الصليب والقيامة أساس في الإيمان المسيحي الذي يرى أنّ الله أحبّ الإنسان حبّاً «جنونيّاً» (بتعبير القدّيس كاباسيلاس) حتّى أرسل كلمته ليتأنّس ويحرّر الإنسان من الموت المعنويّ والمادّي. مسيرة التحرير التي خاضها يسوع حبّاً بالإنسان هي مسيرة حبّ مُحَرِّر، ولهذا قادته إلى صدامٍ مع التسلّط الدينيّ والسياسيّ (يسوع دعا الحاكم هيردوس بالثعلب علانيّة) ووَضَعَه في مواجهةٍ محتومةٍ مع هؤلاء، مواجهة أصرّ فيها على إخلاصه لقضيّة تحرير الإنسان حتّى النهاية، حتّى الصليب فالقيامة المنتصرة. وبالقيامة لم يَعُد الصليب لدى المسيحيّين رمزاً للموت، وإنّما بات تعبيراً عن قمّةِ الشهادة للحبّ والحياة، باباً للقيامة، ورمزاً للفرح والحرّية.

ولكن المسيح يدعو الناس إلى أن يتبعوه بحرّية «إن أراد أحد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني»، أي يدعوهم الى أن يسيروا معه في مسيرة الشهادة للحبّ والحرّية. ولا بدّ عندها من مواجهتهم لقوى الموت التي تعمل في هذا العالم، لا بدّ من نضال مُتعِب يَلِدُ أملاً ويُثمر حُبّاً، وهذا مشاركة في صليب المسيح وقيامته.
هذا يعني أنّ الإيمان بالصليب والقيامة ليس مجرّد تصديق لفكرة أو حدث، وإنّما هو فِعلٌ له تبعات في حياتنا الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. الإنسان القياميّ لا يمكنه أن يكون مفصولاً عن العالم، أو غير آبه به، بل على العكس هو منغمس في همومه بشدّة، لأنّ شغله الشاغل هو مدّ فعل القيامة إلى أبعاد العالم جميعاً، وتحطيم بُنى الموت بأيّ شكل أتى في أيّ ميدان من الميادين. إنّ صليب المسيح وقيامته يعنيان أن يحبّ الإنسان الآخرين، وأن يحبّ هذه الحياة. لكنّ محبّة الحياة لا تعني الانكباب على الحياة ونهشها بنهمٍ. محبّة الحياة تعني أن نواجه كلّ موت فيها، لنؤسِّس بُنى حرّية وكرامة وفرح ومحبّة، في الذات وفي المجتمع. ومن هنا، فالمؤمنات والمؤمنون بصليب المسيح وقيامته ينبغي أن يواجهوا بُنى الموت في مجتمعاتهم، ومنها بُنى الاستغلال والتسلّط المولّدة للموت المعنويّ والجسديّ.
فالاستغلال الذي تفرضه السياسات الاقتصاديّة يولّد الفقر، والفقر يولّد التسرّب المدرسيّ، وتراجع الصحّة، وتراجع الغذاء اللازم للأطفال، وبالتالي معدّلات الذكاء والقدرة على متابعة التعليم وتراجع مستويات الدخل، وتراجع إمكانيّات العيش الكريم، وانعدام الأمان الوظيفيّ، وتزايد العنف التدميريّ في المجتمع، وتراجع إمكانيّة الحرّية. ما هي حرية من لا يملك ثمن طعام ومأوى وطبابة، هل يأكل ورقته الانتخابيّة أو يسكن فيها أو يتطبّب بها؟ إنْ كان الفقر الذاتيّ الطوعيّ مهمّاً في المسيحيّة، فإنّ التفقير القسريّ للآخرين أمرٌ معادٍ لكرامة الإنسان ومولّد للموت الجسديّ والمعنويّ، ولهذا ينبغي للإنسان القياميّ مواجهته؛ وكما يقول الفيلسوف بردياييف عن حقّ بأنّ «إذا كان خبزي أنا شأناً مادّيّاً، فخبز الآخر هو، بالنسبة إليّ، شأن روحيّ».
أمّا التسلّط فيجفّف الفرح في الإنسان وينتزع منه حرّيته وهي جزء أساس من كرامته، وصورة الله فيه. فالمتسلّط يسعى إلى تجميد حيويّة الإنسان الخاضع له، فيقع هذا الأخير في الفراغ والشعور بأنّه لا شيء وبلا قيمة، ويندفع إلى خيانة ذاته، إلى تزوير وجوده، كي يتناسب مع شهوة المتسلّط، ما يؤدّي في النهاية إلى الرياء وخسارة الذات «وماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه أو فقدها»، هذا عدا عن أنّ التسلّط يترافق مع الفساد والتفقير لشريحة واسعة من الناس في مجتمع ما، ويترافق مع الظلم؛ وعدا عن أنّ المتسلّط نفسه يخسر ذاته كإنسان.
إنّ الإيمان بصليب المسيح وقيامته يعني أن يسعى الإنسان الى أن يحبّ الآخرين ويحبّ هذه الحياة بِالْحَقّ، وهو ما يقتضي مواجهة هيكليّات الموت في الذات، وفي الآخرين، وفي المجتمع، ليكون الجميع عاملين مع المسيح في نشر قوّة قيامته في هذا العالم. إنّ الاستغلال والتسلّط هما من بنى الموت في هذا العالم، وكلّ مؤمن ومؤمنة بالمسيح المصلوب والقائم لا يمكن أن يكونا مخلصين لإيمانهما إلا بسعيهما لمواجهة الاستغلال والتسلّط بلا هوادة.
«المسيح قام» ينادي المسيحيّون في عيد الفصح. التزام المؤمنات والمؤمنين به بالدفاع عن الحياة في هذا العالم هو الجواب الحقيقيّ بأنّه «حقّاً قام»؟
* أستاذ جامعي