أحدث الإعلان عن انطلاق مسيرات العودة في فلسطين عموماً، وفي غزة خصوصاً، إرباكاً كبيراً في صفوف القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في الكيان الصهيوني، التي بدأت تبحث عن وسائل وآليات لمنعها بداية، ومن ثمّ التصدّي لها. استعرض قادة العدوّ مختلف الخيارات والبدائل، كان بعضها مثيراً للسخرية حتى في الإعلام الصهيوني نفسه، من بينها وسائل الترهيب والترغيب، وممارسة الضغط السياسي عبر مصر وأطراف عربية ودولية فعالة، إضافة إلى استعدادات عسكرية ولوجستية غير مسبوقة. وذلك كلّه يؤكد إدراك العدو أنّ مسيرات العودة ليست حدثاً عادياً، ولا مجرد فعالية احتجاجية، كالتي تجري هنا أو هناك في بعض مدن الضفة، بل حدث استثنائي، يملك إمكانية الاستمرار والتطوّر وإحداث تغييرات عميقة لا يمكن التنبؤ بمستوياتها وآثارها.

أثبت التجاوب الشعبي الفلسطيني الكبير مع الدّعوات إلى المسيرات، والقدرة العالية في تحمّل أعداد الشهداء والإصابات، المرتفعة نسبياً، أن المشاركين في مسيرات العودة يملكون الإرادة والتصميم على مواصلة إحياء هذه المسيرات حتى الموعد الفاصل المحدّد في 15 أيار المقبل، الذي يتزامن مع الذكرى السبعين للنكبة، والذي سيتزامن أيضاً مع موعد نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، بعدما اختارته الإدارة الأميركية والحكومة الصهيونية عن سابق تصميم، ليكون إمعاناً في تحدّي الشعب الفلسطيني، وإهانة لمشاعره. ولا شيء يضمن أن لا تستمر المسيرات إلى ما بعد ذلك التاريخ. فاستراتيجية الدم التي لجأ العدو إلى اتباعها للتصدي للمسيرات، من شأنها أن تلهب المشاعر، وأن تضاعف عزيمة المتظاهرين، وبخاصة أنّ التجارب أثبتت أن الشعب الفلسطيني لا يزيده سقوط الدّم إلا توهّجاً.
يدرك المشاركون في مسيرات العودة أهميتها القصوى في هذه المرحلة المفصلية والحسّاسة، ولا سيما في ظل المتغيّرات المتسارعة والكبيرة التي تجري في الإقليم على أنغام ما تُسمّى صفقة القرن، لتصفية القضية الفلسطينية، وتسليم القدس والمسجد الأقصى المبارك للصهاينة، وشطب حق العودة، وإنهاء وكالة «الأونروا»، وفي ظل التقارب السعودي ــ الصهيوني، الذي دخل منعطفاً خطيراً بإعلان ولي العهد، محمد بن سلمان، الاعتراف بحق ما يسمى الشعب اليهودي بإقامة دولته على أرض أجداده، وهو ما لم يقدم أحد على الاعتراف به من قبل، نظراً إلى ما يترتب عليه من تنكّر لحقائق دينية وسياسية واستراتيجية، ويثير أسئلة حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه التطبيع، إذا كان أول تباشير غيثه تقديم تنازلات بهذا الحجم، لم يجرؤ عليها حتى أشد المتعاملين مع الكيان الصهيوني.
تمثّل مسيرات العودة فرصة أمام شعبنا الفلسطيني لبناء استراتيجية واضحة للردّ على التحديات التي تهدد قضيته وحقوقه، سواء من إدارة دونالد ترامب، أو مخططات الحكومة الصهيونية، أو مساعي التطبيع العربية. تشكّل مسيرات العودة خياراً استراتيجياً يملك إمكانية تحقيق أهداف كبرى، ربما تتجاوز تلك التي يمكن تحقيقها بالمقاومة العسكرية في هذه المرحلة، ليس لقصور في القدرة العسكرية، ولا لخلل في مبدأ المقاومة، بل بسبب الخذلان الرسمي لكثير من الأنظمة العربية التي أمنت في مرات سابقة غطاء سياسياً للاعتداءات الصهيونية على غزة وأهلها، وللتوسع الاستيطاني الصهيوني في الضفة، بل للاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى.

تحتاج مسيرات العودة إلى التمسك بهدف واضح ومحدّد، وهو «أنا راجع»


ما تقدّمه مسيرات العودة للشعب الفلسطيني هو إمكانية رسم استراتيجية واضحة وبسيطة تقوم على مبدأ واضح وبسيط، هو أنّ الفلسطينيين لن يسمحوا بإعادة رسم السياسات في المنطقة على حساب قضيتهم وحقوقهم التي يقرّ لهم بها العالم أجمع، وفي مقدّمتها حق اللاجئين في العودة إلى أراضيهم وبيوتهم التي أخرجوا منها. وهو هدف يملك كل إمكانات النجاح، لبساطته وبداهته، ولبساطة الوسائل والأدوات التي تساعد على تحقيقه، وتبنّي شعار مباشر وواضح «أنا راجع»، الذي يعبّر عن تطلعات الشعب الفلسطيني وإيمانه بحقوقه وإصراره على تحقيق أهدافه، عبر تظاهرات سلميّة تحتشد على طول الحدود مع الأرض السليبة، ومحاصرة الكيان الصهيوني من كل حدب وصوب.
من شأن هذه الاستراتيجية أن تقلب المعادلات في المنطقة، وأن تجعل من قرارات الإدارة الأميركية أثراً بعد عين، وأن تطيح كل مؤامرات التطبيع والتنسيق مع العدو الصهيوني، لسبب بسيط هو أنّها تغيّر الوقائع الفعلية على الأرض. إن تدفق مئات آلاف، بل ملايين اللاجئين للعودة إلى أرضهم، من شأنها أن تطيح كل أسس المشروع الصهيوني وأحلامه في إقامة دولة يهودية. وليس مهماً، في هذا الشأن، ما الذي سيبدو عليه المشهد السياسي في اليوم التالي. كل ذلك النقاش ترف لا معنى له أمام تحقيق حق أصحاب الأرض في العودة إليها.
الخشية الصهيونية الحقيقية من مسيرات العودة تنبع من فهم ما يمكن لهذه المسيرات أن تحدثه وأن تؤسس له على المستوى الاستراتيجي العميق، ولا سيما أن العدو يعلم تماماً أنّ الالتزام بسلمية المسيرات من شأنّه أن يحرج حكومات العالم أمام الملحمة المستمرة، وأن يحرّك وسائل إعلام عالمية، وأن يعيد تحريك الشارع العربي، ولا سيما في بلدان يشي كل شيء فيها بأنّ الأوضاع تحتاج إلى شرارة للانفجار.
والأهم من ذلك أنّ مسيرات العودة ستعيد تسليط الأضواء على أساس الصراع على أنّه ليس صراعاً حول المستوطنات ولا الدولة ولا الحصار، ولا أي شيء من ذلك كلّه، بل هو صراع حول الأرض، وحول عودة أصحاب الأرض الحقيقيين إليها. وهذا وحده كفيل بأن يدفع كثيرين في العالم إلى إعادة البحث حول جذور القضية، التي ظن العدو أنه نجح في طمسها، بل سيدفع نحو البحث في حقيقة علاقة ما يسمى الشعب اليهودي، المخترع والمجمّع من أصقاع العالم، بفلسطين.
ولمن لا يدرك معنى ذلك، فليتذكر أنّ العدو الصهيوني لم يستطع عام 2000 أن يتحمّل فكرة أن تصبح «بوابة فاطمة» في الجنوب اللبناني مزاراً للسياح والمناهضين للكيان، بعد هرب جيشه من الجنوب، وكيف تعامل مع مسيرة أقل شأناً بكثير من مسيرات العودة الحالية عام 2011 حين اقترب عدد من الشبان الفلسطينيين من الشريط الفاصل مع أرضهم المحتلة، موقعاً 6 شهداء وما يزيد على مئة جريح. فالعدو يدرك تماماً ما الذي تعنيه هذه المسيرات، وأنها ليست استشهاداً بالمجان، ولا هي تأتي في إطار ما يسمى المقاومة السلمية، بل هي تظاهرات تمتلك إمكانية حقيقية وفعلية لتحقيق نصر حقيقي وفعلي، وقلب موازين القوى والوقائع.
ولتحقيق ذلك، تحتاج مسيرات العودة إلى التمسك بهدف واضح ومحدّد، هو الهدف الذي يعبّر عنه المشاركون في المسيرات على ألسنة الأطفال والعجائز قبل الشباب والرجال، وهو «أنا راجع». إن وضع أهداف أخرى للمسيرات، مثل فك الحصار عن غزة، أو كنس الاستيطان عن الضفة المحتلة، يذكّر بمسارات «أوسلو» التي حرفت انتفاضة 1987 عن أهدافها الأساسية، وحوّلت دماء الشهداء إلى رصيد في مزايدات التنازل والتسويات. كما أنّ إنجاح مسيرات العودة يحتاج إلى تحويلها إلى استراتيجية شاملة للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، وعدم الإبقاء عليها أسيرة قطاع غزة المحاصر. يحتاج إنجاح مسيرات العودة إلى بناء مخيمات مشابهة على الحدود مع فلسطين المحتلة، في الضفة المحتلة ولبنان والأردن، وفي كل مكان يتوفّر ذلك، بل نصب خيم في كل عاصمة عربية وغربية تحمل اسم العودة وشعار «أنا راجع».
تفتح مسيرات العودة إمكانية حقيقية أمام الشعب الفلسطيني لتحقيق اختراق فعلي يكون فيه الشعب الفلسطيني فعالاً ومقرراً، ولا يكتفي بردّ اللكمات. وهذه فرصة لا ينبغي السماح للعدو الصهيوني بإزهاقها، لأنّ حسابات ما بعد المسيرات ليست كما قبلها.
* باحث فلسطيني مقيم في لبنان