رواية أبرامز عن صعود الإسلاميّين في العالم العربي هي الرواية الصهيونيّة الرسميّة بحذافيرها، وهي تشدّد على أن الأنظمة المتحالفة مع أميركا لم تكن مسؤولة قطّ عن صعود الإسلاميّين2، وهي لم تخلقهم رغم قرائن تاريخيّة (معاصرة) عكس ذلك. إن النظام الأردني والنظام الساداتي المصري والنظام السعودي، بل كل أنظمة الخليج، أعانت وموّلت وسلّحت المنظمّات الإسلاميّة على أنواعها في كل سنوات الحرب الباردة، وما بعد، من أجل تقويض دعائم الأنظمة القوميّة العربيّة واليساريّة (في اليمن وفي لبنان ضد الحركة الوطنيّة).


لكن هذا الدعم لم تكن أميركا بعيدة عنه، لا، بل هي شاركت فيه بحماسة3 شديدة لأنها كانت ترى أن أي بديل عن الناصريّة واليساريّة هو في مصلحة أميركا، خصوصاً أن المنظمّات الإسلاميّة لم تكن تكترث لموضوع فلسطين4، ولأن هذه المنظمّات عادت الشيوعيّة والتقدميّة أكثر بكثير ممّا عادت الصهيونيّة.
وأبرامز، الذي لم يدرس الشرق الأوسط وليس خبيراً في شؤونه ــ وإن فرضه تعصّبه الصهيوني مسؤولاً عن ملفات الشرق الأوسط في إدارات أميركيّة مختلفة ــ يُحلّل السياسة في منطقتنا بكليشيهات استشراقيّة تنميطيّة تقليديّة. فالعصب الطائفي هو المُحرّك السياسي الوحيد لمواقف الرأي العام العربي. وعليه، فهو قرّر أن سبب المعارضة الشعبيّة في البحرين هو طائفيّ محض، يُختصر برفض شيعي لحكم السنّة. وفي الحالة السوريّة، يُقرّر أبرامز أن ولاء الجيش السوري للنظام ينحصر في العامل العلوي الطائفي: عنده العلويّون مع النظام والسنّة ضدّه. ويستعين أبرامز بتحليلات إسرائيليّة عن العرب، لأن العدوّ يعرف العرب خير معرفة ولأن شهادته فيهم موثوقٌ بها على خلاف شهادة العرب عن أنفسهم. ويذكر هنا مقالة للخبير الإسرائيلي أميخاي ميغن.5 وميغن هذا من أنصار خلق كيانات داعمة للعدوّ الإسرائيلي في المنطقة وهو في مقالته يشيد بتجربة النظام المُجرم في جنوب السودان، الذي كانت إسرائيل راعيته وداعمته الأولى، كما أنه يشيد بتجربة الإقليم الكردستاني. أي إن نظريّة بن غوريون في الاعتماد على الأطراف6 لا تزال قائمة عند الصهاينة، لكن الانتفاضات العربيّة وتغيير بعض الأنظمة وسّع شهيّة دولة العدوّ للركون على دول في قلب العالم العربي ــ مثل دول الخليج ــ لإقامة حلف إقليمي. لم يعد العدوّ يكتفي بدعم الأطراف في احتلاله وعدوانه ومؤامراته.
ويؤمن أبرامز بنظريّة ميغن في أن نموّ الفكر الليبرالي (المتصالح مع العدوّ الإسرائيلي) يحتاج إلى طبقة متوسّطة غير موجودة في معظم البلدان العربيّة. وهذه النظريّة يعتمدها مبعوث دونالد ترمب في مفاوضات «السلام» العربيّة ــ الاسرائيليّة، جيسون غرينبلات، الذي يحصر ملفّه في فتح الاقتصاد الفلسطيني أمام التنشيط الرأسمالي والاستثمارات الغربيّة والعربيّة لتكوين طبقة ميسورة تنسى عبر الوقت قضيّة فلسطين. وهذه النظريّة هي نفسها الذي يريدها بنيامين نتنياهو بديلاً عن دولة فلسطينيّة (مسخ)، ويوافقه في ذلك حاكما السعوديّة والإمارات. أي أن الليبراليّة العربيّة هي الفرصة الأخيرة للصهيونيّة للنفاذ إلى الثقافة والسياسة العربيّة رغم إقرار أبرامز أن الشعب العربي لا يتبنّى الفكر الليبرالي.7
ويعتمد أبرامز في تفسيره ضعف الليبراليّة العربيّة على آراء الكاتب المصري، سامويل تادروس، الخبير في معهد «هدسون» اليمني في أميركا. تادروس توصّل إلى حل لمشكلة السعي الغربي لإعلاء شأن اليبراليّين العرب. يقول تادروس (الذي يدعو في دراسة له الغربَ إلى تحسّس خطورة معاداة السامية عند المصريّين8) إن سبب ضعف الليبراليّة عند العرب هو فقدان ترجمات عربيّة للكتابات الغربيّة الليبراليّة.9 والبحث عن الليبراليّين العرب يشكّل هاجساً عن الصهاينة في أميركا وفي الغرب. ويرصد الميلياردير الأميركي، جورج سوروس، الملايين لدعم الليبراليّين في الشرق الأوسط وفي أوروبا الشرقيّة. والحكومة الأميركيّة تحاول أن تجد طريقة لتعزيز مواقع الليبراليّين العرب. لهذا، إن عدداً من العرب (مثل مروان المعشّر وغيره) يطلع باقتراحات شتّى حول كيفيّة تعزيز الليبراليّة العربيّة. ولهذا، إن فكرة تادروس عن ضرورة ترجمة الكتابات الغربيّة الكلاسيكيّة عن الليبراليّة ــ وهي موجودة طبعاً بترجمات عربيّة منذ عقود طويلة وإن فات تادروس ذلك ــ كحلّ لضمور الحركة الليبراليّة. وأبرامز يضيف إلى نظريّة تادروس من عنده فيقول إن الكتابات الليبراليّة الغربيّة متوفّرة على الإنترنت باللغة الفرنسيّة والإنكليزية لكن ليس بالعربيّة. (لو أنه يعرف القليل من العربيّة لأدرك خطأه).


أفنى أبرامز صفحات كتابه سدى، إذ توصّل إلى النتيجة التي توصّلت إليها الإدارات الأميركيّة المتعاقبة


ويتراوح أبرامز في كتابه بين التشاؤم والتفاؤل حول مصالح الصهيونيّة في العالم العربي، التي يربطها بفكرة الديموقراطيّة (الانتقائيّة والملائمة والمنقوصة). هو مثلاً منزعج من أن بعض الديموقراطيّين العرب يربطون تحقيق الديموقراطيّة حسب استطلاعات للرأي بـ«القضاء على الفَقر أو المساواة الاقتصاديّة أو المجتمع العادل عموماً». وفي هذا تحقيق لديموقراطيّة من نوع آخر عند أبرامز، لأن الديموقراطيّة العربيّة لا تعني عند هؤلاء إلاّ سلاماً وتطبيعاً بين دولة عربيّة ما وبين إسرائيل. ومنظمّة «بيو» (أكثر المؤسّسات نشاطاً في إجراء استطلاعات حول العالم) طلعت هذا الأسبوع باستطلاع عن تقييم الديموقراطيّة في الدول الديموقراطيّة في العالم، واختارت في عيّنة الدول الديموقراطيّة في الشرق الأوسط دولة العدوّ الإسرائيلي وتونس ولبنان والأردن. حتماً إن إدراج النظام التسلّطي في الأردن يعود فقط للعلاقة التاريخيّة الوثيقة بين السلالة الحاكمة هناك وبين صهاينة إسرائيل.
أما عن الاعتقاد السائد في كثير من أنحاء الغرب عن أن هناك معوقات إسلاميّة لتحقيق الديموقراطيّة، فإن أبرامز يرفض ذلك، لكنه يؤمن بوجود معوقات عربيّة. لا يقول أبرامز إن الجينات العربيّة تمنع الديموقراطيّة لكنه يدرج التاريخ العربي كأن التاريخ الياباني مثلاً شكّل عائقاً أمام تحقيق الديموقراطيّة هناك. والمفارقة أن أبرامز يغوص في أسباب غياب الديموقراطيّة في العالم العرب من دون أن يلاحظ عاملاً آخر أكثر وضوحاً من غيره: حكومات الغرب تدعم وترعى وتموّل أو تسلّح معظم أنظمة الاستبداد العربيّة. ويقول أبرامز في حديثه عن المخابرات العربيّة ــ كأنها فريدة في وجودها بين الدول ــ هذه الجملة الغريبة: «إن لدى كل الدول غير الديموقراطيّة قوات أمنيّة قويّة، للسبب البديهي».10 وهل أجهزة الأمن والمخابرات الأميركيّة، مثلاً، هي أضعف وأقل سطوة ونفوذاً من أجهزة الأمن العربيّة؟ إن تعميمه في ظل دول الأمن القومي الغربيّة (والديموقراطيّة) لا يزيد في معرفتنا شيئاً أبداً. ولا يبطل جهل الكاتب بدراسات الشرق الأوسط وثقافته ولغاته، ولا اعتماده الحصري على خبراء صهاينة أو خبراء يتوافقون في استنتاجاتهم مع الصهاينة، الفائدة السياسيّة للكتاب. هذا الكتاب يفيد في أنه يسبر غور الذهنيّة الأميركيّة الحاكمة في تعاطيها مع الشرق الأوسط، ومع معضلة الديموقراطيّة كما تريدها أميركا ــ كما أرادتها في سنوات الحرب الباردة ــ شعاراً فقط، أو تطبيقاً إذا كانت نتائجها متوائمة مع المصالح الأميركيّة. والحكومة الأميركيّة تجهد في البحث عن حلفاء محليّين ذوي قاعدة شعبيّة. هي فقدت الأمل في قدرة الليبراليّين على الفوز بالانتخابات إلّا إذا كانوا رجعيّين يمينيّين من مخلّفات النظام البائد، كما في تونس، وإن تزيّنوا بشعارات مستجدّة تستفيد من الدعم المالي الخليجي والغربي على حد سواء. لكن أبرامز يُعلمنا أن المنظمّات غير الحكوميّة («إن. جي. أو» الشهيرة، التي يعجّ بها عالمنا العربي كما يعجّ بالخبراء العسكريّين الأميركيّين) هي أيضاً عماد السياسة الأميركيّة. يقول أبرامز عن هذه المنظمّات المنتشرة في بلادنا: «لها روابط واسعة مع العواصم والمُمولّين الغربيّين».11 لكن أبرامز يُعبّر عن ضيق (سياسي أميركي) من هذه المنظمّات لأن الحكومة الأميركيّة أدركت بعد إنفاقات هائلة أنها ــ أي المنظمّات غير الحكوميّة ــ تفتقر إلى «روابط داخليّة»، أو قواعد شعبيّة. والاستعانة بهذه المنظمّات في الدول غير المتحالفة بالكامل مع أميركا، بات مفضوحاً إلى درجة أن عدداً من الحكومات باتت تتخذ إجراءات قانونيّة ضدّها. ثم، لماذا لا تنشئ وتمول الحكومة الأميركيّة (التي تموّل العشرات من هذه المنظمّات في فلسطين ولبنان مثلاً) منظمّات من هذا النوع في دول الخليج؟ هل لأن هذه المنظمّات تؤدّي غرضاً سياسيّاً ضد أعداء داخليّين (المقاومة في لبنان وفلسطين)؟ يحسم أبرامز الجدال ويقرّ أن القاعدة الحقيقيّة لهذه المنظمّات هي في لندن وواشنطن (لو قال عربي هذا الكلام لاتُّهم برمي الخصوم بالتخوين الباطل). ولأن هذا الخبير الصهيوني بالغ النفوذ في العاصمة واشنطن (حتى وهو خارج الحكم) فيمكن الاستنتاج أن التمويل الغربي لهذه المنظمّات إلى تناقص على مدى السنوات المقبلة.
يعترف أبرامز ويقول: «كنّا نضيّع وقتنا في العمل مع هذه المنظمّات غير الحكوميّة. ليس لديها من تأييد (شعبي)». ويصف المجتمع المدني العربي بكلمات مُحبَطة: «هم من الطبقة المتوسّطة وتلقّوا تعليماً غربيّاً ويتحدّثون الإنكليزيّة جيّداً ويشاطرون الغربيّين في الالتزام بالقضايا المثاليّة. يعيشون في العاصمة حيث يسهل الاتصال بهم من السفارات الغربيّة ومكاتب إن.جي.أو الغربيّة».12
ودعم الديموقراطيّة هو «بزنس» في بلادنا تُوزَّع فيه الغلّة على شلّة من المحاسيب ــ الديموقراطيّين، طبعاً ــ والمنتفعين والمقاولين وتجّار العقائد المتنقّلة. وكتاب سارة بوش، «ترويض دعم الديموقراطيّة: لماذا الترويج للديموقراطيّة لا يواجه الطغاة»13، يشرح أن دعم الديموقراطيّة هو تجارة في بلادنا، مثلها مثل تجارة البطاطا والسيّارات. وسارة بوش على حق في توضيحها أن برامج دعم الديموقراطيّة الأميركيّة لم تعد موكلة إلى الحكومة الأميركيّة وحدها، بل هي تُلزَّم غالباً (وتُخصَّص وبازدياد) لمنظمّات غير حكوميّة (أميركيّة ومحليّة على حدّ سواء)، وهذه المنظمّات تسعى نحو الربح في كثير من الأحيان. وفي مصلحة تجّار الديموقراطيّة تعظيم أدوار هذه المنظمّات ونشاطها كي يستمرّ الدعم وينمو. لكن الحكومة الأميركيّة شعرت بالتضليل من هذه المنظمّات بعد اندلاع الانتفاضات العربيّة. الأموال الأميركيّة المرصودة لدعم الديموقراطيّة متشعّبة، وهي تُوزّع من إدارات مختلفة في الدولة الأميركيّة بما فيها وزارة الدفاع. وتضلّل أميركا الرأي العالم (الأميركي والعالمي) في جدولة نفقات الديموقراطيّة وحقوق الإنسان. ففي الميزانيّة المُقترحة للعام المُقبل مثلاً، ترصد الحكومة الأميركيّة ٧,٧ ميليار دولار لما تسمّيه «الأمن والسلام» في العالم. وهذا المبلغ يشمل دعم ميشليات وتقديم العون العسكري إلى طغاة في دول العالم. والخلط بين السلام والأمن يذكّر بأسماء الوزارات في كتاب «١٩٨٤» لجورج أورويل: فيه وزارة «السلام» ليست إلا وزارة الحرب، كما أن وزارة الحب هي لفرض الأمن (كاد أرويل أن يتوقّع وزارات دولة الإمارات في التسامح والسعادة).
ويروي أبرامز بعض حكايات أحاديث جانبيّة عارضة عن الديموقراطيّة مع الطغاة الحلفاء. فيعترف أن حكومته لم تطرح مع الحكومة السعوديّة إلّا موضوعاً واحداً فقط في هذا الشأن: «الحريّة الدينيّة لغير المسلمين في المملكة». وهذه لا تعني إلا حقوق المسيحيّين الغربيّين في المملكة، إذ لا تكترث الحكومة لا لحقوق المسلمين غير الوهّابيّين في المملكة، ولا لحقوق الهندوس والبوذيّين من العمّال الأجانب هناك. تصبح مناصرة التبشير المسيحي، في تصويرها الأميركي الدعائي، سياسة في دعم الحريّات الدينيّة. ويعترف أبرامز أيضاً أن هذا الموضوع الذي طرحه بوش مع الملك عبدالله كان من منطلق عقيدة بوش الدينيّة المسيحيّة (المتعصّبة، إذ ان الرجل كما كشفت عنه مجلّة «نيويورك تايمز» قبل سنوات، على يقين أن كل مَن لا يقبل يسوع المسيح مخلّصاً يذهب إلى الجحيم). يعترف أبرامز أنه لا يذكر أي مناقشة أو أحاديث أو تفاوض أو إثارة في اللقاءات بين المسؤولين الأميركيّين وبين المسؤولين السعوديّين عن حقوق الإنسان والديموقراطيّة: «في الأمور السياسيّة، لم نتحدَّ السعوديّين. لا أذكر أي محادثة تعدّت حدود المواضيع الدينيّة (التي تضمّنت حريّة الممارسة الدينيّة لغير المسلمين)». أما عن الدور المحتمل للسعوديّين في شؤون حكومتهم، فلا يذكر أبرامز محادثة واحدة.14
لكن العلاقة بين الحكومة الأميركيّة وبين جماهيريّة القذّافي هي أبلغ تعبير عن السياسات الأميركيّة. بين ليلة وضحاها، تغيّر الخطاب الأميركي عن ليبيا (بعد تسوية «لوكربي» وبعد تسليم معدّات صنع أسلحة الدمار الشامل الليبيّة إلى الراعي الأميركي)، ولم يعد القذّافي يُشار إليه في الخطب الرسميّة بـ«الديكتاتور القذّافي»، بل أصبح «الرئيس القذّافي». وفي التقرير السنوي لوزارة الخارجيّة الأميركيّة عن حقوق الإنسان حول العالم، تغيّرت المصطلحات الأميركيّة. ففي تقرير ٢٠٠٣، بدأ التقرير بهذه الجملة الاستهلاليّة: «إن الجماهيريّة الليبيّة العربيّة الاشتراكيّة هي ديكتاتوريّة». بعد عام واحد فقط، اسُتهِلّ التقرير في عام ٢٠٠٤ بالجملة التالية: «إن الجماهيريّة الليبيّة العربيّة الاشتراكيّة العظمى هي دولة تسلّطيّة».

العلاقة بين واشنطن والقذافي هي أبلغ
تعبير عن السياسات الأميركيّة

لكن النفاق الأميركي لا يتبدّى فقط في إهمال موضوع حقوق الإنسان والديموقراطيّة في الدول الحليفة لأميركا، بل في تغطية وتجميل طغيان الحلفاء. يكفي أن تقرأ خطاب لبوش في ٢٠٠٧ في مؤتمر عن الديموقراطيّة، إذ جاء فيه: «إن الولايات المتحدة تستعمل نفوذها لحث شركائنا المُقدَّرين مثل مصر والسعوديّة وباكستان للتحرّك نحو الحريّة. وهذه الدول اتخذت مواقف شجاعة وعملاً قوياً لمواجهة المتطرّفين، بالإضافة إلى بعض الخطوات لتوسيع الحريّة والشفافيّة». وخلط بوش بين موضوع الحريّة وبين «مواجهة المتطرّفين» ــ الذي لا علاقة له بموضوع الحريّة في تلك الدول ــ أو على العكس لأن مواجهة المتطرّفين تكون حجّة جاهزة للمزيد من الطغيان والظلم في تلك الدول.
وبعد جهد مستفيض وسعي حثيث لتجميل سجلّه في الإدارات الأميركيّة المتعاقبة التي تعنى بشؤون الشرق الأوسط وحقوق الإنسان، يخلص أبرامز إلى هذا الاستنتاج: «في ما يتعلّق بالممالك الصديقة لا نريد أن نراهم مُطاحين ونرى اضطرابات مكانهم»15، أي أن أبرامز أفنى صفحات كتابه سدى، إذ إنه توصّل إلى النتيجة نفسها التي توصّلت إليها كل الإدارات الأميركيّة المتعاقبة. لكن يضيف من باب رفع العتب أنه يمكن للحكومة الأميركية أن تبحث في شأن «وسائلنا وأهدافنا» مع الطغاة العرب، وأن الحكومة تلتقي معهم في التطلّع إلى رؤية يكون فيها السكّان ينظرون إلى الممالك على أنها تشكّل خياراً «تقدّميّاً» للبلاد. ويشدّد أبرامز على «أننا نريد أن نتحاشى سقوطاً خطيراً للنظام في الدول العربيّة الصديقة».
وفي كل الحالات الخاصّة من الأنظمة التي يحلّل أبرامز وضعها من ناحية الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، تجده يختلق الأعذار ليسوّغ دعم أميركا للطاغية. ففي البحرين، يتحدّث عن عنف من الحكومة والمعارضة على حدّ سواء. قد فاتنا أن المعارضة استعانت بالدبّابات وهدمت ساحات واستعانت بدولة أجنبيّة كي تقوّي موقفها. ويجد أبرامز ذريعة لدعم الحكومة الأميركيّة للطاغية في البحرين ويقول إنه ليس للولايات المتحدة إلّا نفوذ قليل جدّاً في البحرين، رغم وجود الأسطول الخامس هناك. ويضيف أنه كان يمكن لإدارة أوباما أن تستعين بطوني بلير للتوسّط في البحرين (لما له من نفوذ وشعبيّة في أوساط المعارضة؟).
ويطالب المؤلّف بالمجاهرة الأميركيّة في دعم ما تراه ملائماً من «إصلاحات»، ويرى أن القول إن الدعم الأميركي يقوّض شرعيّة الإصلاحات ليس صحيحاً. وأبرامز على حق في عدم التعويل على غضبة واحتجاجات الرأي العام العربي ضد السياسة الأميركيّة في زمن يتسم به هذا الرأي العام بالاستكانة والخمول. والمجاهرة في التقرّب من الصهيونيّة من دول الخليج والحديث عن تطبيع سعودي ــ إسرائيلي قريب ليس إلّا نتاجاً للتخمين الأميركي عن ضعف الرأي العام العربي. ويستشهد أبرامز بحالة محمد مرسي وكيف أن «الإخوان» لم يحاولوا المسّ باتفاقيّة السلام مع العدوّ. والتنسيق الأمني بين مصر والعدوّ بات أقوى مما كان عليه أيّام حسني مبارك. فكيف لا تستهين أميركا بالرأي العام العربي؟
يوثّق هذا الكتاب لعقود من النفاق الأميركي من دون علم أو إرادة الكاتب. هو بدأ كتابه بالمديح الذاتي وأنهاه بالإقرار الصريح أن الحكومة الأميركيّة لم تكن يوماً جديّة في طرح ونشر الديموقراطيّة في بلادنا. على العكس، كلّما تسمعون عن حقوق الإنسان والديمقراطيّة في بلادنا في الخطاب الأميركي، زادت حاجتكم إلى ملاجئ ومستشفيات قريبة من منازلكم.
المراجع
1. صدر الكتاب قبل أسابيع عن دار نشر جامعة كمبردج.
2. كتاب «الواقعيّة والديموقراطيّة»، ص. ٩٩.
3. راجع في هذا الصدد كتاب كريستفر ديفدسون، «حروب الظلال»، وقد كتبتُ عنها على هذه الصفحات.
4. تغيّرت وجهة الحركات الإسلاميّة العربيّة من غياب الاكتراث لموضوع فلسطين إلى التحالف الصفيق مع الصهيونيّة كما جرى في مصر في عهد مرسي وتونس في عهد الغنوشي والوهابيّة في كل مراحلها المعاصرة في السعوديّة.
5. راجع مقالة أميخاي ميغن، «عن الانتظام السياسي و«الربيع العربي»، «المجلّة الإسرائيليّة للشؤون الخارجيّة»»، الجزء ٦، العدد ١ (٢٠٠١٢).
6. راجع كتاب يوسي ألفر، «الأطراف: سعي إسرائيل للعثور على حلفاء شرق أوسطيّين».
7. كتاب أبرامز المذكور سابقاً، ص.١٠٧.
8. راجع دراسته بعنوان «مصادر معاداة السامية المصريّة»، ويرفض فيها أن يكون لوجود إسرائيل سبب في ذلك.
9. راجع كتاب سامويل تادروس، «تأمّلات في الثورة في مصر»، دار نشر مؤسّة هوفر، ٦٨-٦٩.
10. ص ١١٥ من كتاب أبرامز.
11. نفس المرجع، ص. ١٢٤.
12. نفس المرجع، ص. ١٨٠.
13. صدر عن دار نشر جامعة كمبردج قبل عاميْن.
14. نفس المرجع، ص. ١٦٠.
15. نفس المرجع، ص. ٢٠٢.
*كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)