في تاريخ الثورة الفلسطينية ورجالاتها الذي لم يكتب بعد، يأتي كتاب بسام أبو شريف عن الراحل وديع حداد (وديع حداد ثائر أم إرهابي؟ بيروت، دار رياض الريس، 2014) كسحابة ماطرة على أرض قاحلة. فهذا الرجل الذي شكّل ظاهرة نادرة، لم يوفَ، وعلى الأغلب لن يوفى حقه كاملاً، فبعض أسراره، والتي هي من أسرار هذه الثورة، مضت على الأغلب معه ومع كثير من رفاقه الذين رحلوا، من قبله أو من بعده. في حياته، وهو الكتوم بامتياز عكس كثير من قادة الثورة «المسحوبين من لسانهم»، كان حداد لغزاً، وبعد مماته ظل أسئلة بلا جواب.


حداد رجل استثنائي بكل المعايير والمقاييس فلسطينياً وعربياً، بل ودولياً. هو أحد ثلاثة أسسوا حركة القوميين العرب في بيروت وعمان ودمشق (مع جورج حبش وهاني الهندي)، والتي كانت بفضل تحالفها مع عبد الناصر حتى عام 1967 إحدى أهم حركات التحرر الوطني العربية في الخمسينيات والستينيات. وحتى بعد حلها، فقد فرخت امتدادات تنظيمية وأيديولوجية عربية مهمة و(خصوصاً في فلسطين، اليمن الجنوبي والكويت). بعض هذه التنظيمات كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لا تزال تكافح حتى اليوم على أرض فلسطين المحتلة، وإن خفت بريقها القديم إلى حد كبير.
لكن أهمية هذا الرجل الذي ضرب، في حياته الخاصة والعامة، كرفيق دربه وصديق عمره جورج حبش، المثال الأنصع على عمق الالتزام والتفاني في سبيل شعبه، حتى اغتياله مسموماً في بغداد عام 1978، تكمن في قيادته فرع أو جهاز «العمليات الخارجية» في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي بناه وأداره وديع حداد من الألف إلى الياء منذ عام 1968. صمم حداد الجهاز ليكون «اليد الضاربة الثورية» للجبهة ضد مصالح وأهداف إسرائيلية أو غربية حليفة لها، في كل أنحاء العالم وليس فقط على أرض فلسطين المحتلة التي شُردت عائلته منها عام 1948 كغالبية الشعب الفلسطيني (عائلة وديع حداد شردت من صفد بعد سقوطها في مطلع أيار/ مايو 1948 وعائلة جورج حبش شردت من اللد بعد سقوطها في منتصف تموز/ يوليو 1948).
تجربة التهجير القسري البشعة للشعب الفلسطيني، كتطهير عرقي وتدمير اجتماعي وحضاري، غير المسبوقة في حجمها في القرن العشرين، تركت بصماتها وشكّلت وعيَ من سيصبحون القادة الجدد للحركة الوطنية الفلسطينية منذ منتصف الخمسينيات وحتى اليوم، أكانوا من حركة فتح أم حركة حماس أم الجبهة الشعبية (أبو جهاد من الرملة، وصلاح خلف من يافا، وأحمد ياسين من جورة عسقلان، وأبو يوسف النجار وعبد العزيز الرنتيسي من يبنا، وكمال عدوان من برير، خالد وهاني الحسن من حيفا، وممدوح صيدم من عاقر، وعبد الفتاح حمود من التينة... إلخ).
تركزت أعمال فرع العمليات الخارجية على خطف الطائرات ومهاجمة مطارات إسرائيلية وتفجير أنابيب نفط لشركات غربية ومهاجمة شخصيات صهيونية داعمة للكيان الصهيوني مالياً. لكن شهرة هذا الجهاز بنيت بالأساس على ظاهرة خطف الطائرات التي كان يراد لها أن تحقق ثلاثة أهداف:
أرادت الجبهة من هذه العمليات، ذات الطنة والرنة إعلامياً، أن تعيد ظهور الشعب الفلسطيني المغيّب إلى واجهة المسرح الدولي.
كما أرادتها أداة مقايضة لتحرير مناضلين فلسطينيين تلقّوا أحكاماً قاسية جداً من سجون الاحتلال. لاحقاً تضمنت قائمة المطالب مناضلين فلسطينيين وأجانب من سجون غربية.
في مرحلة لاحقة ومتأخرة (1972) أرادها وديع حداد أداة تمويل مالي للجبهة، التي لم تجد من يموّلها، وكانت تعاني من أزمة مالية خانقة عكس حركة فتح التي أغدقت عليها الأموال، وخصوصاً من دول وهيئات خليجية.
العمليات الخارجية انطلقت من تحليل بسيط تبنّته وأعلنته الجبهة الشعبية، مفاده أن العدو الإسرائيلي ذو طبيعة خاصة، يستمد شرايين حياته من دعم قوى غربية استعمارية ساهمت في تحقيق مشروعه ماضياً وحاضراً بوصفه رأس حربتها بالوكالة، وعليه، فإن ضرب هذه الشرايين والمصالح هو هدف شرعي تجاه عدو بدأت أياديه الطويلة تتجاوز حدود فلسطين، لتفرض هيمنتها وأجندتها الاستعمارية على المنطقة العربية بأسرها وضد حركة التحرر العربي بأسرها.
سرعان ما أصبحت الظاهرة في عهد عولمة السفر والانتقال مثار قلق إسرائيلي وغربي بل وحتى كوني.
لا أحد يجادل في صواب هذا التحليل النظري لجذور إسرائيل الاستعمارية وامتداداتها، لكن ترجمة ذلك، من خلال عمليات خطف الطائرات الاستعراضية هنا وهناك، كان ساذجاً من ناحية فهمه لمفهوم المصالح الغربية، وغير ملمّ بقواعد اللعبة الدولية من ناحية أخرى، عدا عن آثاره السلبية البعيدة المدى على القضية الفلسطينية بشكل عام، وعلى تطور الجبهة الشعبية نفسها بشكل خاص.
يقدم لنا بسام أبو شريف، بفضل علاقته بالجهاز رواية مشوّقة من الداخل لفرع «العمليات الخارجية» وبعض عملياته وخصوصاً عملية الخطف الجماعي لأربع طائرات غربية وواحدة إسرائيلية في مطلع أيلول/ سبتمبر 1970 (الفشل كان نصيب محاولة خطف الطائرة الإسرائيلية من مطار هيثرو/ لندن بقيادة ليلى خالد والنيكاراغوي الساندينستي اليساري باترك أرغويلو). وهي العملية التي وفرت غطاءً وضوءاً أخضر دولياً لضرب المقاومة الفلسطينية في أيلول 1970 بعدما كان النظام الأردني قد وفر عبر سنوات من الإعداد الغطاء الشرق أردني والعربي.
ثقافة بسام أبو شريف الأنغلو _ ساكسونية ولغته الإنكليزية المتمكنة، سمحتا له بإقامة علاقات واسعة مع صحافيين غربيين (من خلال عمله في مجلة «الهدف» الناطقة باسم الجبهة الشعبية والتي كان رئيس تحريرها الشهيد غسان كنفاني). لهذا السبب ولكونه أحد كوادر الجبهة المتميزين، اختاره وديع حداد متحدثاً وناطقاً باسم بعض هذه العمليات. ولهذا السبب، تشكل المعلومات التي يقدمها رواية غنية بالتفاصيل من الداخل لأحداث تمت تغطيتها في حينه من قبل وسائل الإعلام، لكنها كانت عاجزة بالطبيعة عن معرفة كثير من الأسرار الداخلية المهمة، وخصوصاً كيف تم تخطيط هذه العمليات وتنفيذها.
لكن من الواضح، من خلال رواية بسام، أن ارتباطه المتأخر نسبياً بالجهاز (في صيف 1970) لم يسمح له بالاطلاع على كثير من التفاصيل الخاصة بالمراحل الأولى، وخصوصاً عملية المخاض التي أدت إلى ولادة «الجهاز»، ولا عمليات «الجهاز» الأولى (خطف طائرة إل عال إسرائيلية إلى الجزائر في أواخر تموز/ يوليو 1968 ومهاجمة طائرة إل عال أخرى في مطار زيوريخ في شباط/ فبراير 1969... إلخ). وهل كان لتأسيس «الجهاز» علاقة بالصراع الداخلي في صفوف الجبهة، بين ما سمي تبسيطاً في حينه بيمين ويسار والذي يعكس في الحقيقة الصراع بين جناح بقيادة وديع حداد أصرّ على استمرار تبني الجبهة للخط القومي «الرومانسي» لحركة القوميين العرب (الحركة الأم)، في مقابل خط آخر داخل الجبهة بقيادة نايف حواتمة دعا إلى التخلي عن هذا الخط وتبني الماركسية اللينينية، وهو ما أدى لاحقاً إلى انشقاق الجناح اليساري في 21 شباط/ فبراير 1969 وتأسيسه للجبهة الديموقراطية (الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين). هذا الارتباط المتأخر بالجهاز، انعكس في فجوات كثيرة من رواية بسام عن التجربة.
كان من الممكن أن يتجاوز بسام أبو شريف هذه الفجوات وغيرها لو أنه جمع شهادات من أشخاص آخرين، وخصوصاً ممن عاصروا التجربة من قبله، لكن الكتاب ليس ببحث أكاديمي، يسعى إلى توثيق تجربة من كل أبعادها، بقدر ما كان محاولة رد اعتبار لمناضل جاد بحياته _ رغم ما يمكن أن يؤخذ عليه _ بصمت وعز وجلال. وهو أيضاً محاولة رد اعتبار لبسام الذي هجر الجبهة (لحظة ضعفها وضعفه) ليلتحق كجندي مجند في خط أبو عمار التسووي متنكّراً لإرثه. لعل هذين السببين معاً، كانا وراء غياب أي منحى نقدي في كتابه تجاه وديع حداد أو لتجربة العمليات الخارجية، فحين تكون من أنصار «اذكروا محاسن موتاكم» وعندما يصبح «بيتك من زجاج» فإيثار السلامة شأن أولي الألباب.

نقد العمليات الخارجية

صحيح أن العمليات الخارجية أبرزت، كما أراد لها مخططوها ومنفذوها، اسم فلسطين وقضيتها المغيبة، لكنها صنفت هذا الاسم والجبهة الشعبية في خانة «الإرهاب»، على الأقل في أذهان الرأي العام الغربي. كما أن منظمة التحرير دفعت في ما بعد ثمناً سياسياً كبيراً، من أجل أن تتخلص من صفة «الإرهاب» التي علقت بها بفضل هذه العمليات وغيرها (عمليات منظمة أيلول الأسود، عمليات جماعة أبو نضال وأبو محمود ... إلخ).
وصحيح أن هذه العمليات، التي لفتت أنظار العالم، نجحت كما يركز كتاب أبو شريف في جذب نضال جماعات أممية عدة (مثل جماعة بادر _ ماينهوف في ألمانيا الغربية، الألوية الحمراء في إيطاليا، الجيش الأحمر في اليابان ... إلخ) لكن هذه الجماعات من اليسار المتطرف، بغض النظر عن تعاطفها العميق مع الشعب الفلسطيني، كانت هامشية في بلادها، وما كانت لتقدم أو لتؤخر القضية الفلسطينية. وفي التحليل النهائي، فقد ساهمت هذه الجماعات في تقديم خدمة غير مقصودة للأنظمة الرأسمالية الحاكمة في بلادها، حيث استغلت هذه الأنظمة نشاطات هذه الجماعات لإمرار قوانين أحكمت من سلطتها.
من جانب آخر، أفرزت هذه العمليات، التي كانت أيضاً تعبيراً عن المأزق العسكري الذي وصلت إليه المقاومة الفلسطينية المسلحة في وجه إسرائيل، منحى استعراضياً لدى المقاتلين، أضرّ بروح الجبهة القتالي، حيث أصبح حلم وهدف كل مقاتل ومقاتلة في القواعد أن يصبح نجماً كليلى خالد. في حين أنّ مثال وتجربة المقاومة الباسلة في أزقة مخيمات اللاجئين وبيارات البرتقال في قطاع غزة 1967 - 1973 كان هو المثال الذي كان يجب أن يطور ويحتذى.
والأهم من هذا وذاك، أن ضرب مصالح إسرائيل ومن يدعمها ويؤازرها لا يتأتى من خلال أعمال استعراضية، وإنما من خلال عمل جماهيري على الأرض ببطء صبور ودؤوب يسعى إلى تغيير منظومة القيم ويعمل على بناء مجتمع مقاومة وثقافة مقاومة لا يفلّه الحديد.
أخيراً، نشير إلى أنه من الناحية التكتيكية وقعت العمليات الخارجية في مأزق عملياتي لم تستطع أن تحله. هذا المأزق تمثل في أن العناصر التي جندت للعمل في فرع الجهاز الخارجي كانت نسبياً من أشخاص تمتعوا بروح إنسانية عالية. وبالتالي كانت عاجزة عن تنفيذ تهديداتها بقتل الرهائن في حالة عدم تلبية مطالبها. ويبدو من خلال مقابلات أجريت مع بعض هذه العناصر (ليلى خالد، أمينة دحبور وغيرهما) أن التعليمات التي أعطيت لهم كانت تمنعهم من قتل الرهائن. استغلت إسرائيل هذه النقطة لاجتياح الخاطفين، الذين لم يستطيعوا أن يطبقوا تهديدهم، ما جعل إسرائيل تبدو في وضع المنتصر الأسطوري. لم يستخلص وديع حداد العبر والدروس من هذا المأزق القاتل، ومن حقيقة أن نمط وعقلية هذه العمليات أصبحا معروفين للإسرائيليين الذين طوروا وسائل مضادة كان عاجزاً عن مجاراتها.
ظل وديع حداد، الذي أصبح بفضل دوره هذا الهدف الأول على قائمة بنك أهداف الاغتيالات الإسرائيلية منذ نهاية الستينيات، في منصبه الكفاحي هذا حتى عام 1972 عندما حلت الجبهة الشعبية في قرار اتخذه مؤتمرها العام (في مخيم البداوي قرب طرابلس) جهاز فرع «العمليات الخارجية» بعد انتقادات حادة من داخل الجبهة وخارجها وضغوط خارجية جعلته عبئاً على تنظيم كان قد أثخن بالجراح نتيجة معارك «أيلول الأسود» عام 1970 و«معارك الأحراش» في تموز عام 1971. لكن ظل وديع حداد، بفضل نقائه الثوري، حتى في أعين منتقديه من رفاق الأمس بطلاً متميزاً، وهكذا وصفوه عند نعيه، وكلمسة حب ووفاء بـ«عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية».
* كاتب عربي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت

الهوامش:
i عملية 22/ 2/ 1972، طائرة لوفتهانزا من طوكيو لفرانكفورت، تم تحويل الطائرة إلى عدن ودفعت فدية من5 ملايين دولار
ii هل من المصادفة أن أول عملية لفرع الجهاز الخارجي جرت يوم 23/ 7/ 1968 (طائرة إل عال رحلة 426 من روما لتل أبيب، حوّلت للجزائر وجرى تبادل أسرى محدود) كانت قبل فترة قصيرة من انعقاد مؤتمر الجبهة العاصف في آب/ أغسطس 1968. وأن عملية 18/ 2/ 1969 (طائرة إل عال رحلة 432 من أمستردام لتل أبيب هوجمت بالأسلحة الرشاشة أثناء توقفها في مطار كلوتن/ زيوريخ) كانت قبل ثلاثة أيام فقط من انشقاق الجبهة الديمقراطية!
iii http://www.raya.com/news/pages/a84dbf78-1e1c-4d6f-b1b3-ac732a53ad86.
http://www.ajoory.com/vb/showthread.php?t=15110