لقد كان للاستعمار باعتباره أعلى مراحل الرأسمالية، كما عرّفه لينين، تأثير كبير في الصراع الطبقي داخل البلدان المستعمِرة (بالكسر). فقد أتاحت الثروات المنهوبة من المستعمرات فرصة تحقيق مستويات معيشة مريحة نسبياً لشعوب تلك البلدان، ما خفض إلى حدّ كبير حدّة الصراع الطبقي فيها (على حساب شعوب البلدان المستعمَرة). وفي سياق هذا التطور، وكذلك في سياق الصراع الطبقي على المستوى الدولي الذي كان معبراً عنه بانقسام العالم إلى معسكرين، طورت البلدان الرأسمالية نظاماً اجتماعياً تخلت فيه الطبقة الرأسمالية عن حصة لا بأس بها من الحقوق للطبقة العاملة، وهذا ما بات يعرف بنظام الرعاية الاجتماعية، وقاعدته الرئيسية هي أن يُقتطع من راتب العامل مبلغ معين (كنوع من الادّخار الإلزامي) على أن يُقتطع مقابله ما يوازيه (أو يزيد عنه في بعض الأحيان) من رب العمل، وتُجمع الأموال المقتطعة في صندوق الضمان الذي يتكفّل بالإنفاق على التأمين الصحي وتعويضات البطالة والتقاعد وغير ذلك من الضمانات الاجتماعية التي وفّرت ما يعرف بالرعاية الاجتماعية المتقدمة في البلدان الرأسمالية. وقد لعب هذا النظام دوراً مهماً في تخفيض حدة الصراع الطبقي، وكبح الصعود الكبير للحركات الشيوعية واليسارية الذي شهدته البلدان المُشار إليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

غير أن تطورات كثيرة ومؤثّرة قد أصابت هذه المعادلة في العقود الأربعة الأخيرة، أبرزها:
1- انهيار المعسكر الاشتراكي وما رافقه من انتكاس كبير للأحزاب والحركات الشيوعية واليسارية والعمّالية في مختلف أرجاء العالم. وكان لهذا التغيير الجذري تأثير كبير في موازين القوى الطبقية داخل البلدان الرأسمالية، إذ حرَّرَ رأسماليي تلك البلدان من مخاوف وتحدّيات اجتماعية كبيرة بكل ما كانت تفرضه عليهم من حسابات، ما جعلهم أكثر جرأة على ممارسة سياسات واتخاذ إجراءات (تحت ذرائع مختلفة) تقضم بالتدريج تلك الحقوق التي كانت متوفرة للعمال في المراحل السابقة.
2- حدثت تطورات تقنية كبيرة جداً أدخلت تعديلات جذرية على وسائل العمل، ما قلص إلى حدود كبيرة مدى الحاجة إلى الأيدي العاملة. فبدأت عمليات الإصلاح والتطوير وإعادة الهيكلة تتيح لأرباب العمل فرص التخلي عن أعداد كبيرة من العمال (أحدث الأمثلة على ذلك إعلان شركة «جنرال موتورز» الشهر الماضي عزمها إغلاق خمسة مصانع في الولايات المتحدة وكندا، ما سيؤدّي إلى تسريح قرابة خمسة عشر ألف عامل، وتخفيض رواتب عشرين ألفاً آخرين بنسبة 15%). وترافق هذا التطور مع ظاهرة نقل وسائل الإنتاج ذات الحاجة إلى أيدٍ عاملة بشرية من البلدان الرأسمالية إلى بلدان العالم الثالث حيث تتوافر الأيدي الرخيصة، وهذا ما نجم عنه مباشرة تقلص مداخيل صناديق الضمان الاجتماعي بتقلّص عدد العمال واقتطاعاتهم وما يرافقها من تقلّص ما يدفعه أرباب العمل لتلك الصناديق في المقابل! كما أن هذه التطورات في وسائل الإنتاج وتقنياتها أدت إلى تغيير كبير في طبيعة الطبقة العاملة الحديثة، لا من حيث تقلص أعدادها فحسب، بل من حيث التغير الذي طرأ على مواقعها من وسائل الإنتاج، إذ بات يغلب عليها الطابع الإداري والفني (وأصحاب الياقات البيضاء) على حساب الكتل الكبيرة من أصحاب العمل اليدوي وثياب العمل الزرقاء (أو البروليتاريا بالمعنى التقليدي)!
3- حققت الرعاية الصحية المتطورة نجاحاً كبيراً في إطالة عمر البشر ما زاد نسبة المسنين في المجتمع بكل ما يزيده ذلك من أعباء وتكاليف على صناديق الضمان الصحية والاجتماعية.
4- ترافق هذا كلّه مع تغيير كبير في هيكلية البنى الرأسمالية نفسها، إذ تقدم بشكل لا يقاس دور الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات (على حساب ما كان يُعرف تقليدياً باسم الرأسمالية الوطنية) وتعاظم دورها السياسي وطنياً وعالمياً، فشهدنا في العقود الثلاثة الأخيرة خاصة نوعاً من الانفصام بين النشاط السياسي الوطني كله (الحاكم والمحكوم)، وبين مراكز النفوذ المالية والاقتصادية العابرة للحدود (كمؤتمرات السبعة الكبار والعشرين ومنتدى دافوس وغيرها)، مع أن مخططات الأخيرة ونشاطاتها هي التي تلعب الدور الحاسم في رسم وإدارة المخططات والقرارات الكبرى المؤثرة في الحياة الاقتصادية والسياسة الوطنية.
هذا التغيير في الأدوار واحتلال الشركات المتعددة الجنسية مواقع القيادة على الصعيد العالمي أحدثا تغييراً كبيراً في طبيعة الطبقة الرأسمالية نفسها، وحققا نوعاً من الفصل المكاني (الجغرافي) بين أرباب العمل الحقيقيين الذين هم المصارف والبيوتات المالية الكبرى وبين العاملين لمصلحة الطبقة الجديدة (السامية) في مختلف أنحاء العالم. كما أن هذه الشركات الكبرى، برغم أرباحها الفاحشة، لم تعد تدفع ما تدفعه الشركات الوطنية المحلية من مساهمات في صناديق الضمان إلا ما يستحق على الأعداد القليلة من الموظفين والعمال الذين ما زالوا تابعين لها في الوطن الأم، وهذا الأمر أضعف بدوره قدرة تلك الصناديق على تحمّل مسؤولياتها.
أكثر من ذلك، يجري حساب أرباح هذه الشركات الكبرى في سياق نموّ الدخل القومي للبلاد، فيعلن أن هذا النمو يحقق تقدماً سنوياً، في حين أن النمو الحقيقي لدخل البلاد هو سلبي بالفعل، تتضاءل معه واردات الدولة سنة بعد أخرى! (ازداد الدين العام في فرنسا خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة ـــ الرئاسات الثلاث ساركوزي هولاند وماكرون ـــ من 1000 مليار يورو إلى 2500 مليار يورو)! في ظل كل هذه المعطيات، نجد أن الحكومات الوطنية (طبعاً بالمعنى المحلي) لم تعد أكثر من صنيعة بين أيدي الشركات الدولية الكبرى ذات النفوذ السياسي والمالي والإعلامي (يسيطر تسعة مليارديريين على الإعلام الفرنسي كله تقريباً!)، فهذه الشركات هي التي تشرف على «تصنيع» الزعماء السياسيين المحليين والترويج لهم والإنفاق على حملاتهم الانتخابية، ومن ثم على رسم وتنفيذ برامجهم السياسية والاقتصادية في سدة الحكم!
ولعل أهم المعادلات الاقتصادية ــــ الاجتماعية التي جرى قلبها رأساً على عقب في هذا المسار هي معادلة القدرة الشرائية في تحفيز الاستهلاك ومن ثم رفع مستوى الإنتاج الوطني. فبينما كان السائد في الفكر السياسي ــــ الاقتصادي (زمن الرعاية الاجتماعية) أن زيادة القدرة الشرائية للمواطنين عامة تحفز على المزيد من الاستهلاك وتؤدي في النتيجة إلى زيادة الإنتاج وتحقيق مزيد من النمو والازدهار، جاءت المدرسة النيوليبرالية «الريغانية ـــ التاتشرية» بمفهوم مناقض كلياً لهذه المعادلة، بأن رأت أن تقديم تسهيلات إلى أصحاب رؤوس الأموال (بتخفيض الضرائب والمتوجبات الاجتماعية وتسهيل عمليات التسريح والتلاعب بالحد الأدنى للأجور وغير ذلك) يشجعهم على ضخ المزيد من رؤوس الأموال في سوق العمل، ما يحقق زيادة في الإنتاج ويرفع مستوى النمو ويحقق الازدهار، ليعود الاقتصاد إلى تحقيق قدرة أكبر على التوظيف من جديد!
لم يعطِ أرباب هذا الانقلاب النيوليبرالي أي اهتمام للأزمة الاجتماعية الخانقة التي أحدثتها هذه السياسة على آلاف العمال المحليين الذين شرّدتهم، لأنها لم تكن تنظر إلى الأمر عبر مجالها الحيوي الداخلي بقدر ما كانت تنظر إليه عبر نتائج سياساتها على المزاحمة في سوق الاستهلاك العالمي (بمعنى أدق: كانت تضحّي بمستوى معيشة عمال بلدانها من أجل تحقيق قدرة أكبر على المنافسة وضمان أرباح أكثر للشركات الكبرى في السوق الدولية المعولمة)!
لقد أصبح الهم الأول للحكام الليبراليين الجدد كيفية دعم الشركات الكبرى في الأسواق الخارجية ومساعدتها على اقتحام تلك الأسواق وضمان الاستثمارات المجزية فيها وتحقيق الأرباح الطائلة. لقد تحول الحكام إلى مجرد سعاة في خدمة تلك الشركات، فهي التي تكلفهم المهمات الخارجية وتشرف على جولاتهم وزياراتهم في أرجاء الكرة الأرضية. ولعل أغرب ما فعله الرئيس إيمانويل ماكرون الذي جاء إلى السياسة من مطابخ المصارف إقدامه على إلغاء الضريبة التي كانت تفرض على الثروات الطائلة!
وكان طبيعياً في ظل هذه السياسات أن يتقلّص الدخل الوطني ويزداد عجز الدولة عن فعل مهماتها الاجتماعية، وقد لجأت الحكومات (اليمينية واليسارية!) الخاضعة لهذه المعطيات الجديدة إلى محاولة سد هذا العجز بطرق عدة:
أولاً: خصخصة الكثير من المؤسسات التي كانت تملكها الدولة وبيعها للقطاع الخاص التابع للشركات الكبرى وتوفير محفزات له بدعوى السماح بإعادة الهيكلة وإجراء الإصلاحات الإدارية والإنتاجية.
ثانياً: تقليص الإنفاق على الخدمات العامة، وفي مقدمتها التقديمات الاجتماعية بحجة السعي لتخفيف العجز، وأول ضحايا هذه السياسة هو الضمان الصحي الذي جرى تخفيض ما يقدمه من تعويضات وإلزام المواطنين باللجوء إلى شركات التأمين الخاصة لسد الفوارق بكل ما يفرضه ذلك عليهم من أعباء مالية!
ثالثاً: فرض ضرائب جديدة غير مباشرة (تصيب المواطنين عامة) كما جرى أخيراً مع قانون ماكرون لفرض رسوم على المشتقات النفطية تحت ذريعة تشجيع الانتقال إلى مركبات جديدة صديقة للبيئة! وهو القانون الذي أشعل التحركات الشعبية الحالية في فرنسا.
من الطبيعي أن يسود، في ظل هذه التطورات الاقتصادية والسياسية، نوع من الشعور العام بأن النشاط السياسي الوطني (الحاكم منه والمحكوم بكل أحزابه ورجالاته) قد بات غير ذي جدوى! فكله يدور ضمن إطارات تقليدية تتعلق بالشؤون المحلية التي لم تعد لها صلة بمواقع صنع القرارات المصيرية التي تتأثر بها حياة الناس، وهذا ما يفسر ظاهرة تضاؤل دور القوى السياسية الحزبية والنقابية (خاصة التقليدية منها يساراً ويميناً) واتساع مساحات العزوف عنها حتى على صعيد المشاركة في الانتخابات العامة!
وفي الوقت الذي تواصل فيه الهياكل الحزبية والنقابية التقليدية «حياتها» بالقوة النابذة كأن شيئاً لم يكن (رغم التدهور السريع والكبير في حجومها وفعالياتها وتراجع أدوارها نحو الهامش الاجتماعي)، يصبح من الطبيعي أن يتولد عن هذه الأزمة العامة وعن هذا العزوف نوع من البحث عن وسائل جديدة لمواجهة واقع الحياة المتدهور تدريجياً في هذه البلدان التي كانت تعتبر نفسها نموذجاً عالمياً ناجحاً للرفاه والاستقرار!
في ظل هذه المستجدات، تزداد الهوة بين العامة من المواطنين وبين التشكيلات السياسية والنقابية التقليدية. وهذا ما يتيح الفرص الواسعة لبروز قادة وزعماء من خارج تلك التشكيلات التقليدية، قادة وزعماء ينجحون في مخاطبة النقمة لدى الجمهور العام الواسع (هذا ما جرى التعبير عنه خلال السنوات الماضية في الفوز غير المتوقع لرؤساء وحركات بدوا طارئين على الحياة السياسية العامة كالرئيس الأميركي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون).
واللافت أنه في سياق هذا الغضب العام ينمو اتجاه «وطني» معارض للعولمة، يعود إلى طرح برامج وسياسات «حمائية» انكفائية عما كان عنوان مرحلة العولمة. وما من شك في أن النموذج الأبرز لهذه السياسات هو دعوات ترامب لاستعادة رؤوس الأموال من الخارج بهدف خلق فرص العمل في الداخل، ولجوؤه المتكرر لفرض العقوبات والضرائب على المستوردات من الأسواق الخارجية (المغايرة جذرياً لسياسة حرية التجارة التي قادتها الولايات المتحدة في السابق وكانت العنوان الأبرز لعملية العولمة).
غير أن هذه القيادات الجديدة، التي هي أيضاً ولادات شرعية من بطن الرأسمالية المعولمة، سرعان ما تثبت أن «الغضب الشعبوي» الذي ترفعه سلماً للوصول إلى قمرة القيادة، سيكون أكثر عجزاً عن حل المشكلات المعقدة التي يواجهها النظام الرأسمالي في هذه المرحلة الجديدة والمصيرية. وهذا ما يؤدي بسرعة كبيرة إلى اتساع دائرة الغضب الشعبي العام وتنامي الحركات والهبات والانتفاضات الشعبية، اليمينية منها واليسارية، التي لا يستبعد أن تتخذ في أحيان كثيرة طابعاً فوضوياً، لكنها تشكل بالتأكيد إرهاصاً ينبئ بولادة مرحلة جديدة من الحياة السياسية المناسبة للأوضاع الجديدة والملبية لتحدياتها!
إننا، دون شك، أمام ظاهرة بالغة الأهمية في هذه المرحلة، هي عودة الصراع الطبقي مجدداً إلى بلدان المركز الرأسمالي، إنما بصور جديدة يتأتى عنها بالضرورة ولادة أساليب وتنظيمات سياسية ونقابية مختلفة عما كانت تعرفه هذه البلدان في المراحل السابقة!
* كاتب سوري