نتناول في مقالنا هذا موضوعاً يتعلق بصلاحية السلطات الطائفية الرسمية لجهة معرفة هل تتمتع فعلاً الطوائف الدينية في لبنان بصلاحيات تشريعية أصيلة، بحيث تؤدي إلى حجب صلاحيات مجلس النواب وتمنعه من ممارسة اختصاصه التشريعي؟ ولا شك أن هذا السؤال هو بالغ الأهمية كون التداعيات التي تترتب على الجواب تؤدي دون مبالغة إلى التحديد النظري لطبيعة الدولة اللبنانية.

الإشكالية المطروحة للبحث هي التالية: هل يوجد في لبنان أكثر من سلطة تتمتّع بصلاحيات تشريعية؟ وبمعنى آخر هل لبنان دولة فيدرالية؟ فمن المعلوم وفقاً للنظرية العامة للدولة التي تشكّل المدخل الطبيعي للقانون الدستوري، أن الدولة في المبدأ تقسم إلى نوعين: دولة موحّدة بسيطة ودولة مركّبة تعتبر الفيدرالية أهم تجلياتها في العصر الحديث. وأحد أبرز المعايير الذي يسمح لنا بالتفريق بين النوعين هو السلطة التشريعية التي تنحصر في هيئة واحدة فقط في الدولة الموحدة، بينما تتوزع في الدولة الفيدرالية بين الدولة المركزية وسائر الدول الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي. والدستور هو الذي يحدّد توزيع الاختصاصات التشريعية في الدول الفيدرالية وفقاً لطرق مختلفة، لكنه في نهاية الأمر هو الذي يمنح الأعضاء صلاحياتهم التشريعية على ألّا يتعارض ذلك مع اختصاص الدولة المركزية. ويتجلّى هذا الأمر على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأميركية بحيث يوجد في كل ولاية سلطة تشريعية منتخبة تتولّى إصدار القوانين التي تنظّم مختلف شؤون الولاية بما لا يتعارض مع الدستور الفيدرالي.
جرّاء ما تقدّم يتبيّن لنا أن الدستور في الدول المركّبة هو الذي ينشئ مباشرة السلطة التشريعية ليس فقط للدولة المركزية بل أيضاً للأعضاء. فهل دستور لبنان ينشئ سلطات تشريعية متعدّدة أو هو يحصرها بهيئة واحدة؟
نصت المادة 16 من الدستور اللبناني بشكل صريح على التالي: «تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب»· أي أن الدستور أنشأ جهة واحدة ووحيدة تتمتع بحصرية الصلاحيات التشريعية ألا وهي مجلس النواب. وقد عبرت المادة الأولى من الدستور عن الأمر نفسه عندما أعلنت أن «لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة» أي أن لبنان دولة موحدة لا تتألف من اتحاد أقاليم مختلفة فكم بالحري من اتحاد طوائف لا وجود لها من الناحية القانونية إلا باعتراف الدولة بها. إن حصرية السلطة التشريعية تقودنا حتماً إلى دراسة المادة التاسعة من الدستور التي تعلن أن الدولة «تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية»· فهل يوجد تناقض بين المادة 16 والمادة التاسعة من الدستور اللبناني؟ هل أنشأ الدستور باعترافه بالأحوال الشخصية الطائفية سلطات تشريعية رديفة إلى جانب مجلس النواب؟
من الملاحظ أن المادة التاسعة تتكلم فقط عن احترام الأحوال الشخصية الدينية أي أنها لا تتكلم عن سلطة معينة ولا هي تنشئ مؤسسات طائفية تتمتع بصلاحيات تشريعية. فالدستور عندما ينص على احترام الدولة للأحوال الشخصية الطائفية هو في حقيقة الأمر يخاطب مجلس النواب ويفرض عليه قيداً واضحاً بحيث لا تؤدي سلطته التشريعية إلى إلغاء الأحوال الشخصية للطوائف. لذلك فإن المادة التاسعة من الدستور تتعلق بمضمون التشريع وليس بشكل التشريع. بتعبير أوضح، المادة التاسعة لا تمنح السلطات الطائفية صلاحيات تشريعية، وهي أصلاً لا تستحدث تلك السلطات بل تفرض على مجلس النواب احترام مضمون تشريعي ما هو الأحوال الشخصية الطائفية.

أنظمة الأحوال الشخصية الطائفية لا تصبح نافذة بمجرد إقرارها من قبل السلطات الدينية


وبالفعل جاءت الممارسة كي تؤيد هذا الأمر الجوهري ويمكن لنا أن نستعرض ذلك من خلال دراسة التشريعات الطائفية المختلفة التي عرفها لبنان منذ 1920 حتى اليوم. وبما أننا لا نستطيع في هذا المقال معالجة قوانين الأحوال الشخصية للطوائف كلها، سنقوم بدراسة بعض الأمثلة الكفيلة بتأكيد حصرية السلطة التشريعية للدولة.
نصّت المادة الرابعة من القرار 60/ل.ر. تاريخ 13 آذار 1936 على واجب الطوائف التاريخية للحصول على الاعتراف «أن تعرض للفحص على السلطة الحكومية نظاماً مستخلصاً من النصوص التي تُدار الطائفة بموجبها». بينما نصت المادة الخامسة من القرار نفسه على التالي: «يصدق هذا النظام بقرار تشريعي يجعله نافذاً ويتضمن الاعتراف بالطائفة وفقاً لأحكام المادة الأولى من هذا القرار، بشرط أن لا يتضمن نصاً مخالفاً للأمن العام أو الآداب أو دساتير الدول والطوائف أو أحكام هذا القرار». فأنظمة الأحوال الشخصية الطائفية لا تصبح نافذة بمجرد إقرارها من قِبل السلطات الدينية بل هي تحتاج إلى تصديق تشريعي أي إقرارها في مجلس النواب بموجب قانون. فالمضمون التشريعي الطائفي يكتسب قوته القانونية فقط عند إقراره في مجلس النواب الذي يحتفظ شكلياً بحصرية سلطته التشريعية.
يؤكد هذا القرار بشكل لا لبس فيه وجود سلطة تشريعية واحدة ووحيدة في لبنان. لكن هذه الحصرية تم الحدّ منها عبر السنين لأسباب سياسية لا مجال لشرحها الآن، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى المس بالمبدأ الذي لا يزال قائماً رغم كل الشوائب التي اعترته والتي سنقوم بدراسة بعضها.
في 30 آذار 1939 أصدر المفوض السامي القرار رقم 53/ل.ر. بعدم تطبيق القرار 60/ل.ر. على المسلمين. علاوة على ذلك لم يقم مجلس النواب بالتصديق على الأنظمة المتعلقة بالطوائف المسيحية كما فرضته المادة الخامسة من القرار المذكور. وفي سنة 1951 صدر قانون «تحديد صلاحيات المراجع المذهبية للطوائف المسيحية والطائفة الإسرائيلية» والذي وسع اختصاصات هذه الطوائف بشكل كبير، لكنه نص في المادة 33 على التالي: «على الطوائف التي يشملها هذا القانون أن تقدم للحكومة قانون أحوالها الشخصية وقانون أصول المحاكمات لدى محاكمها الروحية في مدة سنة من تاريخ وضع هذا القانون موضع التنفيذ للاعتراف بها خلال ستة أشهر، على أن تكون متوافقة مع المبادئ المختصة بالانتظام العام والقوانين الأساسية للدولة والطوائف. ويتوقف تطبيق القانون الحاضر بشأن كل طائفة تتخلف أو تتأخر عن التقيد بأحكام هذه المادة». لم تحدّد هذه المادة بشكل صريح خلافاً للقرار 60/ل.ر. كيفية اعتراف الحكومة بالأنظمة التي ستتقدم بها الطوائف، أي هل يجب أن يتم ذلك بموجب قانون يقره مجلس النواب أو مجرد مرسوم أو قرار تصدره الحكومة. لكن بمطلق الأحوال ورغم منح قانون 1951 صلاحيات واسعة للطوائف المسيحية والطائفة اليهودية بحيث فوّضها التشريع في مجالات تتعلق بمختلف جوانب الأحوال الشخصية، لكنه اشترط لنفاذ تلك الأنظمة حصولها على اعتراف الحكومة. وهنا يكمن الاختلاف الأساسي مع الدولة الفيدرالية كون التفويض الذي منحه مجلس النواب عبر قانون 1951 هو تفويض تشريعي بينما صلاحيات الولايات في النظام الفيدرالي هي دستورية، أي أن الدستور هو الذي ينشئ السلطة التشريعية المحلية وهو الذي يحدد اختصاصها. وبالتالي لا يحقّ للسلطة المركزية نقض أو إلغاء القوانين التي تصدرها المجالس التشريعية للولايات التي تصبح نافذة مباشرة دون الحاجة إلى تصديق الكونغرس الأميركي.
وبالفعل تقدّمت الطوائف المعنية بقانون 1951 بأنظمتها للحكومة، لكن الاعتراف بها لم يحصل رسمياً ما دفع محكمة التمييز إلى إصدار قرار بالغ الدلالة سنة 1965 جاء فيه: «وبما أن مشاريع القوانين الشخصية المقدمة ضمن المدة وإن لم يعترف بها بعد بصفة رسمية حتى الآن ولم تكتسب بالتالي صفة القوانين الوضعية، إلا أنه بمقتضى اجتهاد هذه المحكمة يمكن اعتبارها كمجموعة للأحكام الداخلية المرعية لدى الطوائف والتي يمكن للمحاكم اعتمادها طالما أنها غير مخالفة للقوانين الوضعية المرعية وللمبادئ المختصة بالانتظام العام وطالما أن السلطات الرسمية لم تتّخذ أي إجراء ينقضها» (محكمة التمييز المدنية، قرار رقم 6 تاريخ 2 نيسان 1965). ولا شك أن القرار بقوله إن هذه الأنظمة تعتبر نافذة «طالما أن السلطات الرسمية لم تتخذ أي إجراء ينقضها» هو تأكيد صريح على إمكانية إلغائها من قبل الدولة. وقد حسم مجلس الشورى هذه النقطة أيضاً في قرار له، بحيث اعتبر أنه يستخلص من القوانين «بأن المشترع اللبناني قد فوض الطوائف المعترف بها بالتشريع في بعض المجالات المختصة بها» لكنه أصرّ أن أنظمة الطوائف تحتاج إلى تصديق تشريعي كي تصبح نافذة، وأضاف صراحة أن «الأنظمة المطعون فيها لم تقترن بتصديق المشترع وهي بالتالي ما تزال غير نافذة» (قرار رقم 466 تاريخ 5/3/2014).

الدولة في لبنان هي مدنية وهي جهاز قانوني موحّد


الأمر نفسه ينسحب على الطوائف الإسلامية. فبعد تعليق تطبيق القرار 60/ل.ر. على المسلمين لم يعد بالإمكان قيام الطوائف الإسلامية بتقديم أنظمتها للدولة من أجل الاعتراف بها كما حصل مع الطوائف المسيحية، بل بات على الدولة أن تنظم هذه الطوائف مباشرة عبر إصدار تشريعات تمنح الطوائف الإسلامية مؤسساتها ومحاكمها وأجهزتها الإدارية المختلفة. وهذا ما حصل تدريجياً مع الطائفة السنية (1955) والدرزية (1962) والشيعية (1967) وأخيراً العلوية (1996). ولا بد لنا من عرض بعض الأمثلة التي تؤكّد من جديد طبيعة الصلاحيات التشريعية التي تتمتع بها الطوائف في لبنان. جرى تنظيم شؤون الطائفة السنية بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 18 تاريخ 13/1/1955. وفي 28 أيار 1956 صدر قانون جديد نصّ على التالي: «يحق للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى أن يعيد النظر في جميع أحكام المرسوم الاشتراعي المذكور، وأن يعدل ما يراه ضرورياً منها لتحقيق الغاية الأساسية منه، وتكون قراراته في هذا الصدد وفي كل ما يتعلق بالإفتاء وبتنظيم شؤون الطائفة الدينية وإدارة أوقافها نافذة بذاتها على أن لا تتعارض مع أحكام القوانين المتعلقة بالانتظام العام». أي أن هذا القانون منح الهيئة المخوّلة بإدارة شؤون الطائفة السنية صلاحية تعديل المرسوم الاشتراعي دون الرجوع إلى مجلس النواب، أي أنه منحها تفويضاً تشريعياً. وبالفعل قام المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى بتعديل هذا المرسوم الاشتراعي أكثر من مرة عبر قرارات أصدرها وتم نشرها في الجريدة الرسمية.
وقد اعتبر مجلس شورى الدولة أن قرارات التعديل تلك لها صفة النصوص التشريعية ولا يمكن الطعن بها (قرار رقم 16 تاريخ 12/10/2006). وبغضّ النظر عن هذا القرار الذي يمكن انتقاده لجهة اعتبار تلك القرارات غير قابلة للطعن كون مجلس شورى الدولة اعتبر أن المراسيم الاشتراعية التي تصدرها الحكومة بناء على تفويض من مجلس النواب تظلّ قبل تصديقها من هذا الأخير عبارة عن أعمال إدارية قابلة للطعن، الأمر الذي كان من المفترض أن ينسحب أيضاً على قرارات المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى. رغم هذا الأمر نلاحظ أن مصدر صلاحية المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى هو القانون الذي يحق لمجلس النواب تعديله وسحب هذا التفويض في حال قرر ذلك.
إن تنظيم شؤون الطوائف الإسلامية لم يقتصر على إنشاء المؤسسات والمحاكم الخاصة بها، بل أيضاً شمل تحديد المضمون الذي تطبقه محاكم تلك الطوائف. فقد نصت المادة 242 القديمة من قانون تنظيم القضاء الشرعي السني والجعفري الصادر بتاريخ 16/7/1962 على التالي: «يصدر القاضي السنّي حكمه طبقاً لأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة إلا في الأحوال التي نص عليها قانون حقوق العائلة الصادر في 8 محرم سنة 1336 و25 تشرين الأول سنة 1933 فيطبق القاضي السني أحكام ذلك القانون ويصدر القاضي الجعفري حكمه طبقاً للمذهب الجعفري ولما يتلاءم مع هذا المذهب من أحكام قانون العائلة». أي أن الدولة عبر سلطانها التشريعي هي التي تحدّد طبيعة النصوص التي تطبقها المحاكم الدينية الإسلامية حتى لو كان ذلك بشكل عام ودون الدخول في التفاصيل.
وفي سنة 2011 تم توسيع صلاحيات المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى عبر تعديل المادة 242 كي تصبح على الشكل التالي: «يصدر القاضي السني حكمه طبقاً للأحكام المنصوص عليها في القرارات الصادرة عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الأحوال الشخصية للمسلمين السنة والمتعلقة بتنظيم شؤون الطائفة الدينية (...) في حال عدم وجود أي نص يرجع القاضي السني إلى قانون حقوق العائلة العثماني الصادر في 25/10/1917 وإلا فيحكم طبقاً لأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة. ثانياً: يصدر القاضي الجعفري حكمه طبقاً للمذهب الجعفري، ولما يتلاءم مع هذا المذهب من أحكام قانون العائلة».
تحتل هذه المادة أهمية قصوى كونها تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة والطوائف. فقد منح هذا التعديل المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى صلاحية تشريع النصوص التي يجب على القاضي تطبيقها. فالمجلس الإسلامي الشرعي الأعلى لم يكن يستطيع تعديل المادة 242 كونها ليست جزءاً من المرسوم الاشتراعي رقم 18 الذي يحق للمجلس تعديله من تلقاء نفسه كما شرحنا بل هي مادة في قانون مختلف صدر سنة 1962، وبالتالي كان على مجلس النواب أن يتدخل ويمنح المجلس الإسلامي صلاحية إقرار الأحكام القانونية التي ستطبقها المحاكم، بينما كان ذلك لا يدخل في اختصاصه قبل سنة 2011 وهو ما يؤكد مرة أخرى أن التفويض التشريعي للطوائف يجد مصدره في القانون وليس في الدستور.
مثال أخير هو القانون الذي صدر سنة 2017 الذي قضى بتعديل قانون الأحوال الشخصية لطائفة الموحدين الدروز الصادر سنة 1948 بحيث تم رفع سنة الحضانة من سبع وتسع سنوات للصبي والفتاة إلى 12 و14 سنة تباعاً. وهذا ما يؤكد مجدداً أن التشريع هو اختصاص حصري للدولة عبر مجلس النواب وأن الدستور لا ينشئ مؤسسات طائفية ولا يمنحها صلاحيات تشريعية، بل هو فقط عبر المادة التاسعة يفرض على السلطة التشريعية الوحيدة احترام مضمون الأحوال الشخصية للطوائف ومنحها الصلاحيات بالقدر الكافي الذي يضمن استقلالها الذاتي. لكن مجلس النواب في لبنان توسع في منح تلك الصلاحيات عبر تفويض الطوائف وفقاً لصيغ مختلفة بالتشريع. ولا شيء يمنع مجلس النواب من سحب هذا التفويض التشريعي وأن يتولى بذاته إقرار النصوص الذي يرتأيها مناسبة شريطة احترام المادة التاسعة من الدستور. فالدولة في لبنان هي مدنية وهي جهاز قانوني موحد لا تتعدد فيه السلطات التشريعية، لأن مدنية الدولة هي المبدأ بينما التشريع الطائفي هو الاستثناء.
* أستاذ الأعمال التطبيقية للقانون الدستوري
في الجامعة اليسوعية