منذ ثمانينيات القرن الماضي، نظّر جهابذة الولايات المتحدة الأميركية، لفكرة القرن الأميركي وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على السياسة الدولية، لتصبح واشنطن هي الدولة القائدة بعد مقاومة الايديولوجيات المعادية للمصالح الأميركية والتي كانت تتمثل في الاتحاد السوفياتي. هكذا دعا وليام كريستول وهو أحد صقور المحافظين الجدد في عهد الرئيس دونالد ريغان، لكن ذلك لا يكفي إذ لا بد أن يتم الترويج لأفكار جديدة تسوق عملية قيادة الولايات المتحدة الأميركية للعالم وهذا ما تحدث عنه روبر كاغان مؤسس دائرة التفكير في مشروع القرن الأميركي الجديد.


أيضاً كان هناك آخرون مع هذه الدعوة منهم فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، إلا أن الدراسة التي صدرت عن كريستول وكاغان الآنفي الذكر عام 1996 بعنوان (نحو سياسة خارجية ريغانية جديدة) كان لها الأثر الأكبر في انطلاق مشروع القرن الأميركي الجديد عام 1997 أو الإمبراطورية الأميركية بعد عام 2000، وبعد أحداث 11 أيلول التي سمحت لجورج بوش أن ينفذ الاستراتيجية المحضرة مسبقاً بالسيطرة على الشرق الأوسط كأحد مواطئ القدم الأساسية للسيطرة على العالم، وتسويق رؤية القيادة والإدارة من قبل الولايات المتحدة الأميركية للعالم، كبديل عن القيادة الثنائية. وكمانع للإدارة العالمية لهذا العالم، بشكل يتوافق مع مبادئ ومصالح الأمة الأميركية أولاً وأخيراً.
هذا المشروع ما كان ليتحقق لولا سقوط جدار برلين، واستفراد أميركا برسم سياسات العالم بعد عام 1991، حيث بدأت إرهاصات السيطرة الأميركية بحرب أولى على العراق تحت مسمى عاصفة الصحراء، لتدخل أولى القوات إلى الخليج وتبني قواعد عسكرية لها هناك، ولم تكن لتكتمل إرهاصات القيادة دون الدخول إلى آسيا الوسطى ومحاصرة روسيا الصين وإيران عبر الدخول إلى أفغانستان، ومن ثم احتلال العراق ووضع موطئ قدم في سوريا يكمل حلقات السيطرة الأميركية لتمتين النظام الأحادي المسيطر.

نظريات جديدة في التعددية

لم تكن النظريات الأميركية السابقة مخطئة إلى حد يدفع الى القول إن تنظير القرن الأميركي لم يكن جديراً بالاهتمام، وإن واشنطن بنت حساباتها على معطيات لم تمكنها من الإبقاء على قرنها، فواشنطن لا تزال تؤثر على مفاصل هذا النظام، ولا يمكن أن يحصل شيء على الساحة السياسية الدولية وفي مطلق الجغرافيا السياسية لبلدان هذا النظام دون موافقتها. ولكن الهيمنة الأميركية لم تعد ممكنة كما يخال البعض، لا سيما أننا نرى الإخفاقات المتعددة للإدارات الأميركية منذ حرب العراق 2003 مروراً بالربيع العربي فالحرب على سوريا، والتي قد تكون أحد المسامير الأخيرة في نعش الأحادية ويمكن لها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى انقلاب المشهد في النظام القائم. وما يحصل اليوم من أزمات شرق أوسطية ما هو إلا دلائل على إدارة اللعبة التي ما زالت واشنطن تسجل فيها الأهداف دون أن تمنع شباكها من الاهتزاز.
لقد تغيرت نظرة الغرب وخاصة نظرة النخب الأميركية في مراكز الدراسات والجامعات والصحف للأحادية القطبية، حيث بات الباحثون الأميركيون يرون أنه لم يعد هناك مكان للأحادية وأن النظام الدولي يتحول نحو التعددية، فالسياسة العالمية، والجغرافيا السياسية، أصبحت بنظرهم مكرسة لموضوع تعدد الأقطاب. يمكن قراءة David Kampf - The Emergence of a Multipolar World. ويقول إليزابيث ديكنسون في مجلة «السياسة الخارجية»: «لقد أصبح العالم متعدد الأقطاب حقيقة عالمية، اعترف بأنها شبه مؤكدة لا تقل عن سلطة من مجتمع الاستخبارات الأمريكي».
كما يرى جيفري د. ساكس (المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأهداف الإنمائية للألفية) أن «أميركا اكتسبت الهيمنة العالمية في النصف الثاني من القرن العشرين. لكن الآن ومع مواجهتها لصعود الصين وديناميكية الهند، وارتفاع عدد السكان والتحركات الاقتصادية في إفريقيا، ورفض روسيا الخضوع لإرادتها، وعدم قدرتها على السيطرة على الأحداث في الشرق الأوسط، وعزم أميركا اللاتينية على التحرر من هيمنتها الفعلية؛ وصلت قوة الولايات المتحدة إلى نهايتها». لقد فرض صعود الصين ومعها روسيا ودول أخرى بعد ذلك تحديات جيوسياسية وعسكرية واقتصادية وايديولوجية على قوة الولايات المتحدة وحلفائها، وعلى النظام الدولي بقيادة واشنطن.
كما يمكن الاطلاع على كتاب Dale Walton «الجغرافيا السياسية والقوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين: تعدد الأقطاب والثورة في المنظور الاستراتيجي»، وكتاب عالم السياسة الأميركي ديليب هيرو «بعد الإمبراطورية: ولادة عالم متعدد الأقطاب» وغيرهما من الكتب التي تظهر التغاير في الرؤية النخبوية الأميركية للنظام العالمي الجديد.
لكن الأميركيين ينظرون بشكل مخالف لما ينظر اليه فريق آخر من المنظرين، فالتحول لديهم من الأحادية إلى التعددية، لا يعني ثنائية أميركية روسية جديدة على الرغم من القوة الروسية الجديدة الصاعدة مع فلاديمير بوتين، إنما يرون أن العالم متعدد الأقطاب هو عالم الإدارة فيه لأكثر من طرف، باعتبار أنه لا توجد قوة يمكن أن تقاوم بمفردها القوة الاستراتيجية للولايات المتحدة ودول الناتو، وعلاوة على ذلك، لا توجد أيديولوجيا عامة ومتماسكة قادرة على توحيد جزء كبير من البشرية في معارضة إيديولوجية صعبة لأيديولوجيا الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية و«حقوق الإنسان»، التي تقوم عليها الولايات المتحدة الآن. ولا يمكن لروسيا الحديثة أو الصين أو الهند أو أي دولة أخرى أن تدعي أنها قطب ثان في ظل هذه الظروف. ويرى Alexander Dugin في دراسة له «Multipolarity – The Definition and the Differentiation Between its Meanings» أن انتعاش القطبين مستحيل بسبب الأيديولوجيا (نهاية النداء الشعبي للماركسية) والأسباب العسكرية والتقنية. أما بالنسبة للأخيرة، فقد أخذت الولايات المتحدة ودول الناتو زمام المبادرة خلال السنوات الثلاثين الماضية في أن المنافسة المتماثلة معها في المجالات العسكرية - الاستراتيجية والاقتصادية والتقنية غير ممكنة لأي بلد منفرد.
وبالتالي فإن العالم المتعدد الأقطاب هو بديل جذري للعالم أحادي القطب (الذي يوجد في الواقع في الحالة الراهنة) نظرا لأنه يصر على وجود عدد قليل من المراكز المستقلة والسيادية لصنع القرار الاستراتيجي العالمي على الصعيد العالمي. وكما يرى جيفري د. ساكس فإن الطريق الحكيم الوحيد للمضي قدماً بالنسبة للولايات المتحدة هو التعاون العالمي القوي والمفتوح.

أسباب ورؤية مختلفة
يمكنني القول إن أحد أهم الأسباب التي زعزعت هذه القطبية الأميركية، هو الفشل في محاربة الإرهاب والذي ظهر كادعاء أميركي فقط دون تطبيق جدي، ودخول الولايات المتحدة الأميركية في حروب خاسرة في أفغانستان والعراق، والتشوه الحاصل بالصورة الأميركية من خلال الجرائم التي ارتكبتها هناك، فضلاً عن التغطية على جرائم عديدة في المنطقة ارتكبتها اسرائيل، والدخول في سياسات غير واضحة وفق معايير مزدوجة جعلتها تغطي على السعودية في حربها على اليمن والجرائم التي ترتكبها بحق شعبه، أو من خلال دعمها لجماعات إرهابية، هذا فضلاً عن فشل أميركا في تقسيم العراق عبر كردستان، أو في إخضاع الجمهورية الإسلامية في إيران، أو الفضل في إخضاع كوريا الشمالية التي باتت تهديداً حقيقياً لواشنطن.
أما أحد الأسباب الهامة جداً، والتي تدفع النظام العالمي لم يعد قائماً على الأحادية القطبية، وأن الولايات المتحدة الأميركية بما تشكل من قوة عظمى لم تعد أمام ما تخسره من ملفات في مناطق عديدة ولا سيما سوريا قادرة على السيطرة منفردةً على هذا العالم، فقد أصبح لدول أخرى ثقلها في هذا النظام، منها روسيا والصين وإيران والهند وغيرها، وقد شكلت نهاية مشروع «دولة» داعش وخسارة التنظيم في سوريا والعراق أحد أبرز الضربات للعمود الفقري في هذه الأحادية.
لقد شكلت معركة البوكمال، أهم الإرهاصات لخسارة المشروع الأميركي في سوريا وتالياً في المنطقة، ما يعني أن الأميركي لم يعد قادراً على التحكم منفرداً في مكامن النظام الدولي، إلا أنه سيبقى يعمل بشكل براغماتي، ويضرب في غير مكان بالعالم ضد روسيا وإيران، مع أخذه الحذر من التنين الصين الصاعد بقوة ايديولوجياً، اقتصادياً وعسكرياً.
واليوم، إذا تحدثنا نظرياً فقط، فمن نافل القول إن أفضل خيار لهذا النظام، هو الاتجاه نحو الإدارة الدولية لهInternational Management of Counter-terrorism والاعتماد على الحكومة العالمية Governance Global في معالجة الأزمات، وعدم الاكتفاء باستخدام الحكومة العالمية لمعالجة الأزمات الاقتصادية. وتفعيل عمل المنظمات الدولية والإقليمية، فلم يعد بالإمكان للولايات المتحدة الأميركية الاستفراد في هذا النظام في ظل ما تحققه روسيا ومحور المقاومة من انتصارات في مقابل فشل المشاريع الأميركية وأدواتها، وهذا يعني أن خسارات هذه الأطراف يحتم عدم قدرتها على التفرد في الإدارة الدولية، بل لا بد من لحاظ القوى الإقليمية الصاعدة الجديدة المتمثلة بعد روسيا والصين بايران وسوريا والعراق والمقاومة (محور المقاومة مجتمعاً).
وهذا اللحاظ ضروري، كون سقوط الأحادية سوف يزيد الوضع خطورة الآن في هذا النظام العالمي والتحولات التي قد تحصل هو الخطر الذي يمكن للشعوب أن تتعرض له، في أمنها واستقرارها وسلامة حياتها، حيث تعمل القوى المسيطرة بشراسة للحفاظ على مكانتها في قمة النظام، بينما تسعى القوى الصاعدة إلى تغيير شكل علاقات القوة. لا أنه وفق ما أشرنا سالفاً أن هناك دراسات تنشر في الولايات المتحدة عن اقتراب حصول نظام تعدد القطبية وحصول انتقال تاريخي، وكأننا أمام جدار برلين جديد ربما تكون من سوريا.
وهذا يدفعني إلى القول بضرورة تصديق أميركا وأدواتها للحقيقة الحاصلة، بأن الهيمنة الأميركية لم تعد هيمنة قرنية، فسوريا هي المرحلة الانتقالية التي يشهدها النظام العالمي، والتي قد تؤدي مع مؤشرات أخرى وأزمات جديدة إلى نظام متعدد الأقطاب يكون للولايات المتحدة الأميركية وروسيا السهم الأكبر والنصيب الأوفر في إدارته دون الاستغناء عن التنين الصيني الذي سيشكل الاقتصاد الأقوى مع الاعتبار الوجودي لمحور المقاومة الذي غير المعادلات في الشرق الأوسط منذ عام 2000، وهذا ما يمكن أن يثير تساؤلاً كبيراً: هل بدأت تتحول المقاومة من الإقليمية إلى العالمية؟
* باحث لبناني