مات الشاعر اللبناني (الذي كتبَ بـ«اللغا اللبنانيّي»، على قوله وقول مريديه) موريس عوّاد هذا الأسبوع. وصفته محطة «إل. بي. سي» بـ«الفيلسوف»، وزعمت الصحافة اللبنانيّة أنه رُشّحَ لـ«نوبل» في الآداب (لماذا ليس زغلول الدامور مثلاً؟). من فلسفة عوّاد الإيمان بلبنان الصغير الذي لا يعكّره دخولُ مسلمين من البقاع والجنوب إليه (ما علاقة الجنوب «بنا» كان يقول)، كما أنه دعا دائماً إلى طرد كل الشعب الفلسطيني من لبنان لأن الولادة في المخيّمات قضّت مضجعه. مزج عوّاد بين كراهية للفلسطينيّين وكراهية (كنسيّة تقليديّة) لليهود، تماماً على نسق العنصريّة اللبنانيّة الفينيقيّة. مناسبة تذكّر عوّاد هي مقابلة شاهدتُها قبل أيّام للوزير السابق، دميانوس قطّار، وقد ذكّرتني بالحديث عن العنصريّة اللبنانيّة.

لا أعرفُ قطّار ولم ألتقِ به قطُّ، وإن شاهدتُه ذات مرّة قبل سنوات في قاعة انتظار في مطار لندن (بعد فترة قليلة من تعيينه وزيراً في عهد إميل لحّود في عام ٢٠٠٥)، وكان يعضُّ على سيجار فاخر خلتُه بحجم قارورة غاز. قلتُ في نفسي: هل هذا يمثّل فلسفة اقتصاديّة معارضة للحريريّة، كما قرأتُ عنه؟ لكن الحكمَ لا يكون على المظاهر لكن لا أتصوّر شربل نحّاس يعضُّ على سيجار فاخر (بحجم قارورة غاز). ظهر قطّار قبل أيّام على محطة الحريريّة. هو كان قد تحوّلَ، من جملة مَن تحوّلَ، من موقع إلى آخر: من ٨ آذار إلى ١٤ آذار (طبعاً، هو سيقول عن نفسه إنه من المستقلّين، وهؤلاء المستقلّون يكونون أكثر تطرّفاً وأكثر معاداة للمقاومة من ١٤ آذار). هو كان من حصّة لحّود وتحوّل إلى حصّة الحريريّة. وقيلَ عن قطّار في الانتخابات الرئاسيّة الماضية إن اسمه كان مطروحاً من قبل البطريرك الماروني، وهو من المُواظبين على زيارة بكركي. كيف نصنّف المثقفين الذين يواظبون على زيارة رأس الكنيسة (أو الجامع) في طائفتهم؟ ما هو تصنيف غرامشي للمثقّف الذي يلتحق برأس اكليروس طائفته للتقدّم والبروز في السياسة؟ أليس هذا الالتحاق أسوأ من الالتحاق بالزعيم الطائفي؟ أتصوّر نفسي لو أنني أزور المرجع الديني للطائفة التي ولدتُ فيها في زياراتي إلى لبنان؟ ماذا سيكون الهدف منها وكيف يمكن شرحها؟ ولا يمكن التذرّع بالواجب الديني لأن القيام بالطقوس الدينيّة شيء وزيارة المرجع الطائفي الأعلى شيء آخر (سياسيّ). ما علينا، يتسلّق المثقّف سلّم السياسة والمناصب عبر وسائل متعدّدة ومتشعّبة وطريق بكركي تعوّض عن سقوط زعامات الإقطاع الماروني، وتعوَّض أيضاً عن غياب الشعبيّة الاقتراعيّة (لم ينقذ التقرّب من البطريركيّة زياد بارود في الانتخابات النيابيّة الأخيرة).
لكن الموضوع الحالي هو عن العنصريّة - الطائفيّة اللبنانيّة: في فكرة التفوّق الجيني لعنصرٍ على آخر، لعرقٍ على آخر، ولطائفة على أخرى. هذه الفكرة في أساس تكوين (مسخ) الوطن اللبناني. الشاعر موريس عوّاد كان يكرّرُ معارضته لضم الأقضية الأخرى لبيروت وجبل لبنان حسب المشورة الفرنسيّة لأنه لم يرَ ما يجمعه بهؤلاء. والكلام عن الطائفيّة المستشرية، مثل الكلام عن العنصريّة المستشرية هنا، يخفي أحياناً طبيعة العنصريّة عبر الترويج لعنصريّات وعنصريّات مضادة. اليمين هنا مُقتنع أن عنصريّة السود ضد البيض تلغي عنصريّة البيض ضد السود، وأن الطرفيْن تعادلا. لكن لا يمكن التوازي بين العنصريّتيْن لأن واحدة فقط منهما لها تاريخ طويل من العنف المتأصّل ومن السلطة وأدواتها لممارسة القهر الطبقي - العرقي. كيف يمكن أن يمارس الأسود عنصريّته ضد الأبيض (غير في البصق في طعامه أحياناً حيث يعمل نادلاً عندما يسيء زبون ما التعامل معه).

الحديث الطائفي المُرَمَّز في لبنان لا يحتاج إلى تفكيك أو شروح


أما في لبنان، فالكيان المُبارك من الكنيسة بُنيَ على عقيدة طائفيّة تؤمن إيماناً عميقاً بتفوّق العنصر الماروني على المسلمين، أو «الإسلام»، إذ إن المسلمين كانوا يُعرفون باسم دينهم، إذ أنهم دينٌ فقط لا شعب (ويظهر ذلك من أيّام ابن القلاعي إلى يومنا). والاستعمار الفرنسي تبنّى هذه العقيدة العنصريّة وإن لم يأخذها على محمل الجد: الاستعمار الغربي يزعم أنه يفضّل عنصراً محليّاً على آخر فيما هو يحتقرهم جميعاً من دون تمييز، وإن جاهرَ بمناصرة فريق على آخر (ويظهر ذلك هذه الأيّام في تفضيل الاستعمار الغربي عناصر مسلمة على عناصر مسيحيّة في لبنان لأن المعيار هو في درجة الولاء، وآل الحريري ومحمود عبّاس لا يقلّان انصياعاً للاستعمار ومصالحه عن إميل إدّة أو بيار الجميّل). واحتقار العنصر المسلم — شيعيّاً كان أم سنيّاً — لا يزال حيّاً إلى اليوم في العقيدة المؤسّسة للكيان، وإن منعَ التغيير الديموغرافي وتبدّل عناصر القوّة (غير الاقتصاديّة) من المجاهرة بذلك. وقد شهدت بداية «ثورة الملفوف» في ٢٠٠٥ التصريح بمكنونات طائفيّة صارخة عن نوعيّات وكمّيّات بين اللبنانيّة من قبل جبران تويني وبيار الجميّل (أليس من الطريف أن اسم جبران تويني مرتبطٌ اليوم بقسم، طائفي حتماً، يفترض في قراءة سطحيّة له أنه يرمي إلى جمع اللبنانيّين، وهو الذي جاهر بتصنيف نوعي للشعب اللبناني؟). وهذا ما يجمع بين العقيدة الصهيونيّة المؤسّسة للدولة الاحتلاليّة جنوباً وبين تأسيس الكيان الذي ارتبط معه شمالاً (عبر النخبة الحاكمة بطوائفها المختلفة وعبر البطريركيّة بتحالف لم ينقطع - يجب أن يصبح كتاب «المتاهة اللبنانيّة»، عن تاريخ أعوان إسرائيل في لبنان، مُقرَّراً في المنهج الرسمي للبنان). ومضمون العقيدة العنصريّة في الوطنيّة اللبنانيّة ذو شقّيْن: الشق الأوّل طبقي إذ إن المسلمين كانوا مرتبطين (في أذهان أعدائهم) بطوائف دنيا غير متعلّمة، والشق الآخر هو ديني إذ إن العقيدة الدينيّة للطائفيّة —لا الطائفة— المؤسّسة تفترض هلاكاً حتميّاً لأبناء وبنات الطوائف الأخرى المُضَلّلة.
مناسبة هذا الكلام هو ما ورد على لسان قطّار (ومن دون تعليق أو ردود إذ إن البلد كان منشغلاً بمؤامرة الشنكليش المُتفجِّر وبمحاولة اغتيال شُبِّه لراغب علامة أنه تعرَّض لها) في مقابلة على شاشة عائلة الحريري (المدنيّة، إذ أن بعض العائلات الحاكمة تتسم بالمدنيّة فيما تتسم عائلات معارضة لها بالجاهليّة). قالَ قطّار في تلك المقابلة ما يلي بالحرف: «لما بتفوتي على مناطق ما بقى تشبهك». هذه الجملة تصلح لمناقشة مستفيضة يومَ يُقرِّر لبنان وضع منهج جديد لتدريس التاريخ. هذه الجملة وحدها تختصر صراعات طائفيّة وطبقيّة معتملة، وهي لا تختلف قولاً وفكراً عن عقيدة اليمين الغربي العنصري الجديد عندما يعلِّق على مناطق يقطنها مهاجرون، أو هي مثل تعليق العنصريّين البيض في أميركا عن مناطق تقطنها أكثريّة سوداء أو ذات أصل لاتيني. يجب أن نسأل قطّار: مَن أنتم ومَن هم؟ هلّا أفضتَ في الشرح؟
ما الذي أزعجَ قطّار في تلك المناطق وأين تقع؟ والحديث الطائفي المُرَمَّز في لبنان لا يحتاج إلى تفكيك أو شروح. يكفي أن تقول إنهم «لا يشبهوننا» كي تعرف فوراً اسم المنطقة وهويّة سكانها الطائفيّة. هل مثلاً سكّان تلك المناطق عندما مرَّ قطّار فيها في سيارته (وهذا مُستبعد مما بدا منه من نفور نحوها) لم يكونوا يعضّون على سيجار فاخر؟ أم أن أزياءهم لم تماشِ آخر تقليعات الموضة الباريسيّة؟ أم أن لكنة تلك المنطقة لم ترتقِ للكنة مناطق يعتبرها قطّار راقية، وليست أهلاً لتتصف بالهويّة اللبنانيّة التي يقلق عليها؟ وما هو نوع المخاطر التي يرى أن الهويّة اللبنانيّة تتعرّض لها جراء سكّان تلك المناطق التي لا تشبهه ولا تشبه أترابه وطبقة رجال الأعمال والمصارف الذي اعتبر في الحديث نفسه أن الشعب اللبناني مدينٌ لها؟ وكيف يمكن لسكّان تلك المنطقة أن يصبحوا مستحقّين لتلك الهويّة اللبنانيّة التي لا يراها فيهم قطّار؟ هل أن تغييراً في العقيدة يمكن أن يساهم في دمجهم في مناطق تشبه قطّار وصحبه؟
ذكّرني حديثه هذا بتعليق ورد في كلمة ألقاها المؤرّخ السوري، بسام طيبي، في جامعة كاليفورنيا في بيركلي قبل سنوات عندما اعترضَ على المهاجرين الشرق أوسطيّين في الغرب وأنهم يسكنون في غيتوات مُغلقة بدلاً من الاندماج في المدن، لا في ضواحيها. وقلتُ له يومها إن المهاجرين لا يمانعون البتّة السكن في أحياء المدن الجميلة لكن لا قدرة ماليّة لهم على الانتقال لها. وهل المهاجرون في «الضواحي» في باريس يمانعون لو كان سكنهم في الأحياء الفاخرة حيث يمكن لهم استعمال المترو من دون التأثّر المباشر بزيادة الضرائب على المحروقات؟
وهل يعلم قطّار عن تاريخ هجرة هؤلاء الذين لا يشبهونه في لبنان إلى ضواحي مدينة بيروت؟ هل يعلم هو وغيره ممن يعترضون على سكّان الضواحي (ربّما لأنهم لا يشبهونهم، أو ربّما لأنهم يشبهونهم لكن الشبه ذلك يذكّرهم بما هم يريدون أن ينسوه، أي التشارك في الحياة والتشابه في نمط العيش والذي تريد الفوارق الطبقيّة أن تعمّق ترسيخ التراتبية الاجتماعية حوله) خلفيّة وأسباب نزوح المزارعين في لبنان إلى الأرياف؟ الذين يعترضون أنفسهم على سكّان الضاحية هم الذين يريدون من المقاومة أن تسلّم سلاحها كي يُتاح للعدوّ مرّة أخرى أن يدمّرَ مدنهم وقراهم ويُشرَّدهم مرّة أخرى. وحدهم الجاهلون بتاريخ منطقة الجنوب منذ إنشاء الكيان الصهيوني يتعاملون بخفّة مع موضوع سلاح المقاومة ويثقون أنه كان بإمكان جان قهوجي أو ميشال سليمان صدّ العدوان في تمّوز —وما قبله وما بعده.
دميانوس قطّار ليس شخصاً بقدر ما هو يمثّل فئة من المثقّفين الذين يتنقّلون بين المواقع برشاقة ما بعدها رشاقة. مَن بقي في صف إميل لحّود من بين الوزراء الذين كانوا من حصته؟ طارق متري انتقل بقوّة إلى ١٤ آذار، كما انتقل صديق لحّود الأقرب، شارل رزق (بعدما لوّحَ له آل الحريري بكرسي الرئاسة)، وانتقل قطّار معهم. هل يظنّ هؤلاء أن الأرشيف أزال من صفحاته تصريحات ومقابلات لهؤلاء في مديح المقاومة وفي انتقاد الحريريّة وفي دعم إميل لحّود؟ وانتقال المثقّفين والإعلاميّين يكون دائماً في وجهة واحدة: من صف فريق المقاومة أو الممانعة أو ٨ آذار إلى صف ١٤ آذار، أو صف المستقلّين (أي الذين هم على يمين ١٤ آذار ومن ضمن المحور السعودي). ويُقال لنا إن الانتقال طبيعي وإن ذلك سمة تطوّر فكري وذهني عميق. لو كان الأمر كذلك، لماذا يكون الانتقال والتقلّب والبهلوانيّة دائماً في وجهة وحيدة —نحو المحور السعودي - الغربي حيث المنفعة تعمّ؟ ويقال لنا أيضاً إن لإيران وسائل إعلام تابعة لها في العالم العربي. صحيح، لكن نسبة الإعلام المملوك أو المُمَوَّل إيرانيّاً ضئيل جداً مقارنة بالإعلام المملوك من النظام السعودي أو القطري أو الإماراتي وتوابعهم. ومرتّبات الإعلام الإيراني لا تجذب إلا العقائديّين، أي أن عنصر الانجذاب المادّي لا يسود هناك كما يسود في الطرف الآخر. لا يمكن أن يترك أحدٌ ما وسيلة إعلام سعوديّة أو قطريّة مقابل مرتّبات أعلى في إعلام محور الممانعة، مثلاً. ثم لو أن الناس تتغيّر فلماذا التغيّر يكون بهذه السرعة عندما ينتقل إعلامي أو مثقّف من وسيلة إعلاميّة إلى أخرى «نفطيّة» أو «غازيّة»؟ وهؤلاء لا يشرحون لنا كيف كانوا في ٨ آذار وفي محور المقاومة (وفي وسائل إعلامها) ثم امتهنوا ذمّ المقاومة ومحورها بمجرّد انتقالهم إلى محور النظام السعودي أو القطري أو الغربي. والأمر نفسه ينطبق على فئة المثقّفين ذوي الطموحات السياسيّة: كيف يكون الوزير منضوياً في محور المقاومة في حكومة إميل لحّود ثم يصبح ضدّها عندما يطمع بوزارة جديدة أو برئاسة الجمهوريّة وبتزكية من المرجع الديني للطائفة؟

وحدهم الجاهلون بتاريخ الجنوب يتعاملون بخفّة مع موضوع سلاح المقاومة


لا، ويُشكَّك قطّار بهويّة هؤلاء، الذين لا يشبهونه، وينتقص من هويّتهم اللبنانيّة كأن هناك من يستحق قسطاً من الهويّة أكثر من غيره. وفي تاريخ الأوطان، يتنعّم بقسط وافرٍ، أو أوفر، من الهويّة هؤلاء الذين يقاومون الاحتلال ويصدّونه ويردّونه على أعقابه. هؤلاء أطعموا اللبنانيّين طعم السيادة الحقيقيّة لا فريق الجبهة اللبنانيّة والقوّات اللبنانيّة وتوابعهما الذين استنجدوا تدخّل النظام السوري في عام ١٩٧٦ ثم تدخّل العدوان الإسرائيلي في سنوات لاحقة. وهؤلاء المقاومون، عند قطّار، لا يريدون الحريّة في مفهومه للهويّة اللبنانيّة. كيف تتكرّس الحريّة؟ بإلحاق البلد بالنظام السعودي فيما تتركّز كل أنظار العالم حول جرائم النظام السعودي؟ ومن الطبيعي جدّاً في لبنان أن تجري مقابلة لأكثر من ٤٠ دقيقة ويتم فيها التطرّق إلى تدخّلات خارجيّة في لبنان من دون ذكر خبر اعتقال سعد الحريري وضربه وصفعه وإهانته في الرياض، وإجباره على تلاوة بيان أُعدَّ له. هذه سابقة لم يسبق النظامَ السعودي عليها النظام السوري في عزّ تدخّلاته وجبروته وجرائمه في لبنان. لكن الإشارة إلى ذلك من الممنوعات عند المتشدّقين بالحريّة —أو بنسق معيّن للحريّة - لا يعني إلا حريّة رأس المال.
وقطّار يفسّر الدستور بأنه يمنع قول «لا» للحريري. أما ضرب الحريري وصفعه وإجباره على الاستقالة فهذا لا يتناقض لا مع الدستور ولا مع سيادة لبنان. لكن المقاصد الطائفيّة لقطّار تتبدّى واضحة في الحديث عن نأي هؤلاء، الذين لا يشبهونه، عن الدولة إذ أنهم لا يدفعون ضريبة حسب قطّار. والمُحاوِرة في محطة الحريري لا تترك مجالاً للشك في الحوار في ما يحاول قطّار الاستعانة باللغة المُرَمَّزة التي يفهمها كل اللبنانيّين واللبنانيات من دون استثناء، إذ هي تربطُ فوراً أي حوار في أي موضوع بالسلاح وبحزب الله (ويجيبها قطّار مُشوِّهاً آخر خطاب لنصرالله بأن الأخير قال إنه يريد استعمال فائض القوّة). والحديث عن الضريبة مضحك في لبنان إذ أن التهرّب الأكبر من الضريبة ليس في بعلبك أو الضاحية، كما قصدَ قطّار، وإنما من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة وأصحاب المصارف. كم من الضرائب يدفع آل الحريري في لبنان؟ وعندما تضاعفت ثروة رفيق الحريري أربع مرّات أثناء تمرّسه في السلطة (عندما كان يُقارع النظام السوري للبنان من السراي الحكومي، حسب التاريخ الجديد للبنان)، هل قام بدفع ضرائب عن تلك الثروة؟ أم أن ذوي الدخل المحدود من طائفة واحدة هم وحدهم الذين يحرمون الدولة من نعمة الضريبة؟
وتحدّث قطّار عن «الطائفة الشيعيّة الكريمة» (لماذا يكون ذم الطوائف دوماً مُصاحَباً عند المتكلّمين بوصف الطائفة بأنها «كريمة»، لعمري؟) بأنها تريد أن تتمدّد في السلطة. لكن ما هي مظاهر تمدّد هذه الطائفة «الكريمة»؟ وهل أن التمدّد يجب أن يبقى حكراً على الطائفة المتفوّقة؟ والصراع بالنسبة له (ولمُحاوِرته) يكمن في الصراع على نمط الحياة نفسه. أي إن هؤلاء لا يريدون نمط حياة اللبنانيّين أنفسهم. يكاد الحديث يذكّر بحديث العرق الأبيض (النازي أو غيره) عن الأقليّات اليهوديّة في الثلاثينيّات أو عن المهاجرين المسلمين اليوم في أوروبا. وعندما سألته المُحاوِرة إذا كان هناك رغبة عند البعض في تأسيس ثنائيّة مسيحيّة - شيعيّة، نفى إمكانيّة الثنائيّة وردَّ بأن الحكّام الموارنة عند تأسيس الكيان استعانوا بـ«المستوى الذي كان أكثر تطوّراً في وقتها (يقصد عند المسلمين) أي المجتمع العربي الفائض، اللي هو المجتمع السنّي». ولماذا يكون السنّة مجتمعاً عربيّاً فائضاً؟ فائض على ماذا؟ والتطوّر الذي يتحدّث عنه، ما معياره ومن يقيسه؟ وهل كان هؤلاء الأكثر تطوّراً عند المسلمين في حينه يشبهون الأكثر تطوّراً في لبنان إجمالاً؟
استفاض قطّار في الحديث عن مواقف بكركي وعن نصوص مجامعها كأنها دستور سياسي منزل. والطريف أنه قطعَ في الحديث أن «الإسلام (قصده المسلمين) ما بيقدروا كليّاً يفصلوا» بين الدولة والدين. هل استقى معلوماته عن المسلمين من أدبيّات الاستشراق التقليدي الذي عفَّ عليه الزمن والذي أصبح منبوذاً حتى في الأكاديميا الغربيّة؟ وما قاله إدوار سعيد عن الاستشراق ينطبق على اعتناق بعض الطائفيّين في لبنان لمفهوم الفصل المعرفي بين المسلمين والمسيحيّين. ماذا عن ملايين المسلمين الذين يعيشون في دول غربيّة تفصل بين الدين والدولة (أو تزعم أنها تفعل ذلك، خصوصاً في ما يتعلّق بالمسلمين)؟ هل المسلمين في أميركا يعانون نفسيّاً ودينيّاً لأنهم - بحكم قطّار - لا يستطيعون أن يمزجوا بين الدين والدولة؟ ثم قطّار قالَ إن بكركي تؤمن بفصل الدولة عن الدين. لا، بكركي تؤمن بفصل الديموغرافيا عن الدولة تحت مسميّات مختلفة. لم تطالب بكركي بفصل الدين عن الدولة إلا بعد أن استحال طمس الحقيقة الديموغرافيّة عن أوزان الطوائف العددية. ثم إن فصل الدين عن الدولة —وهو محمودٌ عندي— يعني التخلّص من امتيازات معنويّة وسياسيّة وماليّة وضريبيّة هائلة تحظى بها المؤسّسات والمراجع الدينيّة، بما فيها المرتّبات التي تغدق الدولة عليهم بها. الفصل بين الدين والدولة يمنع مجالس المطارنة من إصدار بيانات شهريّة حول كل مفاصل الحياة السياسيّة اللبنانيّة. هل تريد بكركي هذا الفصل؟
تشعّبَ الحديث وطلع قطّار بنظريّة عن الوضع اللبناني مفادها أن هناك في لبنان مَن يولّي الاقتصاد على أي شيء آخر (سعد الحريري)، وهناك مَن يولّي السياسة (الطائفة التي لا تشبهه). أي فهم للسياسة وللاقتصاد هو هذا؟ وهل أن الاقتصاد الذي ينشده الحريري (ودول الغرب، أو «المجتمع الدولي» كما يسمّونه في لبنان) لا سياسة فيه؟ هل كان رفيق الحريري لا سياسيّاً؟ وفي المقابل، هل الفريق المقابل لا رأي له في السياسة وهو يريد الكوارث الاقتصاديّة التي يهوّلون بها على مَن يعارض مشيئة مصرف لبنان والبنك الدولي، والدول التي وراءه؟
سيكتب تاريخ الصراعات الطائفيّة والمذهبيّة في بلادنا. لن يكون لأحمد الأسير أو حتى لقادة تنظيمات متطرّفة سيرٌ بارزة فيها. الأمراء والشيوخ ومُن استخدموا من إعلاميّين (مدنيّين) ومثقفين (مدنيّين)، هؤلاء سيحظون بالتنويه الأبرز. هؤلاء يعرفون كيف يغلّفون التحريض الطائفي بلغة المنظمات غير الحكوميّة في الغرب. هؤلاء يشبهون بعضهم البعض في تشبّههم المستحيل واليائس بالرجل الأبيض. هؤلاء قالت عنهم «نيويورك تايمز» ذات يوم ساخرةً: إنهم يقطنون لبنان لكنهم يظنّون أنهم أوروبيّون تائهون في الشرق. لعلّهم يعودون ذات يوم كي ينتهي عذاب التيه.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)