إنّ إعادة قراءة تاريخ صراعنا مع المشروع الصهيوني المدعوم من أقوى الدول الغربية، من منظار المقاومة التي لم تستكن يوماً منذ مئة عام، يعيد خلط كثير من الأوراق، ويقلب الصورة الدونيّة المنهزمة التي بنيناها عن أنفسنا، أو التي ساهم نفس هذا الغرب في ترسيخها في وعينا: كي نشعر بالهزيمة، وكي نكفّ عن المقاومة أو عن العمل على التحرير والتحرّر1. من الضروري إذن إعادة إنتاج فكرنا المتحرّر عن تاريخنا المقاوم. وفي هذا الإطار، يمكن أن تشكّل تجربة لبنان نموذجاً لهذه القراءة، ولإعادة إنتاج الفكر هذه.


لقد انطبع وعينا كلبنانيين لدورِ بلدنا ولتاريخه بمقولة لا توارب في تبنّي المنطق الانهزامي الذي هيمن على عقولنا وعلى بنيتنا النفسية، وهي المقولة الشهيرة : «قوّة لبنان في ضعفه». ليس من المهمّ من قال أو من تبنّى هذه المقولة، فهي ليست صنيعة عقولنا المتحرّرة، بل هي نظرة الآخر لنا، تبنّاها البعض تأثّراً وتبعية2. وتحيل هذه المقولة على واقع سياسي-اقتصادي تاريخي بامتياز، يحدّد دورَ لبنان في نطاق معيّن: بلدٌ صغير ساهمتْ الدول المستعمِرة مباشرةً في ترسيم حدوده وصياغة دستوره وممارسة الوصاية عليه، بلدٌ ليس له جيش قويّ ولا موارد طبيعية مهمّة، لكن لديه موقع مميّز وجمال طبيعي وطبقة مثقّفة ومنفتحة على الغرب. بالتالي، يتحدّد دور لبنان حصرياً كبلد «ترانزيت» بكلّ المعاني، وكوجهة سياحية «دو لوكس»، ويقتصر دوره السياسي على «الحياد» عن صراعات المنطقة، وخاصة عن قضية فلسطين، رغم أنّه جارها الجغرافي-التاريخي المباشر.
إنّ لعبارة «الحياد»، كما ولمقولة «قوة لبنان في ضعفه»، معنى سياسياً عميقاً، إذ ما من حياد فعليّ بالمعنى السياسي-التاريخي3 : لقد عنى ويعني «حياد» لبنان، أو «تحييده»، أو «النأي بالنفس» (وفق تعابير الساعة) شيئاً واحداً : عدم انخراطه لا من قريب ولا من بعيد في أيّ من قضايا منطقة طويلة عريضة هو جزء منها جغرافياً وتاريخياً، اقتصادياً وحضارياً وثقافياً، أي سياسياً. لكنّ هذا وضع غريب بل ومرضيّ : إذ كيف لعضوٍ من جسد ما أن ينعزلَ عن هذا الجسد، دون أن يضعف ويموت؟ هكذا، ولكي يظلّ هذا العضو حيّاً، قامت دول عدّة بتغذيته اصطناعياً من ناحية، من خلال الإشراف-الوصاية عليه سياسياً، ووضع الأموال في مصارفه، ومحاربة كلّ محاولات هذا العضو للالتئام مع جسده، من ناحية ثانية. لكن، وكما هو متوقّع، لم يدم هذا الوضع المرضيّ طويلاً، وبدأت دماء العضو المحيَّد وشرايينه وخلاياه تستعيد طريقها إلى موقعها في جسمها الطبيعي.
بهذا المعنى، يبدو أنّ الهدف من خطاب الحياد والتحييد ليس بالضبط تدارك تحوّل لبنان إلى «ساحة لصراعات المنطقة»، كما يقول لنا الخطاب السائد صباح مساء، بقدر ما هو منع لبنان من التحوّل إلى طرف فاعل في الصراع. وربما تكون كلّ الدعوات الغربية، من حين إلى حين، لعدم «ضرب الاستقرار في لبنان»، ناجمة ليس عن حرصٍ وحبٍّ لنا، بل عن تخوّفٍ، على مصالح أصحاب هذه الدعوات، مما قد يؤدّي إليه دخول لبنان كطرف فاعل في الصراع. فلبنان كبلد وكوطن لم يعد «ساحةً» للصراعات بمعنى الخاضع والرهينة، بل هو لاعب قويّ أساسيّ في شؤون منطقته ومصالحها: ليس فقط بفعل مقاومته، وليس فقط بفعل تحالف هذه المقاومة مع كثير من الشركاء ومن أهمّهم التيار الوطنيُّ التوجّه والفعل، بل أيضاً بفعل تحوّل وعي شعبه لدور وطنه ومكانته: من «قوّة لبنان في ضعفه»، إلى «قوّة لبنان في قوّته».
إنّ من ابتدع للبنان هذه المقولة الانهزامية التي جبلتْ دورَه التاريخي بالتبعية الكاملة، قد فهمَ بلا شكّ مخاطر أن يكون لبنان جزءاً من الصراع للتحرّر: التحرّر من الهيمنة الاستعمارية، التي يمثّل الاحتلال الصهيوني لفلسطين أهمّ أركانها، بل رمزها الأكبر4. لذا، ألبسه ثوب البلد الضعيف، ورسّخ في وعي شعبه فكر الضعف. فساهم - ولا يزال - في تشويه صورة اللبناني عن نفسه، وتكريس شعوره بالعجز، وبالتالي رغبته بالتبعية، أو بالحياد التابع، التي يرى فيهما خلاصه. إذ كيف للضعيف أن يحيا من دون مساعدة القويّ؟ يحتاج لبنان الصغير الضعيف لمن يحميه ويساعده في كلّ شيء. هكذا تكوّنت صورتنا عن أنفسنا: بلد غير مستقلّ، لا سيادة له، لا جيش يحميه، لا اقتصاد منتجاً: أي بلد وشعب غير راشديْن يحتاجان إلى من يكون وصياً عليهما، تماماً كالولد الصغير. فما عسى لبنان يفعل سوى طلب حماية الدول العظمى؟ وما عسى لبنان يفعل سوى الاستفادة مما بقي له، أي القطاع الخدماتي المصرفي والتجاري المؤسِّس لفكرة لبنان «الترانزيت»؟ فكيف لا يُنتج مثل هذا التموقع السياسي-الاقتصادي التابع فكراً تابعاً، وبالتالي وعياً دونياً للذات؟ وكيف لا ينتج ثقافة تابعة، في حيّز مهمّ منها، لثقافة المستعمِر؟ وكيف لا ينتج أيضاً وأيضاً فهماً طفولياً غير ناضج للوطن ولدور المواطن فيه؟


الهدف من خطاب الحياد هو منع لبنان من التحوّل إلى طرف فاعل


لكنّ هذا التموقع هو تموقع اصطناعيّ في منطقه التاريخي، ولقد تهشّمَ بل وتكسّر مع بروز أوّل أزمة عام ١٩٥٨، أي بعد نحو ١٥ سنة على الاستقلال. ثمّ كرّت مسبحة الصراعات والنزاعات والحروب منذ ذلك الحين. وما هذه الحروب الصغيرة والكبيرة سوى دليل فعليّ ليس بالضبط على تحوّل لبنان إلى «ساحة» لصراعات المحاور، كما يعتقد كثيرون، بل هي دليل على كون لبنان بلداً محورياً في كلّ تلك الصراعات. وإلا، لما يراد تحييده، حتّى ولو تطلّب ذلك حروباً مدمّرة5؟
نعم، إنّ التفسير السائد لهذا التاريخ الحديث من الحروب والأزمات، هو في مقولة أخرى مبتكرة: إنّ لبنان هو «ساحة» لصراعات المحاور، أو «ملعب» لمواجهات قوى أكبر منه. لكن لماذا يقال عن لبنان أنّه «ساحة»؟ أليس لأنه «ضعيف»، ولا حول له ولا قوّة؟ فالقويّ لا يتحوّل إلى ساحة، بل هو من يصنع الساحات. إنّ كلاً من مقولة «قوة لبنان في ضعفه»، و«تحييد لبنان»، ولبنان «ساحة» للصراعات الإقليمية، تنتمي إلى نفس المنطق والمصدر: فمن أراد للبنان أن يكون «ضعيفاً»، وعلى «الحياد»، أراد له كذلك أن يكون «ساحةً». إذ ما معنى أن نكون «ساحة»؟ معنى ذلك ألا نكون فاعلين أو أصحاب قرار أو سيادة في ما يخصّ التحوّلات التاريخية والأحداث التي تصنعها. معنى ذلك أن نكون خاضعين ومتلقّين لهذه التحوّلات. وهذا صنو الضعف والتبعية والعجز.
هذه هي صورة لبنان التي تحكّمت بوعينا على مدى تاريخنا الحديث: صورة البلد المسلوب القرار والإرادة، صورة البلد الضحية لتدخّلات الغير على أرضه، صورة البلد العاجز أمام مشيئة كبار هذا العالم. فأيّ وعي سيتشكّل لدى اللبنانيّ بناءً على هذه الصورة؟ أليس وعي الضعيف والعاجز؟ وكيف لشعبٍ تشكّلَ وعيُه على منطق الضعف والعجز أن يقوم بأيّ فعلٍ تحرّريّ، خارجياً كان أم داخلياً؟
لكن، مهلاً... كيف لهذا الشعب العاجز الضعيف نفسه، أن يقوم بأهمّ تحرير في تاريخ الصراع مع العدوّ الإسرائيلي؟
الجواب: لأنّ لبنان هو غير ذلك البلد الضعيف والعاجز. ولأنّ اللبناني هو غير ذلك الفرد الضعيف والعاجز.
فعلى مدى تاريخه الحديث، وخاصة تاريخه في مقاومة «إسرائيل»، تميّز لبنان وتميّز اللبنانيون، ومن جميع الفئات والأحزاب والمناطق والانتماءات، ببسالة وشرف وإقدام وتضحية ووعي سياسي عميق مستغرَب في بلد أُريد له أن يكون بلد «ترانزيت»، لا بل بلد «كاباريه». من الفتى الصيداويّ نزيه القبرصلي ابن الأربعة عشر عاماً، الذي واجه الدبابة الإسرائيلية واستشهد، إلى خالد علوان المقدام بطل عملية «الويمبي»، إلى الصبايا المشرقات لولا عبود وسناء محيدلي اللتين قامتا بعمليات غاية في التضحية، إلى المقاوِمة الباسلة الصامدة سهى بشارة، إلى الشاب المبتسم أحمد قصير، الذي هزّ جيش العدو وكيانه بعمليته الاستشهادية ضد مقر الحاكم العسكري في صور. ومعهم الكثيرون والكثيرات. من جميع الطوائف والأحزاب. كلهم لبنانيون ولبنانيات. كلّهم ضحّوا بأنفسهم من أجل وطنهم، أي من أجلنا: من أجل أن نحيا أعزّاء أحرار. ومن أجل أن يتحوّل الوعي: من ضعيف منهزم إلى مقاوم منتصر.
إنّ شعباً يقاوم على مدى ثلاثين عاماً ثمّ يحرّر أرضه دون أي صفقة ولا مقابل، ليس شعباً لا ضعيفاً ولا عاجزاً.
لقد كان لهذا التحرير ولا زال، تداعيات جمّة على المنطقة بأكملها وعلى الصراع المحوريّ فيها، أي تحرير فلسطين. وكذلك كان لحرب تموز ٢٠٠٦، ولصمودنا التاريخي فيها، ولوحدتنا الوطنية فيها (رغم كل شيء!)، الأثر العظيم على الصراع المحوريّ مع العدو وداعميه. وأما قوّة ردعنا اليوم، التي يتمّ احتضانها أكثر وأكثر على الصعيد الوطني، فهي عامل أساسيّ في تحوّل موازين القوى في المنطقة، وبالتالي في تحوّل منطق الصراع التاريخي. بهذا المعنى، كلا: لبنان ليس رهينة ولا ساحة ولا ملعباً (ويا ليت يكفّ المحلّلون عن توصيفه بهذه العبارة المُهينة). لبنان بلد فاعل ومحوريّ في قضايا منطقته. ولمن لا يزال يشكّك بهذا الفعل التحرّري التاريخيّ المشرِّف وبكلّ تبعاته التصاعدية، ناسباً إياها، انطلاقاً من وعيه هو المهزوم والتابع، إلى أطراف إقليمية تدخّلت بالمساعدة والدعم، فلعلّه يعيد قراءة الواقع: ففي لبنان قوى وأحزاب وأفراد فاعلون وأقوياء، وفي لبنان وعي وثقافة عميقة وشريفة ومضحّية. يمكن لكلّ العالم أن يساعدك، لكن إن لم يكن لديك إيمان بقضيتك، وعزيمة وفكر وأفراد للدفاع عنها ولصونها، فلن تنفع معك كل مساعدات العالم. وهذا ما رأيناه في مناطق أخرى من العالم حيث فشلت قوى عظمى في تغيير واقع ما لأنها اعتمدت فقط على مجموعات المرتزقة. وهؤلاء المقاومون المضحّون، كلّ هؤلاء المقاومين المضحّين، ليسوا من المرتزقة6. بل هم أبناؤنا وبناتنا، وأخواننا وأخواتنا، وأبناء وبنات جيراننا، وأهل قرانا ومدننا. هؤلاء هم شعبنا. هؤلاء هم: نحن. فهل نحن إذن عاجزون وضعفاء؟ بالطبع لا.
إذن من هو فعلاً هذا الضعيف العاجز؟
إنّ الضعيف العاجز هو من سلّم قراره إلى غيره بذريعة أن لا حول له ولا قوة.

مقولة «قوّة لبنان في ضعفه» ليست صنيعة عقولنا، بل هي نظرة الآخر لنا

إنّ الضعيف العاجز هو من أباح للآخر سلب إرادته بذريعة أنّ الآخر هو الأقوى.
إنّ الضعيف العاجز هو من أراد الهروب من المواجهة التي لا بدّ منها: لكي لا نكون ضعفاء وعاجزين.
إنّ الضعيف العاجز هو من أراد لمصالِحِه أن تتماهى مع مصالح المستعمِر فوضع نفسه موضع التابع في كلّ شيء.
إنّ الضعيف العاجز هو من يشعر بالهزيمة ومن هو بالتالي مهزوم.
لكنّ الضعيف العاجز في لبنان ليس الآخر. لكنّ الضعيف العاجز في لبنان هو أنا. أو جزء من هذه الأنا. أو جانب من هذه الأنا. الأنا التي استسلمت. الأنا التي رضخت. الأنا التي تعبت. الأنا التي خافت. الأنا التي افتتنت بالآخر حدَّ الاستلاب. الأنا المتوّهِمة بالهزيمة التاريخية. هذه الأنا هي الذات السجينة، الذات المعتقَلَة في فكر الهزيمة والضعف والعجز.
ولكنّ كلّ مقاوِمةٍ ومقاومٍ حيٍّ نضرٍ استشهد. وكلّ مقاوِمة ومقاوم أُصيب وجُرح وأُعيق. وكل مقاومة ومقاوم اعتُقل وعُذّب وصمد. وكل أم وأب وأولاد وأهل بكوا هؤلاء. وفرحوا بهؤلاء. وكلّ هذا المسار اللبناني من التضحيات والعطاءات، لمّا يزل يفكّ حبلاً وراء حبلٍ، وسلكاً وراء سلكٍ، قيود اعتقال الفكر هذه.
وليس على تلك الأنا السجينة سوى أن تسمحَ لعينيها بأن تريا وجوه المقاومات والمقاومين المبتسمة حياةً، وليس على تلك الأنا السجينة سوى أن تسمح لأذنيها بأن تسمعا كلماتهم المليئة عطاء، وليس على تلك الأنا السجينة سوى أن تسمح لنبضها بأن يستعيد إيقاعاته على نبضهم. نعم. ليس على تلك الأنا السجينة سوى أن تزيحَ الغبش المتراكم على مرآتها، الغبش الذي شوّهَ صورتَها كلما هي نظرت إلى نفسها. الغبش الداكن، المظلم، الأسود. الغبش الذي دفع بشبابنا إلى «ثقافة الموت» الفعلية: موت الأمل، موت المستقبل، موت الحياة البهيّة الكريمة المحتفلة بولاداتها. وها هو الشباب قد راح صوب ثقافة المستعمِر وشرّش فيها. وها هو قد بقي، لكن ليجترَّ فنون الموت، ويرقص رقصات الرثاء، ويعلن فنّه كما تُعلَن الوفاة. على صفحات الكتب، وعلى خشبات المسارح، وعلى شاشات الصالات. فنٌّ احتلّه فكرُ المستعمِر وهو المهووس بتفكيك حتّى التفكيك، وهو المهووس بكلّ النهايات، وهو المهووس بالموت حدّ نقل عدواه لنا. ونحن، نحن لمّا نزل في طور الولادة وملؤنا الحياة. ونحن، نحن ليس لدينا ترف تفكيك الموت وإعادة صوغه، بل لدينا فقط مهمّة الحياة. فهؤلاء الذي قيل إنهم يحيون في ثقافة الموت، أي المقاومون، كلّ المقاومين، من كلّ طرف ومن كلّ جيل: هؤلاء قد وهبوا الحياة. بافتدائهم حياتهم من أجلنا. والآن، وكلّ ساعة، قيامتهم وقيامتنا.
فلننظر في المرآة وقد أزحنا عنها غبش الموت. فلنرَ أنفسنا. ونبدأ مسيرة التحرّر الكبرى. إنّ من يحرّر الأرض، إنّ من يدافع عن الوطن، إنّ من يحمي لبنان يقوم بفعل تاريخي تغييري: وهو فعلٌ يمكنه تحرير الوعي المحتَلّ، والفكر المعتقَل، والذات السجينة. لكن، هذه مهمتنا جميعاً. نحن الناس. نحن اللبنانيين.

هوامش

1) انظر مقالتي السابقة في «الأخبار»
2) إنّ كل من تبنّى هذه المقولة ومثيلاتها وساهم في تكريسها في لبنان، هو أشبه بمن سماهم مالكوم أكس «زنوج المنزل»: فهم يتماهون مع السيّد الأبيض في كلّ شيء ظاهريّ، ويستمدّون قوّتهم منه، وكذا موقعهم الاقتصادي المرفّه نسبياً، لكنهم في النهاية في موقع خدمة هذا السيّد، ولا يملكون من الحرية والسيادة والاستقلالية المادية والمعنوية شيئاً.
3) غالباً ما يتمّ إعطاء مثل سويسرا كنموذج ناجح عن «الحياد»، ولا ننسى طبعاً أنّ لبنان قد سُمّيَ «سويسرا الشرق» في محاولة لتشبيهه بهذه التجربة السويسرية. لكن من يقرأ تاريخ سويسرا، يكتشف أنّ مبدأ أو مفهوم أو واقع الحياد قد فُرضَ على سويسرا لأنه كان يناسب جميع القوى العظمى الأوروبية في مرحلة مؤتمر فيينا. ولقد تمّ إعلان هذا الحياد من دون موافقة السويسريين. وإن كانت سويسرا لا تشارك منذ ذلك الحين في حروب، فهي محسوبة بالمعنى الأيديولوجي والسياسي على الغرب. بهذا المعنى، نعم، يشبه لبنان سويسرا، بمعنى أنّ الحياد هو ما يريد غيرُه فرضَه عليه.
www.swissinfo.ch/fre/le-jour-où-la-suisse-est-devenue-neutre/41319764
4) بهذا المعنى، إنّ الصراع التاريخي لتحرير فلسطين ليس مرتبطاً فقط بكونها أرضاً عربية سُلبت بالقوّة من أصحابها، أو بكونها أرض المقدّسات المشحونة تاريخياً برمزية عالية، بل إنّ تحرير فلسطين أصبح يشكّل، في الوعي العربي بشكل خاص، عنواناً لتحرير أكبر وأعمق وأهمّ: التحرّر من الهيمنة الاستعمارية على منطقة بأكملها، تمّ تقسيمها وإضعافها ومن ثمّ محاربة كلّ محاولاتها للنهوض والتوحّد. ويشكّل الاحتلال الصهيوني لفلسطين الوجه الأبرز، الوجه ــ الرمز، لهذه الهيمنة وتبعاتها. ولعلّ الصهاينة وداعميهم قد فهموا تماماً هذه الدينامية التاريخية، فعمدوا، على مدى مئة عام، الى ضرب وتفكيك وإضعاف أي مشروع يربط التحرّر العربيّ بتحرير فلسطين، ساعين جاهدين إلى عزل قضية تحرير فلسطين عن أي بعد إقليمي، لجعلها قضية تعني الفلسطينيين فقط، ولجعل قضية كل بلد عربي تعني فقط أهل البلد. غير أنّ حركة التاريخ الراهنة كما السابقة لا تنفكّ تؤكّد على ترابط وتواصل القضايا التحررية لشعوب المنطقة.
5) هذه بالفعل قراءة صالحة لأسباب الحرب الأهلية اللبنانية: منع لبنان من أداء دوره المحوري في الصراع التاريخي للتحرّر. وهذه قراءة صالحة أيضاً لكل من حروب العراق وسوريا وحتى اليمن: منع كل هذه البلدان من ممارسة دورها المحوري في الصراع، وخاصة بعدما أُخرجت مصر منه.
6) يعلّمنا علم النفس أنّ بعض البنى النفسية المريضة تُسقط على الآخرين رؤيتها لذاتها: فإذا كانت تعاني مثلاً من قلة أو من غياب التقدير للذات، فإنها لا تستطيع أن تقدّر الآخر وأن ترى ما فيه من إيجابيات. بهذا المعنى، فإنّ من تكوّن فهمه لذاته على منطق الارتزاق، لا يمكنه أن يرى في الآخرين إلا مرتزقة مثله. بهذا المعنى إذاً، لا يستطيع البعض، بفعل بنيتهم النفسية ــ السياسية المرتزقة للآخر، سوى رؤية المقاومين اللبنانيين على أنهم مرتزقة مثلهم.
* باحثة ومترجمة لبنانية