تدور في الأوساط الإسرائيلية نقاشات حول خطاب السيد حسن نصرالله الذي حدد فيه موقفاً واضحاً من القدس وفلسطين التاريخية. ويشوب هذه النقاشات كثير من النواقص والمربّعات البيضاء التي تحتاج إلى ما يملؤها!

فقد اعتاد الإسرائيليون (بخاصة المسؤولين منهم) على أخذ كل كلمة يقولها السيد نصر الله بجدية تامة. ودرجوا على أخذ احتياطاتهم مما يلمّح له حول ردود فعل حزب الله على أي اعتداء إسرائيلي.

وأثار خطابه حول القدس وفلسطين ردود فعل تراوحت بين «الفزع»، وبين التعامل مع خطابه كنوع من أنواع التعبير عن عواطف لا مردود عملياً لها.
فمن أخذ منهم كلام نصر الله بشكل جدي واستناداً لمصداقية قائد المقاومة أدهشته ثقة السيد الكاملة بحتمية تحرير القدس وإلحاق الهزيمة بإسرائيل. وهذا ما يثير فزع الإسرائليين الذين أخذوا كلامه كتعبير عاطفي، يعيشون بينهم وبين انفسهم حالة من القلق الشديد، مصدره السؤال الذي يطرحونه على أنفسهم من دون أن يصرّحوا به: ماذا لو كان كلامه جدياً وليس تعبيراً عاطفياً؟!
لكن كبار الاستراتيجيين من خطباء «هرتسليا» لا يتوقفون فقط أمام ما قاله ووعد به حول القدس وفلسطين، بل امتدت اهتماماتهم وتبحّرهم الاستراتيجي نحو:
1ــ تأثير هذا الخطاب في لبنان. فقد انهى السيد نصر الله بخطابه عن القدس وفلسطين (وهي بحسب سعد الحريري قضية ليست لبنانية لذلك يجب ان ينأى لبنان بنفسه عنها) كل خطط الولايات المتحدة والسعودية لشلّ حركة حزب الله من بوابة الحريري وشروطه للعودة عن الاستقالة.
فالرجل الذكي (القائد نصرالله) هتف بأعلى صوت أن المقاومة ستقاتل دفاعاً عن القدس وعن فلسطين، وستساند فصائل المقاومة الفلسطينية.
وسكت سعد الحريري عن الكلام المباح وغير المباح. فقد وقع في الكمين: إذا اعترض رئيس وزراء لبنان على موقف حزب الله يكون قد اصطفّ مع اسرائيل ومع تهويد القدس وضد النضال التحرري الفلسطيني. فقضية فلسطين والقدس ليست قضية بعيدة الصلة عن لبنان والامة العربية، بل هي قضيتهم الاولى حسب التاريخ النضالي العربي وحسب قرارات جامعة الدول العربية وحتى حسب مبادرات العائلة السعودية!
تحطّم على صخرة الموقف الشريف من القدس وفلسطين مخطط شل حزب الله ومنعه من النشاط اقليمياً.
ويرى الاستراتيجيون الاسرائيليون أن هذه الضربة لخططهم المشتركة مع العائلة السعودية في لبنان، هي أشبه بالقاضية، ولم يبقَ بجعبتهم سوى تفعيل اجهزتهم ــــ أي الموساد والمخابرات السعودية والاميركية والخليجية في لبنان لشن حرب تفجيرات واغتيالات. ولا شك لدى احد بأن هدفهم الأول هو القائد حسن نصر الله ومساعدوه.
المحللون الاستراتيجيون الاسرائيليون ينظرون بقلق شديد الى ما ولّدته انتفاضة الشعب الفلسطيني وتحية السيد حسن نصرالله لها ودعوته لتصعيدها، من ردود فعل على الصعيدين العربي والعالمي. فقد بدأت نيران التعبير عن ادانة اسرائيل والوقوف بحزم مع الشعب الفلسطيني والمقاومة تشتعل في كل مكان.
ورغم أن الشارع العربي ما زال مختلفاً عن الشوارع الاوروبية، الا انه بدأ بالتحرك، ويكفي ان ترى جماهير اليمن تتظاهر في كل محافظة تأييداً لفلسطين حتى تعرف ما يعتمل في صدور العرب أجمعين.
ولا بد للقاهرة من أن تتحرك، ولا بدل للنيل من أن يثور لأن ثورته من اجل القدس وفلسطين هي ثورة على تحكّم العائلة السعودية بشعب مصر وحركة هذا الشعب.


لا يمكن المواجهة إلّا بإتقان مفهوم الحرب وامتلاك الدقة والتخطيط

ويتوقع الاستراتيجيون الاسرائيليون تصاعداً متسارعاً في الحراك العربي مما سيؤثر الى حد ما على وتيرة تطبيع العلاقات الاسرائيلية بأنظمة عربية بدأت تسرّع عملية التطبيع.
ويذهب هؤلاء إلى وضع علامة حمراء عند بعض البلدان، بسب توقعهم ان يفجر موضوع القدس الاوضاع الداخلية فيها. ويصر احد الاستراتيجيين على وجهة نظره التي تتوقع صراعاً داخلياً دموياً في صفوف العائلة السعودية!
وربط هؤلاء الاستراتيجيون بين تحريك الشارع الاسلامي وبين تكرار السيد نصر الله لاستعداد الملايين للاستشهاد على درب تحرير القدس.
ويجري مسؤولون اسرائيليون مباحثات سرية هذه الايام مع نظرائهم في وزارة الدفاع الاميركية وخبراء على رأسهم اليوت أبرامز من وزارة الخارجية الاميركية، حول خطورة وتأثير خطاب السيد نصرالله على ما سبق ان قرره من خطة تحرك في العراق وسوريا ولبنان ومصر.
ذلك ان الادارة الاميركية تشعر بقلق، هي الاخرى، من زاويتين اضافيتين لما سبق أن ذكرناه من أسباب قلق الاسرائيليين.
الزاوية الاولى: دعوة نصر الله لعقد اجتماع لكافة فصائل المقاومة إقليمياً لدراسة وبحث ووضع استراتيجية العمل للبرنامج التحرري الواضح الذي طرحه.
الزاوية الثانية: متابعة ومراقبة الدعم الايراني الذي ظهر في الثقة الكاملة التي أبداها نصر الله حول تسليح فصائل المقاومة الفلسطينية ودعمها.
وقد تزايد قلقهم (اميركياً واسرائيلياً) بعد الاعلان عن اتصالات الجنرال قاسم سليماني بقادة من الفصائل الفلسطينية.
بشكل عام، يشعر خبراء الاستراتيجيا الاميركيون والاسرائيليون ان السيد حسن نصرالله حقق مكاسب كبيرة للمقاومة بخطابه هذا. فقد «قلب الطاولة» كما يقال، وبدأ لاول مرة منذ تأسيس حزب الله باظهار قوته وقدرته على قيادة حركة مقاومة اقليمية موحدة. وأظهر عملياً انخراطه في معركة لتحرير الارض الفلسطينية والقدس من الاحتلال، بعد ان كان طوال هذه السنين يتحدث ويعمل على الدفاع عن لبنان وتحرير اراضيه.
وضمناً، جاء هذا الاعلان السياسي ليكرس قيادة السيد حسن نصر الله لحركة التحرر العربية، وفي مقدمتها حركة تحرير فلسطين، وهذا ما سبب صداعاً مدمراً لرؤوس المسؤولين الاسرائيليين. فقد بدأت مرحلة الهجوم الدفاعي، والسيد نصرالله بذكائه السياسي الكبير يشن هجوماً دفاعاً عن القدس. ولا يمكن الدفاع عن القدس ومنع تدمير الاقصى وكنيسة القيامة وتهويد المدينة الا بمواجهة جيش الاحتلال.
انها عملية دفاع، لكنها تتطلب الهجوم. ولا يمكن لعملية الدفاع ان تبدأ الا اذا شنّت قوى المقاومة الهجوم على قوات الاحتلال والمستوطنين المدجّجين بالسلاح وطردهم من ارض العرب في فلسطين.

الحشد ـــ الكفاءة ـــ الدقة

ثلاث كلمات هي رموز فتح خزائن النصر. وهذه مهمات استراتيجية لا تكتيكية على قيادة الفصائل ان ترسم برامجها.
لقد حان موعد نفض الترهل والانتظار. لا يمكن مواجهة عدونا الا باتقان مفهوم الحرب والقتال وامتلاك الدقة والتخطيط السليم والضبط والربط الاداري والميداني.
«وقل اعملو فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».
«ان الله يحب أحدكم ان قام بعمل ان يتقنه».
هذا يلقي على عاتق التنظيمات الفلسطينية مسؤوليات كبيرة وحساسة وخطيرة.
وعليها ان تجدد دماء قياداتها الاولى والوسطية والقاعدية لتتمكن من موازنة حساب الحق بحساب البيدر.
* كاتب وسياسي فلسطيني