يُعدّ الدين من أهم القضايا وأكثرها قدسية ليس اليوم ولكن منذ بداية الوجود. مع اختلاف التعبيرات والسلوكيات الدينية ومع كدح الإنسان ومسيرته الزمنية وتطوّر أشكال التعبير والتفاعل مع القيم حصل خلط كبير بين المقدس والدين كنصوص وتوجيهات صافية وبين سلوك المتديّن وفهمه وتمثله النفعي والتبريري في أحيان كثيرة وعبر تراكمات زمنية ونفسية، ما أوجد سوءاً في الرؤية الدينية المفترض أن تنسق بين لحظات الإنسان وأعماله وتجاربه. من أهمّ التجارب تجربته الدينية التي تحاكي الخلود والسمو والتعالي فوق الصغائر والجزئيات والمعوقات التي لا قيمة لها، وبات بالتالي أكثر الناطقين باسم الدين من أكثر العاملين عن قصد أو من دون قصد على تكريس لغة الإحباط والتثاقل لدى الناس وتنفيرهم من كل ما هو ديني حتى أضحى التدين والدين بنظر كثيرين من البلاءات التي أصابت المجتمع وأوصلته إلى هذا الوضع المشين والمتردي على الصعد كافة.

وليس الدين ذا بعد نفسي فقط كما عند علماء النفس الدينيين بمعنى أنه يؤمِّن للإنسان الراحة النفسية والطمأنينة فحسب، بل هو جملة من الاستثارات والمحفزات للإنسان حتى يتجذر وجوده في الحياة بما يليق به كآدمي مكرم عاقل، قال المرجع السيد محمد حسين فضل الله : «الدين هو الحق من عند الله تعالى، الذي يبيّن حقائق الحياة في العقيدة والشريعة، فالأمر أوسع وأشمل من أن يضيَّق إلى وظيفة نفسية، فهذا خلاف الأمور والحقيقة. فالدين هو ما يدين به الإنسان أي يعتقده ويلتزمه كفكر وعمل».

أنجيل بوليغان

نعم هو بلاء وما نحياه من نماذج مرّت وتنتج يومياً في عالمنا العربي والإسلامي يشي بحجم المعاناة التي يتخبّط فيها الواقع. واقع مرآتي من المفترض أن يعكس أنصع تجليات التجربة الدينية البشرية في ربطها الحيوي بين تعاليم المطلق والمقدس وبين التجربة الحية العملانية الساعية لتسجيل تجربة دينية تاريخية ممسكة لكل أطراف التاريخ، بما يجعله غنياً يمتلك قابلية الاستمرارية والشهادة على الأيادي المباركة التي تعمل ولا تتواكل وتنتج ولا تحطم وتفرق وتمد الجسور ولا تقطعها وتحمل التعارف هما والحوار طريقة والتسامح قناعة والوحدة في الشعور والتوحد بالله قوة ومركزية في وجه التشتت والضياع.
مأساة عدم التصالح بين الدين والمتدين والواقع تفسد حياتنا وتخرب أوضاعنا وتهدر جهدنا وأوقاتنا، وما نحصل عليه من ذلك سوى مزيد من التشرذم والانغماسية والابتعاد عن القيمة لصالح التعلق بالشكليات والمظاهر وإتقان منطق التمرير والتبرير عبر تزلف لا مثيل له، مستغلين ما بين أيدينا من وسائل تواصل وغيرها من صورة وكلمات وألوان وشعارات براقة تخفي تحتها انهياراً وضعفاً يظهر عند أول حدث ونتعرى من خلاله عند أول مفترق طريق.
لا نريد ثورات وحروباً تعكس وحشيتنا بل ثورات وحروب ضد أنانياتنا البغيضة ومشاعرنا المذهبية والطائفية التي تتحكم في نفوسنا وتطغى على أي جانب عقلاني يحاول إطفاء نار عصبياتنا، هذه المذهبية التي أضحت من أقوى حقائق اليوم وأشدها وضوحاً بحيث عمّقت الحواجز بين الناس وتدفعهم إلى الفتنة.
نحن نشهد للأسف انحطاط الدولة الوطنيّة والإنسانية واحتضارها وموت المجتمع المتصالح، حيث تفقد الدولة قدرتها المعياريّة وتخضع بلا هوادة لمعايير المذهبية والطائفية التي كرّسها ويكرّسها زعماء الطوائف مع رتوش وخطابات رنانة لتجميل الإخراج مماشاة مع لغة اليوم، كما المجتمع الذي هو مرآة لنظام بُني على العصبيات والانتماءات الضيّقة والشخصنة والحزبية والعائلية لم يصل بعد إلى مرحلة التحرر من كل هذه الانشدادات التي أرهقته وجعلت منه مجتمعاً ميتاً في الحقيقة. الكل من رجال دين وسياسة مع الوطنية والإنسانية والانفتاح وبناء المجتمع العصري والدولة العادلة القوية وهم أنفسهم نتاج محاصصة وصفقات وإرضاءات وهم نتاج عصبيات لا ترضى إلا أن تكون هي المقدمة على أي شيء آخر ضماناً لاستمراريتهم وبقاء تسلطهم. فمهما طال ليل المذهبية وانتهاكاتها لن يصمد أمام ضوء الحق ونصاعة الحقيقة اللذين يعدان ممرين لا بد منهما من أجل كتابة تاريخ نظيف وترسيم جغرافيا لا فواصل بينها طبقياً ولا اجتماعياً وثقافياً.
نعيش وثنية الفكر والسلوك بمعنى الانغلاق والسخافة عندما نسمع بما يلقى من كلام لم يعد يجدي في عالم مليء بالتعقيدات والتداخلات بين السياسي والديني والاجتماعي


إن من الغرابة والدهشة أن يستمر مسلسل تجهيل الناس وتسطيح وعيهم من قِبل متحدثين باسم الدين حاولوا ويحاولوا دوماً تطويع النص وتشويهه فقط لإبقاء السيطرة على العقول الفارغة والأرواح الميتة باسم المقدس، يشنون حرباً على وجود إنساني فطري كل غايته أن يقابل متحدثين حقيقيين ينقلونه بحسّهم ومسؤولياتهم ومقتضى أمانتهم الدينية والثقافية من حالة انعدام الوزن إلى حالة يفكر فيها ويقرر ويشارك. لقد توسعت مشاريع المتحدثين باسم الدين والثقافة إلى درجة حصر التفسير للنص بشخوصهم وإسقاط تفسيراتهم الفجّة والقاصرة على الواقع، ما زاد من آلامه وتصدّعاته، فلم يعد من إحساس جماعي وفردي بتأثيرات الدين والقيم في الواقع، بل غابت كلية هذه التأثيرات التي تربط بين المتديّن والدين والواقع في ثلاثية متماهية في كل آن.
إن النص ولغته لهما أبعاد فوق وظيفية أي الانتقال إلى المجال الإبداعي والانقلاب على وظيفة التواصل الضيقة بين الناس. لقد تلاعب تجار الدين والسياسة بهذه اللغة الفوق وظيفية واستطاعوا إرغام الأتباع من حولهم على ترديد عباراتهم وصنعوا من أذهانهم البائسة قوالب يحشون فيها ما يشاؤون، متلاعبين على وتر الشكليات والخطابات الرنانة بما يغّيب حضور النص القيمي نهائياً ويبقيه شكلياً. لذا باتت سلطة النص مأخوذة من المقدسات الكهنوتية وليست من ذات النص الأصيلة والمتجددة حتى أصبح النص أقنوماً في صندوق عتيق. لقد أضحى هذا الأقنوم في بهرجته الشكلية يتقدس منه كثيرون في مدى غموضه، حيث تتحول الأدلجة إلى غذاء يومي نسقطه على الواقع بلا رحمة (تكرار الروايات الغيبية وحشدها بكثافة بلا تدقيق وتعقّل)، وأية محاولة لنقد الأدلجة تعدّ في نظر اللاهوت الديني إفساداً لقداسة النص وتلويثاً لألوهيته، وهذا ما جرى مع علماء حاولوا الإبقاء على لغة النص الأصيلة والتماشي مع تجددها المفتوح على لغة الحياة، كأمثال المرجع السيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد باقر الصدر وعلي شريعتي والسيد محسن الأمين والشيخ محمد جواد مغنية وغيرهم كثر . نعثر وبقوة اليوم على وجود تبادل مصلحي يحدث بينهم (تجار الدين والسياسة) وبين المجتمع والدولة، غالباً يكون الدين وحقل السياسة هما سوق هذه المنافع وساحة هذا النوع من التبادلات.

الخلاص والعبور
آن الأوان لرفع الحيف عن واقعنا المهترئ، وذلك من خلال رفض كل شكل من أشكال الخنوع والخضوع والتسلط ومقاومة كل محاولات إلهائنا بصخب الزمن الخارجي المادي المحبط والمعيق للخطوة الأولى المطلوبة للنهوض والتغيير، فلقد عادت حضارة اللذة بكل أشكالها بقوة اليوم ونشهد حفلات التناتش عليها، وضاع الإنسان في خضم اللهث وراءها. إن الخوف والجبن سيزيدان من تأزم أحوالنا فلننطلق، أحراراً من كل تقيد بشعارات حزبية أو عائلية أو طائفية، ولننسلخ من تحجرنا وصولاً إلى تلمس الآفاق الواسعة لروح الدين والإيمان وآثار التعقل كي نعيد التوازن إلى ساحاتنا التي تهتز من تحت أقدامنا. فليمارس كل إنسان مهما كان شأنه دوره وليترفّع عن الغفلة القاتلة التي تهدم كل محاولات العودة إلى أصالة مفقودة.
أصبح الدين لذلك كأيّ فلسفة وضعية انتهازية ومغرضة لها مصالحها وسياساتها، وكأننا رعايا نُسبى كل لحظة من خلال ما يقدّم لنا من خطابات جاهزة ومعلبة لا قيمة لها ولا ثمرة تنفعنا في وقت تزداد فيه الضغوط والتحديات، وبدل أن نلجأ إلى دين وتدين وواقع متماسك نرى بين أيدينا ونسمع بدين مغيب ومتدين مسلوب الإرادة والفعل وواقع يشهد على هول المآسي. من هنا نعيش وثنية الفكر والسلوك بمعنى الانغلاق والسخافة عندما نسمع بما يلقى من كلام لم يعد يجدي في عالم مليء بالتعقيدات والتداخلات بين السياسي والديني والاجتماعي، فليست الوثنية مجرد تعبّد لوثن حجري، بل هي طريقة مشاعر وتفكير وتعبّد لزعيم ورئيس ونافذ، وانقياد لمحدث ديني أو ثقافي أو لعصبية هنا أو حزبية وعائلية هناك.
كم من أنصار جدد ومتدينين هم في حقيقة سلوكهم وتفكيرهم وثنيون لا يفكّرون خارج حدود ذواتهم الفارغة وأنانياتهم المريضة؟! وكم من صنّاع دين على قياسهم يتقنون فن تصنيع الدين وقيمه بما يرضي طموحاتهم ومنافعهم وسلطتهم؟! إن المحدث الديني أو الثقافي والداعية الحق هو العالم والمتقي الذي يبحث دوماً عن تحفيز الدين وإخراجه للناس بما يليق بهم وبكراماتهم وحضورهم وبما يعينهم على رفع كل أنواع التسلط والقهر والفرض. متى نتعود على حرية في عالم لا إكراه فيه حتى من الدين نفسه (لا إكراه في الدين). قال المرجع فضل الله : «إننا بحاجة إلى حركة طليعية من الدعاة المسلمين والمثقفين الإسلاميين الواعين من أجل تجديد الأساليب والوسائل المتحركة في عملية تأصيل المفاهيم الإسلامية من أجل إدخالها في وجدان الإنسان المعاصر الذي هو بحاجة إلى الإسلام ولا سيما الإسلام الأصيل»...
خير لنا أن نبقى نفتش عن ديننا الأصيل من أن نعتّق ديناً مصنعاً فارغاً من حشو المحدثين والخطباء والمفتين والوعّاظ الذين لا يتحرزون من الإساءة للواقع حرصاً على سلطانهم الذي يُدخلون تحته كل من يتجند معهم ويردد معهم كالببغاء. الإسلام بكل بنيانه الروحي والمعرفي والإنساني والحضاري يؤمن بالتحولات الطبيعية الدائمة التي تأخذ بيد الناس بطريقة عفوية ومباشرة في عملية تصالح بين الدين والمتدين والواقع كثلاثية فاعلة تنتج واقعاً متجدداً بإنسانه، مرتفعاً إلى مستوى القيم والنصوص المفتوحة على كل اجتهاد وقراءة رحبة تتناسب مع الآفاق الواسعة للإنسان في تحدياته الوجودية. لا نريد اصطفافات طائفية ومذهبية ولا نريد أتيكيت ديني مزخرف بل واقعنا يحتاج إلى خلاص وعبور من ذات منكسرة مسحوقة إلى ذات تملك قرارها وتؤسّس لفعلها الطبيعي وكدحها نحو المطلق والكمال ولحاكمية تجمع بين ثالوث الدين والمتدين والواقع كانعكاس صارخ للعلاقة النظيفة والمتوخاة بين الله والإنسان والعالم.
نريد خليفة الله على الأرض بالمعنى الإيجابي وليس من أجل تشريع التسلط على البلاد والعباد باسم الله، ونريد فقهاً وفلسفة وكلاماً وثقافة تعبر بنا إلى حياة طهورية سليمة من الشوائب، مصحّحة لكل خلل بانية لعقل جمعي صحي ينهض لينتقل إلى حالة الفعل والتأثير وإثبات الهوية الأصيلة التي تقاوم كل مصنوع وكل مظهر من مظاهر التكفير والتفسيق والتضليل.
نريد ديناً مفكراً متجسداً في وجود متحرك لا رتابة في روحه، فالدين هو جملة محفزات ومنشطات لتفلسف وتفكير يرتقي بالإنسان ولا يخذله، بل يجعل منه مركزاً لعقل مدرك منتج ووحي حيوي متحرك. فهمُنا للدين لا بدّ أن يشكّل مناسبة لإعادة خلقه ومعرفته كما يجب، بما نحوله إلى قوة دفع وطاقة روحية ومعرفية ناشطة، فالإيمان حقل خصب ومرتع لتعقلات بشرية لا تنتهي وليس سجنا ًكبيراً كما صوّره ويصوّره متحدثو الدين الوهميون.

الفلسفة ــ الدين ــ الواقع
في هذا السياق، حوّلت فلسفة هيجل الدين إلى فكر وهذا إلى وجود يقول هيغل، يجب على فلسفة الدين أن لا تخلق الدين، لأنه موجود بالفعل في أشكاله التاريخية الملموسة: «بل يجب عليها ببساطة إعادة معرفته، وربما التصالح معه، لأنه حقيقي، وما هو حقيقي يكون عقلانياً. وليس بهدف التبرير، وليس من حيث الإيمان، بأن نعتقد بما يقال لنا، بل من حيث الفهم العقلاني، أي بافتراض وجهة نظر المطلق. نحن، كما ترون، وهو الأمر الذي لا يمكن أبداً أن يكون مقبولاً من قبل المتدينين، إن لم يرتقوا إلى مستوى الفلسفة الحقيقية.
بالنسبة إلى المؤمن، وتبعاً لأثر توما الأكويني، الفلسفة مقبولة، بل ومرغوب فيها، ولكن إذا كانت في خدمة الحقيقة اللاهوتية، وإذا قبلت الوحي الذي استقبله الإنسان حصرياً من قبل الله، من خلال وساطة الكتاب المقدس وتعاليم التقاليد، ورجال الدين. ولكن هذه ليست الفلسفة الحقيقية، ولكنها فقط لحظته التاريخية. يقدّم هيجل فلسفة الدين كمشروع للمصالحة بينهما، فالدين هو الذي يقوم على الإيمان المسبق وعلى مضمونه وهو الله. ومهمة الفلسفة فهم الدين من الداخل. فمهمة الفلسفة حلّ التعارض بين العقل والإيمان، الذي استشهد بسببه سقراط. فالله المجرّد في الفلسفة التأملية هو الله الحي في فلسفة الدين». (محاضرات في فلسفة الدين/ هيغل / حسن حنفي).
إنه النمط الفكري الذي يعيد التعرّف على أصالة التديّن وسمو الدين ونقاوة الواقع، وإخراج هذه الأصالة مزيداً من الالتزام والإخلاص في الواقع والسير به بحكمة وروية من دون إضافة المعاناة إليه وإطالة أمدها. بعد تقرير ما ورد عن هيغل يستحب ذكر ما لفت إليه قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي قال: «تبين لنا الفلسفة أن شوق الحقيقة هو جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان. إنها مزية فطرية من مزايا العقل أن يتساءل عن علة الأشياء حتى وإن كانت الأجوبة التي تحظى بها البشرية شيئاً فشيئاً تدخل في إطار رؤية يتجلى من خلالها تكامل الثقافات المتنوعة التي يعيش فيها الإنسان... بدل أن يعبر العقل قدر الإمكان عن نزوعه إلى الحقيقة انكفأ على ذاته وأمسى يوماً أقل من يوم أهلاً لأن يرفع بصره إلى فوق، ويتجرأ على الوصول إلى الحقيقة، بات عصرنا مكتفياً بالحقائق الوقتية والجزئية متنصّلاً من السعي إلى طرح الأسئلة الجذرية حول معنى الحياة البشرية الشخصية والاجتماعية ومرتكزها الأخير... هناك معرفة هي من مزية الإيمان إلى جانب المعرفة النابعة من العقل البشري القادر على الوصول إلى الله بطريقة طبيعية، هذه المعرفة الإيمانية تعبر عن حقيقة ترتكز إلى وحي من الله وهي حقيقة مؤكدة لأن الله غير خادع... الإيمان هو جواب طاعة لله، ما يقوم به الإنسان من تقدمة ذاته لله هو لحظة خيار أساسية يلتزم بها الإنسان كله، ويتعاون العقل والإرادة إلى أقصى ما تطيقه طبيعتهما الروحية ليتيحا للإنسان أن يأتي بعمل يمارس فيه الحرية الشخصية ممارسة كاملة»... (رسالة العقل والإيمان / البابا يوحنا بولس الثاني).

أليس في مجتمعاتنا ما يشهد على الجنون والعبث الجماهيري عندما تتحرك على وقع العصبية والاستثارات المذهبية وتخضع لمنطق التسليع والتجهيل؟


نريد وجوداً يعيش فيه إنساننا تحرّراً من قيود ما تمليه العادات والتقاليد البالية والاستسلام والاستزلام والتبعية والغوغائية، إنساناً يعيش حقاً زمنه بكل تحدياته ومتطلباته وإشكالاته ولا يهرب أو يتهرب منها، يعيش في زمن خارجي لا أسر فيه لما تحتّمه أنظمة العلاقات والأوضاع الظرفية والمصلحية الضيقة والنفعية، بل ينطلق من زمانه الخارجي ليؤكد حسن استفادته منه ويعكف على زمانه الخاص الداخلي فيضبط حركة مشاعره وتعقلاته وإدراكاته وتمثلاته لقيمه وروح دينه، فيصنع تديناً فاعلاً قابلاً للعطاء ومنساقاً مع التطور والكدح. ولن يكون الأمر كذلك ما لم تتضافر الجهود والطاقات من رأس الهرم الديني والثقافي والفكري، ووضع منهجية موحّدة وبرنامج تغييري إصلاحي من المدرسة إلى الجامعة إلى الطريق والمنتديات إلى الفضاء الإعلامي والاجتماعي والتواصلي والديني، يربي الأجيال على ضرورة المصالحة بين الدين والتدين والواقع ومعايشة هذه المصالحة والمزيد من الوعي والترفع عن الصغائر والمحدوديات والمزيد من انسجام الشخصية. إذ نعاني اليوم من انفصام في الشخصية الدينية بين من يدّعي الانتماء لله ويمارس عملياً الانتماء للشياطين المتنوعة في السياسة والدين والدنيا.
يذكر عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر إدغار موران أنه حتى التفكير الذي كان هو الضرورة لتفعيل الثقافة في اليومي والمعتاد وفرضه كحالة للتأمل، قد تراجع وحلّ محله التصور الهمجي والعبثي للجماهير، يقول: «نجد أن التفكير يتقهقر في كل مجال، بما في ذلك الثقافة الإنسانية التي أصبحت طاحونتها تدور في الفراغ، ولم تعد قادرة على أن تجعل مواد الثقافة العلمية موضوعاً لتأملها». إن الثقافة الجماهيرية المستهلكة الناجمة عن خطابات خشبية صاخبة هي التي تُوظف في مفاصل الحياة اليومية، لأن طبيعة الثقافتين اللتين أشار إليهما إدغار موران، وهي الثقافة الإنسانية والعلمية، لا تناسب التشكل عبر اليومي والمعتاد، بل هي تظل في مخزون الثقافة وتقوم بالتأثير في الحركات الكبرى في الحياة بعيداً عن الحياة اليومية المعتادة المباشرة. يقول موران: «فإن الثقافة الجماهيرية تتشكل من كم هائل من المعلومات يزداد نمواً بشكل مطرد، ولكن عن طريق هدم نفسه باستمرار، وتحوله إلى (ضجيج). إنه سحب (عابرة) من معلومات غير منظمة». هنا نلمح طبيعة هذه الثقافة غير المستقرة، وغياب الاستقرار هو أحد العوامل التي تمنع تأثيرها في تقوية وتمكين اليومي والحياتي بأسباب الثقافة من أجل العبور السليم إلى عوالم متحررة وفاعلة.
أليس في مجتمعاتنا ما يشهد على الجنون والعبث الجماهيري عندما تتحرك على وقع العصبية والاستثارات المذهبية وتخضع لمنطق التسليع والتجهيل فتصبح غير منقادة لشيء سوى لتفلّتها من كل قيد؟! لقد تحولت هذه الجماهير إلى أرقام وحسابات لدى من يحركها، فتجد ألوفاً تنزل إلى الشارع دفاعاً عن زعيم ديني أو سياسي ولن تجد هذه الألوف دفاعاً عن الله والحق، فما من ضير أن يُسب الله آلاف المرات ولكن لا يسب الزعيم أو يهان!
زماننا الداخلي الحر هو الحقيقة الأصيلة وهو تاريخنا الفعلي وسجلّنا الحي في سلّم الوجود وهو مصدر قوتنا في توحيده بين الوحي والعقل وبين ترجمة لسان الخطاب الديني إلى معقولات تتحرك في مرآة الواقع الحياتي اليومي مزيداً من الاحترام والتقدير للناس وعقولهم ومشاعرهم وحضورهم. هو همزة الوصل بين ما كان وما ينبغي أن يكون من قيمومة وشهادة على الحياة، فليس قدرنا أن نظل متخبطين كالعميان والصم.
فمتى نتخذ قرار المواجهة والجرأة على الابتداء بزمن المصالحة؟ إن الدين والواقع ينتظران من المتدين أن يُقبل عليهما بكليته ووعيه وإخلاصه وأن يكون المفتاح للتفاعل الحق، فهو قطب الرحى في عملية النهوض، وما لم يستعمل المفتاح جيداً سيظل منغلقاً ومنغمساً في عالم مادي صاخب، ومتغرباً عن عالم داخلي يستجديه للتحرر. ما لم نعمل على خلق جو المصالحة بين الدين والمتدين والواقع لن ينفعنا أي شيء وسنبقى نستهلك أنفسنا وندفع فاتورة التخلف والتقهقر والانحطاط.
إن من أهم وجوه النباهة الاجتماعية التي لا بد من التحلّي بها فردياً وجماعياً السعي الدؤوب من أجل خلق أجواء هكذا مصالحة متعالية، مع أن ذلك ليس بالأمر الهين إنما يحتاج إلى رجال أحرار من دواخلهم يعيشون القلق والهم ويتحسسون المسوؤلية ويرفضون أن يكونوا من صنف الهمج الرعاع الذين يحيون على هامش الحياة.
* أكاديمي وحوزوي