هذا هو ما يمكن أن نسميه الإزاحة نحو الشمال. وهي إزاحة جغرافية-سياسية ولمصر بالذات. إن قوة دفع هائلة، ناعمة وخشنة، تجري من حولنا، في مصر بالذات، بل بيننا، تحاول أن تذهب بنا بعيداً نسبياً عن محيطنا الطبيعي في الوطن العربي والإقليم العربي-الأفريقي، وأن تلحقنا بمجال جغرافي-سياسي ربما ليس هو الأكثر ملاءمة لنا بالمقياس التاريخي الحضاري. تلك وجهة نظري فيما يجري. والذي يجري صراع بين قوتين: قوة الدفع الاصطناعية، وقوة الجذب الطبيعية. الأولى تتم من طرف أو طرفين أو ثلاثة أطراف عربية في الخليج، على اختلاف بينها وخلاف في الأغراض المتوخاة من التوسع «الجيوبوليتيكي». يتم هذا التوسع باتجاه البحر الأحمر بدءاً من مضيق باب المندب تليه منطقة القرن الأفريقي (إريتريا والصومال وأثيوبيا) وصولاً إلى مدخل ومخرج خليج العقبة مروراً بخط تيران وصنافير، ثم خليج السويس وميناء «العين السخنة»، حيث بداية خط «سوميد» لنقل شحنات البترول، الذاهب للإسكندرية. وعودة إلى رأس خليج السويس حيث «اللوجستيك الكبير»، خاصة من طرف الصين، باتجاه قناة السويس إلى أقصى الشمال مروراً بالمنطقة الاقتصادية الروسية المُزْمَعة، وذهابٌ إلى ميناء بورسعيد وقناة شرق التعريفة، وربما بمحاذاتها على ساحل المتوسط دائماً، عند كل من «إدكو-رشيد» – القديمة والجديدة – وميناء ومدينة دمياط حيث تقبع فيهما المحطتان الرئيسيتان لإسالة الغاز.

فما هذا كله الذي يدور؟ هذه قوة الدفع، وإن شئت، فقل: قوة الطرد للكتلة المصرية باتجاه الشمال. وإن مركز الزلزال الجيوبوليتكي الجاري حالياً يكمن عند الساحل العربي الشرقي للخليج من ناحية العربية السعودية والإمارات زحفاً إلى الشمال حتى قطر. وأما عند الطرف الجنوبي من الخليج، باتجاه سلطنة عمان، فهنالك مضيق هرمز حيث تجرى محاولة للطرد أو الدفع لإيران لتلزم حدودها البرية-البحرية بالكاد ناحية الشرق.
هكذا، بالتوازي، يتم الانطلاق من مركز الزلزال لإبعاد إيران شرقاً، عبر نزع أسنانها الممتدة يمنياً في حياء وخَفَر، جنباً إلى جنب مع اجتذاب جنوب اليمن حيث مدينة وميناء «عدن» و«ميناء المكلّا ثم بحر العرب»، والزحف بطيئاً باتجاه الشمال لاجتذاب ميناء «الحُديْدة» على البحر الأحمر. تجرى عملية الإبعاد الاقتحامي لإيران شرقاً، بمزيج القوة المسلحة والاقتصادية والديبلوماسية والعوْن الخارجي عربياً وإسلامياً و«دولياً – أميركياً»، بينما تتم الإزاحة لمصر غرباً بالقفازات الناعمة للإرغام الفعلي De Facto والإقناع بقوة الأمر الواقع Status quo والاشتباه بتقاسم النفوذ والمصالح على خط «العين السخنة –بورسعيد».
هنالك، إذن، تمهيدٌ لميدان المعركة الاستراتيجية جرى ويجري على قدم وساق، ضد عدو في أقصى الشرق على الضفة الأخرى للخليج (إيران) وحليف (مصر) يعدّ له ميدان نفوذه الاستراتيجي بعيداً إلى حد ما، برغم إلحاح مصلحته البحرية-النهرية كما سنرى... بينما يكمن على القرب طرف آخر قابع بمزيج من الصمت والجلجلة، يعمل على الاستفادة من حصيلة الصراع المتنوع دون جَلَبة ظاهرة، والمقصود هنا الكيان الصهيوني إسرائيل.
ذلكم هو الصراع الكبير على مناطق النفوذ في الرقعة الفسيحة لمداخل الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي وخليج السويس وخليج العقبة وقناة السويس حتى شاطئ المتوسط. ولعله صراع على امتلاك نقاط القوة على المسالك والمعابر والمضائق وقنوات الوصل، في عصر قادم للعولمة الشاملة من قِبل الأقطاب في عالم «تعددية الأقطاب»: ما بين أميركا وأوروبا الغربية (محور بون-باريس) وروسيا (الأوراسية) والصين (الحزام والطريق). في عالم العولمة المستهدف ذاك، يصبح الشعار الرمزي الذائع حول (القرية الكوكبية) واقعاً فعلياً، فيصير صراع القوة الأزليّ بين الجماعات البشرية صراعاً، في هذه المرحلة، على خطوط الوصل ونقاط القطْع، للتحكم في المرور والعبور ومن ثم توزيع العمل الدولي.

يمهّد لميدان المعركة الاستراتيجية ضد عدو في أقصى الشرق (إيران) وحليف (مصر)


فلعله، إذن، إيذانٌ بتجسيد – في شكل مختلف – لشعار آدم سميث الأثير القادم صوته من أواخر القرن الثامن عشر (1776): دعه يعمل، دعه يمر (Laissez Faire -Laissez Passer)، أو بتعبير آخر غير مختلف: حرية العمل والعبور-أو النقل و الانتقال. فمن ذا الذي سوف يقبض بيديه على ناصية النقل و العمل؟ هنا يقع مكمن الصراع وجذره «الجغرا-تاريخي» إن صحّ التعبير. تحكم مقتضيات الصراع بأن عصر الغاز وما يتبقى من البترول خلال نصف القرن القادم ويزيد تحكمه القوى الكبرى القابضة على ناصية القوة الاقتصادية-التكنولوجية، ما بين إمبرياليات قديمة غاربة، أوروبا «العجوز»، وإمبريالية صاعدة توشك على انحدار قريب: أميركا، وقوى طامحة، غير إمبريالية بالمعنى العلمي فيما نرى: أبرزها الصين الاقتصادية وروسيا العسكرية، وحافات هامشية محتجزة لدول مثل الهند والبرازيل.
وإذْ يعمل مركز الزلزال الجهوي المشتغل من الساحل العربي للخليج في الإقليم العربي-الأفريقي باتجاه محور الدائرة الأطلسي، أميركياً بالذات، ليعكس تفاهماً مأمولاً لخلق منطقة نفوذ خليجية فرعية عند مداخل ومضائق الخليج، وعلى طول البحر الأحمر... تكون هذه المنطقة ذات المركز الزلزالي النوعي نُظَيْماً فرعياً Sub System ضمن المنظومة الأوسع المشمولة في الغرب الشمالي، الأميركي – الأوروبي بامتياز، ولو إلى حين. وإن الجائزة الكبرى في هذا الصراع الاستراتيجي المعقد والممتد هي (اليمن) شمالاً وجنوباً، من أرخبيل سقطرى ومضيق باب المندب، إلى المكلا وعدن والمخا والحديدة. لكأنها (عقدة المواصلات) في الإقليم العربي الإفريقي كله أو هي قطب للتفاعلات المستقبلية في العالم التواصلي الجديد، أو قطبان متقابلان: جاذب ومنجذب.
هكذا نفهم ما يجري حثيثاً الآن من تبدّل للمواقع والمواقف، في سرعة سريعة، باتجاه السيطرة التامة على اليمن و«لململة» الخلاف الإريتيري-الأثيوبي (وهي خزان الماء المحتمل للشركاء!) -بعيداً عن مصر بمعنى ما - ومن ثم تصويب إثيوبيا باتجاه ميناءيْ إرتيريا: «مصوع» في الشمال، و«عصب» في الجنوب، مع عزل جيبوتي من ثم تارة أو إعادتها إلى «الحضن الدافيْ» تارة أخرى. يضاف إليه تحديد دور ميناء «بورسودان»، ثم وضع قدمين: إحداهما في «مقديشيو» الصومال قرب ميناء (بربرة) على البحر الأحمر، حيث تتواجه الإمارات وتركيا إلى حد كبير، والقدم الأخرى في جيبوتي عبر قواعد عسكرية يتنافس على إنشائها الغرماء: السعودية والإمارات من جانب، وكل من قطر وتركيا من جانب آخر، ودع عنك أميركا وفرنسا والصين!
تجرى عملية «تطهير» (مسرح العمليات) أو «الإخلاء الميداني» لكل من الخصم القطري والتركي، و«العدو الإيراني» المفترض، بتجحيم النفوذ للخصمين والتهديد بالمزيد، خاصة قطر، وردع العدوَ المفترض المذكور لإجباره على الانكفاء نحو محيط استراتيجي (غير شرق أوسطي)، عبر سلسلة بحر قزوين، وآسيا الوسطى (الإسلامية) بدءاً من أذربيجان وأقصى غرب آسيا عند أفغانستان، وجنوبها الشرقي عند باكستان. هنا يتكاثر الأعداد المصوّبون نحو النفوذ الإيراني المحتمل، وبذا يتم إلهاء إيران أو إشغالها في معارك مستمرة غير مجدية على النفوذ، ما يشكل خصماً مؤكداً من رصيد قوتها (ولا ننسى الأثر المكمل «للعقوبات» الأميركية الممتدة عالمياً إلى حد ما)، كما يشكل رفداً لقوة كل من «العدو الأكبر» القابع «أطلسياً» على البعد (أميركا بشكل رئيسي) و«العدو الأصغر» ممثلاً في الكيان الصهيوني إسرائيل، ولعلها المستفيد الأكبر من محاولة إجبار إيران على الانفكاء آسيوياً.
أما مصر الرسمية، فلن تذهب خالية الوفاض على كل حال، ولسوف تتم طمأنتها بتأكيد مصالحها (المائية) عند أثيوبيا، ولو بتفاهم «مهزوز» نوعاً ما مع السودان. ويتم ذلك لمصلحة مصر جزئياً في حين تجري على قدم وساق العملية التي أشرنا إليها بخصوص «تطهير مسرح العمليات» أو «الإخلاء الميداني»، لغرض «إخلاء» الميدان من النزوع المصري الطبيعي للتمدّد الحضاري في المجال المشترك العربي – الأفريقي، لدفع مصر دفعاً ناحية الشمال باتجاه المتوسط. وبينما تتم مقاسمة المصلحة جزئياً مرة أخرى عبر موانئ العين السخنة وخط سوميد والاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وفي جنوب سيناء أيضاً، يجري «الدفع» بها إلى الشمال المتوسطي ليس بإرغام قوة الأمر الواقع فقط، ولكن بالإقناع الناجم عن لغة المصلحة تلك، وعن أمر آخر مهم، ما هو؟
إنه العمل على إدماج مصر في دورة اقتصادية – إقليمية على البحر المتوسط، عبر مشروع التحول إلى مركز إقليمي-شبه دولي لوجسيتي لتداول الغاز، بالتسييل وإعادة التصدير. ويتم ذلك عبر شبكة تعاون استراتيجي متوسطي تشمل قبرص وإسرائيل واليونان، وتمتد أذرعها إلى الضفة الأخرى للبحر ضمن مشروع أشمل (الاتحاد من أجل المتوسط)، وربما سعياً للامتداد أبعد من ذلك للمساهمة في إمداد أوروبا الغربية بالغاز. وتدخل مصر بذلك في سوق تنافسي بضراوة مع الغاز الروسي الممتد من السيل الشمالي، عبر البلطيق، مروراً بالخط الحالي عبر أوكرانيا، وصولاً إلى مشروع «السيل الجنوبي» بالتعاون مع تركيا. وغير بعيد أيضاً مشاريع تتجير الغاز الإيراني والقطري شرقاً «آسيوياً) وغرباً (أوروبياً) بالإسالة أو دونها. ولدولة الكويت – واسطة العقد «الوسطية» – في كل ذلك نصيب معتبر عند رأس الخليج المتصل بكل الجهات الأصلية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وعبر محاولة الاستفادة من كل المبادرات المتنافسة الذاهبة و القادمة نحو الخليج: من الصين وإيران وروسيا، ومن قطر أيضاً، ولم لا نقول من التحالف الدولي الذي تقوده أميركا انطلاقاً من القيادة العسكرية المركزية (أو الوسطى) الكائنة بصفة أساسية على خطوط البحرين (القاعدة البحرية للأسطول الخامس) وقطر (قاعدة العيديد) والكويت نفسها عند «الأحمدي».
التساؤل الأساسي المطروح بخصوص مصر الآن يتعلق بالوجه الآخر للدور الإقليمي الذى يتوقع إسناده إليها ضمن لعبة «الجيوبوليتيك» الكبرى القادمة في المستقبل القريب، على مدى الأجلين القصير والمتوسط، ولا نقول البعيد. إن كل ما سقناه بالإشارة إلى مصر حتى الآن يتعلق بوجه واحد أشرنا إليه في البداية بما سميناه «قوة الدفع» Push-Power أو هي قوى الطرد والإزاحة باتجاه الشمال، وصولاً إلى المتوسط ثم أوروبا، حيث الشبكة الإقليمية للغاز بالذات. ولكن ماذا عن قوة الجذب Pull-Power؟ هذا يتعلق بإمكانات واحتمالات الانجذاب المصري الطبيعي Normal بفعل سني التاريخ الحضاري وكذا التطلع المستقبلي، ناحية الرقعة الفسيحة للإقليم العربي-الأفريقي: عربياً بحكم الانتماء القومي والنزوع العروبي المتولد عنه، وأفريقياً بحكم ضرورات الموقع والموضع Situation & Location باعتبار مصر ممثلة عن أقصى الرأس الشمالي للقارة، وحلقة الوصل بين أوروبا وآسيا عبر بوابة البحر الأحمر - كبحر عربي وأفريقي أيضاً، ثم باعتبارها دولة نيلية بامتياز وأحد الأضلاع الكبرى «لحوض النيل» الممتد إلى البحيرات الاستوائية خاصة بحيرة فيكتوريا، في جوار لصيق مع سائر دول الحوض العشر (رواندا و الكونغو الديمقراطية وأوغندا وكينيا وإثيوبيا وإرتيريا وتنزانيا والسودان وجنوب السودان).

مصر بهذه المنزلة لا بد أن تكون مكوّناً فعالاً في كل ترتيبات المنطقة المتشعبة


مصر تشدّها، إذن، روابطها التاريخية ـ الحضارية وروابطها المصلحية ـ الآنية في آن معاً بسائر إفريقيا (إنّ حضارتها القديمة، حسب «أنتي ديوب»، زنجية العصب) ثم هي تشدها روابطها القومية مع سائر أجزاء وطنها العربي الكبير مشرقاً ومغرباً، حيث يرتبط أمنها (الوطني) بأوثق العُرى مع الأمن القومي للأمة العربية ككل. فهل يجوز في ضوء ذلك حشرها في زاوية متوسطية قصوى، تنشد بها قرباً من دائرة ضيقة من الجوار البعيد نسبياً في البحر (قبرص واليونان) ولا نقول إسرائيل؟ يمكن القول إن الدور الذي يراد لمصر أن تؤديه قاصر أو مقصور على الدائرة شبه المتوسطية الضيقة وحدها، فلسوف يبقى لمصر أدوار عدة بسياساتها الخارجية أفريقياً ونيلياً – خاصة إثيوبيّاً – بكل تأكيد. ولكننا نتحدث عن ذلك «الدور المركزي» المتصور - أو المتوهّم - لمصر في إطار الصراع الاستراتيجي القادم على رقعة الإقليم، وهو كما أشرنا غير مرة، دور الوسيط المتوسطي في تجارة الغاز، ونشير إلى أنه – بالتعريف -دور الشريك مع إسرائيل بالذات، ولهذا ما له من مغزى، وأيّ مغزى!
في الخلاصة، ندعو إلى موازنة قوى الجذب بقوى الدفع، أو موازنة الدفع بالاندفاع، عن طريق استراتيجية عُليا توازنية دقيقة، بحكم الموقع والموضع، وبحكم دوائر الانتماء. نشير في هذا المضمار إلى أهمية أن تفرض مصر نفسها شريكاً (دون دعوة) في أي مساومات ومفاوضات جارية أو ستجرى بشأن ترتيبات اللوحة الجيوبوليتيكة الكبرى. وليس يكفي هنا أن تكتفي مصر بنقاط التماسّ المصلحي من قبل «مركز الزلزال» في الشطر المصري من البحر الأحمر وخليجي السويس والعقبة وقناة السويس، وإنما أن تكون «صاحب بيت» أو «أحد أصحاب البيت»، فليست ضيفاً، أو ليست مجرد ضيف. مصر بهذه المنزلة لا بد أن تكون مكوّناً (أقاليميّاً) فعالاً في كل ما يجرى من ترتيبات للمنطقة المتشعبة ذات الأهمية الجيو-استراتيجية في عالم المستقبل التواصلي، ابتداء من مضيق باب المندب، إلى معابر القرن الأفريقي، ثم التعامل مع متغيرات الجوار الأثيوبي على النهر. هذا أولاً.
وثانياً، من مقتضيات التعامل الاستراتيجي لمصر في المنظور القومي أن تجد طريقة ملائمة لتحقيق التواصل والاتصال الفعال مع كل من غزة وليبيا الطبيعية (الموحدة). فأما غزة، فإننا نود أن نذكر أننا لا نشير من قريب أو بعيد إلى ما يشيعه الإعلام الدولي حول الربط بين غزة وسيناء استبدالاً لفلسطين التاريخية، وإنما نؤكد أهمية تفعيل الدور المصري في الربط مع غزة ككل كرأس جسر للنمو الاقتصادي المشترك في إطار التفاعل مع الدولة الفلسطينية المنشودة عبر منظور عربي تكاملي عتيد. ولربما نخاطر بالدعوة إلى إزالة الحواجز القائمة على الحدود بين مصر وغزة، فوراً وإلى الأبد، لخلق (منطقة اقتصادية مشتركة) شأنها شأن المناطق المشتركة على الحدود في كثير من أقاليم الدنيا، دون إغفال الربط مع الدولة الفلسطينية ككل، وفق ما أشرنا للتوّ.
وأما عن ليبيا، فإن الأمر يقتضي مساندة القوى الحية في المجتمع العربي الليبي، مع العمل على فك الحصار الدولي المضروب من حولها، بالتعاضد مع جذور تلك القوى الحية وقواعدها الراسيات، ليس في الشرق فقط حيث الحدود مع مصر، وإنما أيضاً وبالذات في مناطق الغرب (طرابلس العاصمة وما حولها وصولاً إلى تونس والجزائر) والجنوب الشرقي (بالتماسّ مع السودان) والجنوب (تشاد والنيجر). وليس هذا أو ذاك بكافٍ لنا من المنظور القومي والتوجه العروبيّ، ذلك أن إيجاد (مثلث مصري – سوداني – ليبي) هو أمر ضرورى لبناء سياج واقٍ للأمن العربي المشترك، على أن يحيطه الطوق الطبيعي المكوّن من فلسطين والأردن وسوريا، سعياً إلى استعادة الحقوق الفلسطينية في إطار «الحل النهائي» خاصة حق تعزيز المصير، وحق العودة. ومن وراء الطوق سوار يحيط بالمعصم من (الحدود الشرقية للوطن العربي) في شبه الجزيرة والخليج امتداداً إلى العراق، امتداداً إلى الجناح الغربي ـ المغربي، وصولاً إلى نواكشوط، حاضرة موريتانيا ـ شنقيط وخاصرة المحيط.
عند استعادة خلاصة فصل المقال، يثور سؤال رئيسي واجب في هذه الآونة بالذات: إلى أيّ حد يعتبر الصراع الاستراتيجي على رقعة البحار في الإقليم العربي الأفريقي صراعاً حقيقياً: من المحيط الهندي إلى مضيق هرمز وباب المندب وبحر العرب وإلى خليج عدن فالبحر الأحمر إلى خليج السويس وخليج العقبة وقناة السويس ثم إلى بورسعيد ودمياط ورشيد والإسكندرية ناحية الشمال؟ بعبارة أخرى: هل هو صراع «حقيقي» يعكس الثقل الآني والمستقبلي على «قاعدة القوة الذاتية» حقاً؟ أو: هل تعكس عمليات الصراع والتوازن مشاريع وطنية أو قومية على غرار صراعات وتوازنات القوة في (بحر الصين الجنوبي) مثلاً، حيث تتنازع الصين (صاحبة الادعاء الرئيسي بالسيادة على 80% منه) والفيليبين وتايوان وماليزيا واليابان وفيتنام... وأميركا في الخلفية دائماً.. على سبيل المثال؟ هذا ولا نقول: «مبادرة الحزام والطريق» ذات الإطار الاستراتيجي الصيني المتين. أم أن الصراع الراهن في الإقليم العربي-الأفريقي، بقيادة دول النفط، صراع «القوة الجوفاء»، يعكس طموحاً لبسط النفوذ في إطار علاقات التبعية لقوى كبرى على رقعة الإقليم؟
وإنه لحريٌّ بنا - بعد كل ما سبق - أن نذهب جميعاً إلى بناء قاعدة القوة الذاتية العربية وإقامة علاقات توازنية متكافئة مع سائر مكونات «المنطقة العربية-الإسلامية المركزية»، وهذا ما نراه حقاً في أفق المستقبل المرتقب. ولكن هل تجاوزنا في حلمنا العربي، بما قلناه، أم ترانا لم نقل إلا ما يمليه علينا لسان التاريخ الحضاري الممتدّ، وصوت الضمير؟
* أستاذ في معهد التخطيط القومي ـ القاهرة