لا يفوِّت اللبنانيون، أفراداً وجماعات، فرصة انتقاد الدولة وتحميلها المسؤولية عمّا يُواجهونه في حياتهم اليومية من فلتان في الأسواق والسير وفساد الإدارة والبيئة، كما في اضطراب الأمن المحلي وتهديد الأمن الوطني. ويؤكدون في شموليات انتقاداتهم، حتى إن بصورة غير مباشرة، توافقاتهم الضمنية بهويات طائفية وغير طائفية، على الضرورة لوجود الدولة التي لا قيام لمجتمع، أي مجتمع، من دون حضورها اليومي الناظم وغير المرئي لحقوق وواجبات الفرد أو الجماعة.

هكذا تحضُر الدولة في أذهان الناس وخواطرهم، وهي المُشرّعة لهوياتهم الفردية ضمن حدودها وخارجها. فالدولة كما يقول Pierre Bourdieu، وهو أحد كبار علماء الاجتماع الفرنسيين، هي «هذا الوهم ذو الأساس المكين... والحيّز الموجود أساساً بسبب أننا نعتقد أنه موجود... أنها موجودة بالاعتقاد». ولكن رُبّ متسائل عمّا إذا كان وجود الدولة باعتقاد الأفراد كـ«وهم مكين» في المجتمعات الصناعية المتروبولية القائمة منذ قرون يكون على الصورة ذاتها في المجتمعات التي رُكِّبَت عشية استقلالها منذ عقود؟
مما لا شك فيه، أن ما رُكِّب في هذه المجتمعات ليس الدولة المتشكلة في صيرورة تاريخية امتدت على قرون، بل هي حكومات فرضتها ضرورات التوافق بين مصالح المكونات الإثنية والطائفية العاجزة على امتداد بضعة قرون عن تجاوز تبعياتها وعن بلوغ مستوى وعي الضرورة الوطنية لوجود للدولة القائمة على الدستور وقوانين المواطنة.
إن المقصود في الانتقادات الموجهة إلى ما يُسمى الدولة في المجتمعات الريعية هو في الواقع الحكومات التابعة لمراكز القوى في مكوناتها الديموغرافية واللاديموغرافية والاجتماعية. وهي الزعامات الحاكمة المتحكمة التي تتحاصص تشكيل الحكومات وتتوارثها. هذه الحكومات التي لم يبلغ عوام الناس وعي ضرورة وجود القوانين التي تُشرّع محاسبتها، فتجد أكثرية نخبها ما يُغريها في موالاة زعامات الطوائف ولا يبقى أمام الأقلية من النخب المعارضة سوى التمرّس في ما يستعيرونه من الخطاب الراديكالي في العالم الأول حول «دولة الوهم المكين» المُستعصي قيامها في ظل حكومات الريوع وتجدد شرعية تحكمها في مسرحية صناديق الاقتراع.
ويبقى السؤال: لماذا يستعصي تأثير غالبية الكتابات المعارضة في تغيير نهوج الحكومات اللبنانية المتعاقبة على إدارة السلطة والموارد، سواء أكانت كتابات نقدية مُتلبرلة تغلب فيها الطروحات السياسية السلطوية الراصدة لمواقف أطراف الحكم ومصالحهم السياسية وعلاقاتهم على الصعيدين الداخلي والإقليمي، أم كتابات عروبية - شعبوية يغلب فيها رصد مواقف أطراف الحكم على الصعيدين المناطقي والإقليمي؟
هذه الطروحات النقدية ظلت تحوم حول الطبيعة الوظائفية للبُنى السلطوية والثقافية الضرورية لترسيخ مقومات نظام اعتمدته سلطة الانتداب الفرنسي بالتوافق مع مرجعيات طائفية، وفي طليعتها الكنيسة المارونية. وأوهمت عوام الطوائف بأنه النظام الأضمن لأمان عيشها وتدينها، وهو أمان يضمنه توافق القوى الدولية وحلفاؤها الإقليميون وتتعهد صيانته زعامات الطوائف بما يشرعن تحاصصها سلطاته وموارده، وبما يُتيح لها التشريع الحامي لآليات النظام الريعي ولهجانة ليبرالية اقتصاده الخارجي الذي افترض مصممو دستوره الأوائل، ومنهم خاصة سلطة الانتداب، أنه النظام التعددي الملائم للقيام بأدوار وساطة تخدم حضورها السياسي والاقتصادي في المشرق العربي.
ومن المعالم الأخيرة للهزال السياسي، المقترن بالتأسيس التوافقي للنظام، جاء مخاض تشريع قانون الانتخاب الأخير الذي أُنيط التوافق على تصميمه بمجموعة ضيقة من نواب يُمثلون زعامات الكتل الطائفية الكبيرة في البرلمان. وقد جهدت هذه المجموعة، على امتداد أكثر من سنة، لحصر التنافس بين تحالفاتها وفرض ما اختاروه من مبدأ غلق اللوائح ومن عتبة انتخابية غالباً ما عجزت لوائح المعارضات المتنافرة والمستجدة، ومنها الحراكية خاصة، عن بلوغها كشرط للتأهل للمنافسة على المقاعد، ولا سيما في محميات التديُّن المذهبي.

هل نحن أمام خروقات قابلة للمعالجة لحماية الديموقراطية البرلمانية؟


والجدير بالذكر أن كباراً بين زعماء المذاهب المتحكمين في تقسيم خريطة الدوائر و«فرز اللبنانيين على أساس انتماءاتهم» بخلاف ما نصّ عليه الدستور، ورغم تحكمهم في تجهيز ماكيناتهم الانتخابية وضوضائها وطمأنة مستشاريهم الإحصائيين والقانونيين، لم يتورع هؤلاء الكبار، في مواجهة ارتياباتهم حتى من صدقية مفاتيح عوامهم، عن «شرعنة» تجاوز الدستور تحوطاً لخروق يتوجسون منها. تَمثّل هذا التجاوز الفاضح في إعراض المُشرعين عن احترام مضمون الفقرة «ط» من المقدمة التي أُضيفت إلى الدستور بفعل اتفاق الطائف، وهي تُمثل روح معالجة الاتفاق أزمة تصدُّع الكيان اللبناني بفعل الحرب الداخلية الخارجية فيه وعليه. فكان التوافق على الإعراض عن نص مركزي في مقدمة للدستور ضحية هواجس كبار زعماء الطوائف. وقد تأكد لكبار بينهم ذلك بعد أن لمسوا أن فوزهم كان في الانتخابات رهينة تحالفات أفضلت عليهم بأكثر مما توقعوه من تعهدات مفاتيحهم الانتخابية. لذلك، لم تتأخر عقوبات الكثير منهم بعد صدمات النتائج وتدني مستويات الفوز الموعودة في بعض دوائرهم.
وقد عُزي تدني مستويات فوز هذا البعض من الزعماء إلى تدني دوافع التحالفات التي انعكست في ارتباكات داخل أوساط الولاءات الوفية تقليدياً لهم، هذه الأوساط داخل الفئات الوسطى الأقدر على تبديل ولاءاتها أو التغيُّب عن التصويت، بعد أن صُدمت أمام تزايد خلطات تحالفات الزعامات، فهل نحن أمام خروق قابلة للمعالجة لحماية الديموقراطية البرلمانية؟
هنا يُنتظر إسهام الباحثين في علم الاجتماع حول طبيعة عمليات التمثيل التي تُتيحها البُنى الاجتماعية والثقافية التي تحكم تشكل النظام السياسي في لبنان. وحول ما تواجهه هذه العمليات من محددات ترتبط بمستوى نمو المعارضات وتأهلاتها في ظل تلك البنى للدخول في مواجهات مع القوى المتحكمة بالنظام ووظائفه الداخلية والإقليمية. وهنا تتواجه تنظيرات السوسيولوجيين حول طبائع التحديد والهيمنة في تحليلاتهم، ويجدون أن رتابة توجهات الحكومات لا تُفهم إلّا وهي مقرونة بتجدّد رتابة تكيُّفات الموالاة من جهة وبرتابة مقابلة في أنواع فهم وممارسات المعارضات المتجددة بموازاتها في مواجهة تلك السياسات من جهة أُخرى.
وقد ظهر أن تاريخ تحقق المواطنية في دول الرأسمالية المتطورة تزامن مع تاريخ تحقق النمو الاقتصادي المتكامل قطاعياً ومناطقياً في أسواقها، وأن المواطنية لا تقوم في غياب هذا النمو المتكامل الذي يحصن سيادة الدولة ويخفف التفاوتات بين مكوناتها الاجتماعية ــ الثقافية. وهنا نذكر أن عملية بناء المواطنية بدأت في فرنسا منذ ما يزيد على قرنين في دستور 1791 غداة الثورة الفرنسية، ولكن اعتماد نظام الانتخابات للرجال حصل بعد ثورة 1848، أي بعد 57 سنة، واعتمد هذا النظام للنساء عام 1944 مع ارتكاز المواطنية على ضمانات حقوق اجتماعية في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
وظهر أن هذه المواطنية لا تتحقق وتستديم إلّا بالمشاركة السياسية للمواطنين المتمثلة بالتزامات النقابات والأحزاب وجماعات الضغط والحراك المدني، التزامات تقود ممارسات التصويت والتظاهر وعرائض المطالبات المحلية. وقد برز أن تراجع أشكال مشاركة هذه الحركات الاجتماعية اقترن بثبات نسب المقترعين والتغيب وبتراجع نسب المنضوين إلى أحزاب مدنية التطلع ولا تجدد تنظيراتها في التقدم الاجتماعي المدني.
فهل يمكن معالجة قصورات الحكومات والمعارضات التقليدية بالاكتفاء بالمطالبات الحراكية القطاعية كمطلب فرض «كوتا» المشاركة النسائية في التمثيل النيابي والبلدي ومطلبي قوننة اللامركزية الموسعة وخفض سنّ اقتراع الشباب في ظل التعبئات الطائفية المتحكمة بريوع التدين والتعصب في غياب المعارضات الضاغطة الملتزمة بلورة السياسات التنموية الوطنية والمحلية؟
* أستاذ جامعي