يتواصل الحديث في قطاع غزة منذ انطلاق فعاليات مسيرات العودة وكسر الحصار، والتي انطلقت في الثلاثين من آذار الماضي، عن احتمال قيام إسرائيل بعدوان جديد على القطاع. تأتي هذه التهديدات مع تضخيم الإعلام الإسرائيلي الموجه لخطورة البالونات الحارقة التي يطلقها المتظاهرون في غزة، والتي يصورها هذا الإعلام كما لو أنها سلاح استراتيجي يهدد الوجود الإسرائيلي. في إطار ذلك، تخرج الصور متتالية للحرائق التي تسببت بها تلك البالونات في الحقول الزراعية المتاخمة لحدود القطاع أو ما تعرف بمستوطنات غلاف غزة لتبرير ما يقوم به جيش الاحتلال من قتل منظم وممنهج للمتظاهرين العزل واستهداف للصحافة والمسعفين والأطفال على طول حدود القطاع عبر عمليات قنص مقصودة، وبأسلوب يصنف كجريمة حرب بحسب قواعد القانون الدولي.

جاء الصاروخ مجهول الهوية والذي أطلق الأسبوع الماضي من قطاع غزة وسقط في منطقة النقب المحتلة لتخرج التصريحات والتهديدات من كل أطراف حكومة اليمين الاستيطانية للمطالبة بشن عملية عسكرية في القطاع. حملت التصريحات لأعضاء هذه الحكومة من أمثال ليبرمان وبينت، وغيرهم من الناطقين باسمها، جملة من التهديدات والتصريحات حمّلت حركة «حماس» والفصائل مسؤولية هذا التصعيد. تلاها تصعيد عسكري إسرائيلي مباغت على الحدود مع القطاع، سقط خلاله عدد كبير من الإصابات؛ بينهم أطفال، وقابله رد صاروخي على المستوطنات المحيطة بغزة، في محاولة لتغيير قواعد الاشتباك، لتدخل مصر على الخط في وساطة لفرض التهدئة.
أربكت مسيرات العودة السلمية وكسر الحصار منذ انطلاقتها الاحتلال الإسرائيلي الذي فشل حتى اللحظة في وقفها أو التعامل معها. التهديدات بشن حرب على غزة لم تتوقف منذ اللحظة الأولى لانطلاق مسيرات العودة، بالرغم من الخلاف الواضح ما بين المستوى الأمني والسياسي داخل «الكابينت» حول جدوى وفعالية ومدى نجاعة أي عملية عسكرية شاملة ضد قطاع غزة على عقم هذه التهديدات، والتي يرى فيها المستوى العسكري عدم جدوى لأي عملية موجهة. على العكس من ذلك، ترى حكومة اليمين في إسرائيل في استراتيجية إبقاء الرأس فوق الماء مع المحافظة على ديمومة شلل الجسم استراتيجية ناجعة في إبقاء قطاع غزة في حالة تآكل داخلي. فإسرائيل لا تريد أن تهب قطاع غزة قبلة حياة، وفي الوقت ذاته هي لا تريد أن تذهب الأمور نحو الانفجار الكلي داخل القطاع، لما قد يلحق بها الأذى نتيجة ذلك.
تحاول إسرائيل تجنب التصعيد العسكري كونها لا تريد أن تتحمل تبعات تكلفة العملية العسكرية، وخاصة إذا ما نجحت فصائل المقاومة في إحداث خسائر بشرية في صفوف جيش العدو، أو نجاح أي محاولات أسر جديدة لجنودها، ما يهدد بقاء الائتلاف الحكومي أمام سطوة الرأي العام الإسرائيلي. فبالنسبة إلى تل أبيب، فإن تكلفة التصدي لمسيرات العودة وكلفة الحصار أقل سوءاً على الصعيد البشري أو المادي لدولة الاحتلال من الدخول في حرب جديدة مع غزة.

مساعي تل أبيب تذهب باتجاه إرباك المشهد الفلسطيني وتصدير الأزمات الداخلية له


تبذل أطراف إقليمية مصرية وقطرية، إضافة الى الأمم المتحدة ممثلة بالمبعوث الأممي ميلادينوف، جهوداً للتوصل الى اتفاق تهدئة، وهي جهود تحاول إسرائيل توظيفها للانتقال من مرحلة إدامة الانقسام إلى تحقيق الانفصال ما بين غزة والضفة الفلسطينية، وخصوصاً مع تصاعد التوتر ما بين طرفي الانقسام، وفشل إتمام المصالحة الفلسطينية الداخلية. تتجلى هذه السياسات في تصريح الوزير الإسرائيلي لشؤون الاستخبارات وعضو المجلس الوزاري المصغر، يسرائيل كاتس، والذي يبدي معارضة شديدة لعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وربط القطاع بالضفة الغربية بادعاء أن ذلك يشكل تهديداً مباشراً ويمسّ بأمن إسرائيل. وفي إطار ذلك، جاءت موافقة إسرائيل على تسهيل عملية إمداد قطاع غزة بالوقود القطري عبر الأمم المتحدة في تجاوز واضح لدور السلطة الفلسطينية، حيث إن مساعي تل أبيب الحقيقية تذهب باتجاه إرباك المشهد الفلسطيني وتصدير الأزمات الداخلية له، لتعجيل وتيرة الانفصال وإدامة الانقسام بين «شطرَي الوطن».
تبدو السياسة الإسرائيلية في التعامل مع المشهد المعقّد في غزة أشبه بالقيام بدور الساحر على خشبة المسرح، والذي يمارس عملية الخداع البصري لمشاهديه كافة. هذه الحيلة مارستها إسرائيل في السابق عندما انسحبت من قطاع غزة وصوّرت ذلك على أنه بادرة حسن نية تجاه الفلسطينيين، فيما واصلت حصاره وخنقه. وبترتيب زمني دقيق، بدأت إسرائيل تسوّق لمعاناة غزة كأنه لبّ الصراع وأساسه، لتنفي بذلك دورها كدولة احتلال عن كل مآسي الشعب الفلسطيني ومعاناته، ولتجعل المدخل الإنساني وكأنه العلاج السحري لأزمات القطاع المتتالية.
من ناحية أخرى، تواصل إسرائيل في الضفة الفلسطينية سياساتها الاستيطانية والتوسعية بهدوء، سواء من خلال مصادرة الأراضي أو تهويد القدس. وما حدث في الخان الأحمر ليس ببعيد عن الأذهان. فبينما تقوم بتصوير قطاع غزة على أنه الحريق الكبير الذي يستدعي تحرك كل الأطراف لإخماده، تقوم بإشعال حرائق متفرقة تحقق لها مكاسب في الضفة الغربية أو القدس أو حتى في الداخل المحتل، كما حدث مع قانون القومية الأخير.
إن ما تقوم به إسرائيل في لعبة التصعيد والتهدئة التي تمارسها بشكل أسبوعي مع قطاع غزة، ينطوي تحت ما يمكن أن نطلق عليه عقيدة الصدمة التي تحاول فرضها على المجتمع الفلسطيني في محاولة جادة لكيّ الوعي الشعبي من خلال زعزعة قدرته على مجاراة السياسات الإسرائيلية وإفشال استراتيجياته ومخططاته الهادفة الى تحقيق الخلاص الوطني. إن نجاعة أي سلوك إسرائيلي في فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء في القطاع أو الضفة، مرهون بالقدرة الفلسطينية على إفشاله. تلك القدرة تشتّتت بفعل الانقسام وغياب فعلي لرؤية ونهج فلسطيني قادر على توظيف مقدرات ونضال شعب عمره أكثر من مئة عام من أجل حقه في تقرير المصير ونيل حريته، أسوة ببقية شعوب الأرض. هذا الشعب لا يزال، كما في كل مرة، يصطدم بصراع نخبه وفصائله ومكوناته والتي غالباً ما تفشله أمام انتصارها لذاتها على حساب الوطن الذي لا يزال ينتظر من ينتصر له...
* باحث سياسي مقيم في غزة، ومحلل سياسي في «الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية»