وسط صراع تُستخدم فيه كل أشكال الاستقواء (الداخلية والخارجية) على المواطن، تتواصل «فصول» معركة الانتخابات النيابية بهدف تقليدي متكرِر: تعديل التوازنات أو الحفاظ عليها من دون المساس بقواعد وبنية منظومة المحاصصة السائدة، أبداً، رغم التحولات والمخاطر والأزمات. في مثل هذه المناسبة «المصيرية» قد يهون أو يتراجع كل شيء: الشعارات و«المبادئ» و«الأخلاق»... وحتى بعض الارتباطات والالتزامات الخارجية (إذا كان الظرف مواتياً كما هو في هذه المرحلة). مثل ذلك ليس جديداً. في انتخابات عام 2005، ورغم ضراوة الصراع الدائر في لبنان وعليه لم يؤدِّ فرض انسحاب القوات السورية (في أواخر نيسان من عام 2005)، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلى عدم استمرار تحالف انتخابي جمع، يومها، أركان المحاصصة، تقريباً وفق المعادلة نفسها التي كانت قائمة في ظل الإدارة السورية للبلاد التي استمرت حوالى خمسة عشر سنة. والآن نقع على خارطةً تستدعي الإعجاب (!)، لا التعجب فقط. تتوسع عملية «الفرز والضم»، بين الكتل السابقة وفي داخلها، لتشمل المزيد من القوى والشخصيات، وبالتالي المناطق واللوائح، بما أسس لإقرار لقانون الانتخاب المسخ والهجين، الحالي، ثمّ بما يترجم مقتضياته بمزيد من تقدم المصالح الفئوية المباشرة على كل ما عداها، وما ينجم عن ذلك، من خلافات وتحالفات ولوائح!

في المشهد «الوطني» (أي الطائفي)، «الوسط المسيحي» هو الحقل الأكبر لعملية الفرز والضم المزدهرة والمتمادية. ما بدأته الانتخابات الرئاسية تستكمله الانتخابات النيابية. لم يعد نافراً وجود صقور سابقين في فريقي 8 و14 آذار في لائحة واحدة: في أكثر من منطقة ودائرة وقضاء. الأمر ينطبق أيضاً على «تيار المستقبل» الذي يعيش تحولات جذرية، داخلية وتنظيمية، وخارجية انتخابية بشكل لافت. لا ينجو من هذا الأمر، أيضاً، الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيسه النائب وليد جنبلاط الذي يبدو الأكثر «استقراراً» في تحولاته ذات الطابع البراغماتي والتي جعلته يرفع شعار «الوسطية» ويثابر عليه أكثر من سواه. الحزب الاشتراكي يوسع علاقاته وتحالفاته الانتخابية في أكثر من اتجاه وهو يفاخر بذلك تأكيداً لواقعية سياسية متحركة، وحرصاً على استقرار معرّض لعواصف داخلية وخارجية.
«الثنائي الشيعي» يتمتع بثبات دقيق أسهمت في توطيده عوامل عديدة داخلية وخارجية. وهو مع ذلك ثبات قد يكون مؤقتاً، أو ربما قابلاً للاهتزاز، في مرحلة ما بعد الانتخابات، وما يمكن أن ينجم عنها من تحولات في التوازنات وفي التوجهات على حدٍّ سواء. كذلك الأمر بالنسبة إلى «تفاهم مار مخايل» بين «حزب الله» و«التيار الوطني االحر». إرهاصات كل ذلك قائمة ومتزايدة في إشارات ومواقف يطلقها «التيار الوطني الحر» ورئيسه الوزير جبران باسيل الذي يخوض معركة رئاسة الجمهورية المقبلة بأدوات وسياسات وعلاقات قد يكون بعضها جديداً ومختلفاً بالكامل.
بين الحفاظ على مقتضيات استمرار معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» بالنسبة لفريق، ومقتضيات المحافظة على استمرار التوازنات القديمة لمنظومة المحاصصة، بالنسبة لفريق ثان، ومحاولات طرف ثالث اشتقاق توازنات جديدة لمصلحة «التيار القوي» العوني، تدور معركة انتخابية تخلو من الشعارات الحادة الكبيرة. هنا ينفرد حزب «الكتائب» بمواصلة رفع بعض تلك الشعارات في ظروف غير مؤاتية، الأمر الذي أضعفه، خصوصاً أنه جزء من طاقم سياسي فاقد للمصداقية بسبب ما تراكم في سيرة هذا الطاقم من طغيان المصالح الفئوية والخاصة، في سياساته وعلاقاته ومواقفه، على كل ما عداها.
كالعادة، تستقوي قوى المحاصصة على المواطن المتضرر (والساعي لممارسة الحد الأدنى من حقه في ممارسة تعبير سياسي وانتخابي خاص ومستقل)، بالسلطة المسخّرة لخدمة معارك هذه القوى. وكذلك بالدعم الخارجي وبالمال السياسي، وبالعصبيات وبالإعلام المملوك من قبل تلك الأطراف والناشط في خدمتها في كل الظروف. تسير هذه العملية جنباً إلى جنب مع تمادي مخالفة الدستور والقوانين، ومع نهب فاضح للمال العام، واستيلاء على المرافق والإدارات والوزارات وتحويلها إلى مراكز خاصة للانتفاع والاستباحة والفئويات والمحاسيب والأنصار...
يضاعف إغراء السعي للإمساك بالسلطة أيضاً والمحافظة عليها بأي ثمن، غياب الرقابة وتعطيل أجهزتها، وغياب المحاسبة من قبل الرأي العام الذي رغم تأففه ونقمته، لا يترجم ذلك في الوقت المناسب، وخصوصاً في الانتخابات العامة. ما يغري أيضاً فرص النهب التي تستدعيها الأزمات. منها، راهناً، أزمة النزوح السوري، وكذلك توجهات، بعضها مريب، لدعم الأجهزة الأمنية لغاية وحيدة هي التحريض، لاحقاً، على اقتتال داخلي (من ضمن مشروع تفتيتي للمنطقة يبدو الآن صريحاً في احتلال تركيا لمناطق واسعة في الشمال السوري، وكذلك إقامة قواعد عسكرية أميركية هناك من ضمن خطط مشبوهة لا تخدم، بالدرجة الأولى، سوى العدو الصهيوني ومشاريع القوى الاستعمارية التي تؤمن له الدعم والحماية واستمرار العدوان على الشعب الفلسطيني وكل شعوب المنطقة).
لا شك أن سياسات أطراف منظومة المحاصصة قد تركت استياءً كبيراً في أوساط شعبية واسعة. كان المؤمَّل أن يتمكن المتضررون، عبر ممثليهم السياسيين، القدماء والجدد، من خوض معركة موحَّدة وفعَّالة في وجه الطاقم المتحكم بالبلاد وبشعبها وبمواردها. لا تسير الأمور تماماً في هذا الاتجاه. سلبيات وأخطاء كبيرة وصغيرة تمارس يومياً، ما حال دون إطلاق تيار في البلاد يخوض الانتخابات تحت راية وشعار التغيير الحقيقي، ويواصل معركته، في مرحلة ما بعد الانتخابات، بثقة وقدرة أكبر على التوسع والفعالية. لقد رُفعت شعارات صحيحة لكن بشكل متأخر وبأدوات تعثرت حين اصطدمت بواقع معقَّد لم تستطع حياله، بقواها وقدراتها المحدودة، شيئاً مهماً.
إعادة بناء أطر التغيير هي مهمة أساسية. لا إمكان لبلورة مركز وطني مستقل دون صيغ جديدة للعمل تحفّز، بالضرورة ماهو قائم من الصيغ والأُطر، وتشجع ما هو مستحدث. يتطلب النجاح، إذن، عملاً تأسيسياً لا بدَّ منه. يصبح ذلك أكثر إلحاحاً في ظروف أزمات البلد والمنطقة ومتغيرات العالم على غير صعيد وفي غير ميدان.
قوى التغيير مطالبة باجتراح الجديد لا باليأس والانكفاء والالتحاق. هذه مهمة جوهرية لا بد من أن تكون ذات أولوية حتى تحقيق الهدف الوطني الضروري المنشود.
* كاتب وسياسي لبناني