرهاب عليه التحالف مع الحكومة السورية»، ودعم الجيش العربي السوري الذي يحارب الارهاب المتمثل في داعش والنصرة وجيش الفتح... فهو الجيش الوحيد المؤهل لهزيمتهم.
ردة الفعل الأميركية التي رفضت «إعلامياً» أي مبادرة تؤدي الى التعاون مع الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب، والإيعاز لتركيا بحشد جيشها على الحدود، في محاولة احياء مشروع «بروكينغز» للمناطق العازلة، اضافة الى لعب الولايات المتحدة على ورقة الاكراد و»داعش»، لا يمكن ان تفسر بأنها أجهضت المبادرة قبل أن تبدأ، او أن الولايات المتحدة ليست مستعدة بعد للتسليم بانتصار الدولة السورية ومحور المقاومة أو التراجع عن الاستثمار في التنظيمات الارهابية، وبالأخص أنها تدفع بهذه التنظيمات للقيام بالدور التخريبي وصولاً الى دول معاهدة شنغاهي، بل انها براغماتية الادارة الاميركية وفق حسابات دقيقة للإقرار بالواقع الذي فرضه صمود الدولة والقيادة السورية، في ظل اخفاق المشاريع الاميركية، والاعتماد على ردات الفعل بمنهجية تطبيق الفوضى الخلاقة. وهذا بالضرورة يعني أن تركيا والسعودية والاردن سوف تتراجع في أداء دورها كما يريد المخطط الاميركي كنتيجة لتغير الاولويات والخطط، على الرغم من الخوف وانخفاض مستوى الثقة بالشريك الاميركي.
وفي الإطار نفسه يمكن تفسير الاستعراض التركي في دفع الجيش باتجاه الحدود، ويفسر كتجلي للصراع ما بين الجيش التركي واردوغان من جهة، ومشاغبة وقلق من جهة اخرى، فالحسابات الدقيقة لجميع الأطراف تضع خطوط حمراء أمام التدخل المباشر وتفجير المنطقة. هذا التفجير، إن حدث، لن يصبّ في مصلحة أي من الاطراف، وانما سيزيد تعقيدات المنطقة والعالم، وله مخاطر كبيرة، ولكن التراجع ولو خطوة إلى الوراء مازال يحتاج الى بعض الوقت.
طبيعة العلاقات الدولية تستدعي العمل السياسي ونشاطاً دبلوماسياً بالتوازي مع استخدام القوة، فالولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق مكاسب استراتيجية وهيمنة على المنطقة من خلال التسويات بمفهومها، أي إخضاع المنطقة وتكريس النفوذ بفرض تسويات سياسية، كما الحال مع الملف الإيراني النووي. تسوية تخضع إيران كما أوصت المجموعة السياسية الاميركية أخيراً بإشراف معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهذا يعني العودة الى المربع الاول. فالمرواحة وملء الفراغ بالمبادرات مستمر الى أن تتضح الصورة في الأشهر المقبلة، ومن غير المتوقع الوصول الى اتفاق نهائي مع إيران قريباً، وإنما مفاوضات واتفاقات «حول مضمون الاتفاق» الذي يتم الترويج له.
آفاق الحلول في المنطقة للملفات الرئيسية تبدو غير ناضجة بعد، بما يتعلق بالملف النووي، إلا ان معالم الطريق الى اغلاق الفصل الأخير من الحرب على سورية بات واضحاً. فالعالم قد بدا يتغير وحدود القوة الاميركية والاعتبارات الداخلية تلجم طموح ورغبات الوكلاء في المنطقة.
غرق النظام السعودي في اليمن وفشله في إسقاط الدولة السورية، دفعه الى المناورة والاستعانة بالروس من أجل كسب الوقت والحدّ من الارتدادات التي ستؤدي بالضرورة الى تغير في منظومة الحكم السعودي، وبوادر التراجع بدأت بالدفع بنبيل العربي ليهرول ويصرخ «دمشق انت الخلاص».
من الواضح ان سورية ومحور المقاومة قد ثبّتا نقاط ارتكاز استراتيجية، فالجيش أفشل «عاصفة الجنوب»، وحقق إنجازات في مختلف المناطق من الحسكة الى حلب الى الزبداني. وهذه المعطيات تعني أن الجيش يمسك بزمام المبادرة ويضبط إيقاع المعارك على مستوى البلاد، وهذا يقود الى إبطال مفاعيل الرهانات الغربية في تغير الواقع الذي كرّسه الجيش والقيادة السورية، ويخفف من مخاطر الطريق الوعرة لاغلاق الفصل الاخير من الحرب على سورية.
نعم نحن لسنا في زمن المعجزات... وإنما في زمن تحديد ملامح العالم الجديد في ظل الصمود الاسطوري للجيش والشعب والقيادة السورية. ومع أن هذا المخاض قد يحتاج الى سنوات عديدة لتكتمل المسارات في المنطقة والعالم، إلا ان الثبات السوري بات يرغم تلك الدول المتحالفة في الحرب علينا، على التراجع خطوة أو خطوات الى الوراء، ويؤسس لهزيمة الفكر التكفيري الهدام، ويعني التقدم بثقة وقوة نحو اغلاق الفصل الاخير من الحرب في ظل التحولات الكبرى ومخاطر الطريق ضمن مسار تبلور ملامح العالم الجديد.
* باحث سوري