يدهش المرء قرار وزير الداخلية، الاشتراكي، في فرنسا، القاضي بمنع فنان فكاهي من تقديم حفلاته في صالات العرض العامة، تحت حجة أن هذه الحفلات من شأنها أن تُخلّ بالأمن والنظام.

هذا يعني أن الآراء التي يعبّر عنها الفنان المذكور لا تروق البعض. فالناس لا يجتمعون على رأي أو قول أو موقف. من حقهم أن ينعموا بحرية التعبير وأن لا يُكرهوا على الصمت بالعنف وبقطع لقمة العيش. يستتبع ذلك أنّ من المحتمل أن يشارك الإنسان تملقاً، في مهرجان سياسي أو في تظاهرة، ولكن يندر أن يُجبر هذا الأخير على شراء بطاقة لحضور حفل فكاهي!

مجمل القول أنّه عندما تكمّ السلطة فاه الفنان أو الممثل، إنما تعتدي بفعلها هذا على حرية الذين يأتون بملء إرادتهم لسماعه ومشاهدة المسرحية التي يقدمها. تجدر الإشارة هنا إلى أن دور السلطة هو المحافظة على الأمن والنظام، وبالتالي منع أية جماعة من التعبير عن شجبها لآراء الآخرين، شغباً وعنفاً في الأماكن العامة.
ينبني عليه أن معالجة الحكومة الفرنسية، لمسألة الفنان الفكاهي ديودنيه عكست المعادلة الديموقراطية وقلبتها رأساً على عقب. أعلن وزير الداخلية مانويل فالس، أن حكومته تستنكر وتدين القصص التي يرويها الفنان الفكاهي ديودنيه على خشبة المسرح، لما يرشح منها، بحسب وجهة نظره، من عداوة «للسامية»، تبعاً للمصطلح المستخدم في الغرب للدلالة على الكراهية العنصرية تجاه اليهود. بمعنى آخر، يُفهم من فحوى كلام الوزير أنّه غير راضٍ عن رأي ديودنيه، وأن من غير المستبعد أن يسبب الأخير إثارة بعض جماعات الناشطين في مجال مناهضة العـنصرية واللاسامية. قد ينجم عنه اضطراب الأمن والنظام. لذا، تفضل الحكومة الفرنسية قمع ديودنيه، الذي لا توافق على رأيه، ممالأة لجماعات مناهضي العنصرية اللاسامية، الذين تتفق معهم! انصر أخاك!
ليس ما تقدم أكثر من صورة سطحية. أي إننا في الحقيقة حيال خداع الفاظ. وللإيضاح أسوق الملاحظات الآتية:
ـ لا أظن أن القوانين والإجراءات الشرطية قمينة بكفاح العنصرية والعداوة للسامية. الدليل على ذلك أن أعراض هذين الوباءين لا تزال ظاهرة في المجتمعات الأوروبية، بل انتقلت العدوى إلى أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، رغم أنهما سبّبا حروباً دينية وقومية رهيبة، تعرض في آخرها يهود أوروبا لما يشبه الإبادة التي لم تكتمل؛ لأن ألمانيا هزمت. يستتبع ذلك أن إسكات ديودونيه، لن يغيّر ما لم تغيّره الحروب الضارية.
ـ الاستعمار هو في جوهره ترجمة لنزعة عنصرية، كمثل العداوة للسامية. وفي هذا السياق يجدر التذكير بأنّ الفنان ديودنيه على علاقة وثيقة بحزب الجبهة الوطنية، اليميني المتطرف المعروف بكراهيته للغرباء وبنفوذه الملحوظ في أوساط المستوطنين السابقين في الجزائر «الأرجل السوداء»، وبعضهم لا يزال لديه حنين «إلى الجزائر الفرنسية»، إضافة إلى مماثلة هذا الحزب للحركات الفاشية الأوروبية التي لا تضمر الود لليهود! استناداً إليه، إن تعاطف ديودنيه والحركات الفاشية مع القضية الفلسطينية، ومع العراقيين بالأمس والسوريين اليوم، إنما هو في أغلب الأحيان غشاوة للعداء للسامية. أي بتعبير آخر، لا يفرق ديودنيه بين «اليهود» من جهة وبين «المستعمرين الإسرائيليين» من جهة ثانية. أو بالأحرى هو يلبس العداء الذي يكنه لليهود، لباس مناهضة الاستعمار الإسرائيلي التقدمي.
ـ يسلك المستعمرون وأنصارهم نفس النهج، ولكن بشكل معكوس. فهم يخلطون ويمزجون أيضاً، بين الاستعمار الإسرائيلي من جهة وبين المسألة اليهودية في أوروبا. وبناءً عليه، نجدهم يبررون الدعم اللامحدود الذي يقدمونه للمستعمرين الإسرائيليين في فلسطين، بالمشاعر الإنسانية وبالندم والاعتذار عن فظاعة الجريمة التي كان ضحيتها اليهود الأوروبيون في النصف الأول من القرن الماضي. كأنهم يقولون إن الأمانة لذكرى اليهود الأوروبيين، تبرر استعمار فلسطين وطرد سكانها. وبالتالي إنّ انتقاد المستعمرين الإسرائيليين يشبه بنظر حلفائهم في الغرب انتهاك الحرمات وأفعال أعداء السامية. انصر أخاك المستعمر!
ـ من غرائب هذا الزمان، أنه ليس نادراً أن تلتقي شخصاً يبوح لك بأنه ضد اليهود، ولكنه يعتقد أن دولة المستعمرين الإسرائيليين هي جزء من الغرب، لذا يجب الوقوف إلى جانبها. من الممكن بالمقابل أن تجمعك الصدف، بعضو في الجبهة الوطنية، التي ورد ذكرها أعلاه وأن تسمع منه بصراحة، أنه لا يحب العرب، ولكنه على استعداد لمساعدتهم في تصديهم لمقاومة الإسرائيليين، لأن صاحبنا يكره اليهود. عدو عدوك حليفك! إلا في القاموس العربي!
ـ إن القوى الغربية التي تتعهد غزوات الإسلاميين ضد سوريا بالأموال والسلاح والتوجيه والمؤتمرات، لا تتحرك بدافع حرصها على السوريين ومستقبلهم، بل انطلاقاً من قناعتها بأن تفكيك المجتمع السوري، وتدمير سوريا، وإسقاط الدولة فيها إذا أمكن، تصب جميعها في خدمة مصلحة المستعمرين الإسرائيليين وتقضي على الأمل في احتمال حدوث نهضة عربية أو تُبعد ميعادها إلى أجل غير منظور!
الجدير ذكره في الختام أن مشيخات النفط الخليجية حاولت التغلغل في أوساط المهاجرين إلى بلاد أوروبا وأميركا، من أصول عربية وأفريقية وآسيوية، لخلق بيئة «إسلامية» ملائمة لتجنيد عناصر جهادية، وضمها إلى الكتائب والجماعات التكفيرية التي تقاتل في الراهن، اعتقاداً منها أنها تواصل الفتوحات ونشر الدعوة المحمدية، ولكنها في الحقيقة تمهد لتمدد النفوذ الأميركي إلى حيث توجد ينابيع النفط والغاز المعروفة والمفترضة، ما يجعل كل مهاجر من أصل عربي إرهابياً بالقوة. من المحتمل، في السياق نفسه، أن تكون الغاية من الضجيج المفتعل حول مسألة الممثل ديودنيه والضبابية التي تكتنفها، فضلاً عن توقيتها قبل أشهر من الانتخابات في فرنسا، هي إظهار هذا الممثل كما لو أنه يتحمل ثمن مناصرته للقضية الفلسطينية، فيستدر ذلك عطف المهاجرين عليه وعلى حزب الجبهة الوطنية. هكذا يصير كل عربي، بنظر البعض إرهابياً بالقوة وفاشياً بالفعل... و«إلى السلاح! طلائع الغزاة!».
* كاتبة لبنانية