بارتياع صارخ يعجز عنه الوصف، وهو ارتياع المقبل على الموت المحتوم، يكتب أحدهم سائلاً: «ماذا لو غدر بنا ترامب؟».

للسائل، وهو مَن هو، أسباب وجيهة تفرض عليه التجرّؤ وارتكاب شبهة الشك في قرار سيّد الإرهاب الأصلي. لكن ما يعنينا أن الرجل بسؤاله قد ارتكب فضيلة الصدق الممنوع في فضاء أهل الاستتباع. وكشف عن حقيقة ما يدور في خلد ولي أمره المحلي كما في خلد غيره من الصنائع وأشباههم من أهل البداوة الليبرالية. كما كشف عن حال الضياع والترقب الممسك بهم. فهؤلاء، الذين ترتجف سيقانهم وتكاد حلوقهم تجفّ، يخشون تكرار ترامب لتراجع قد يودي بهم، هذه المرة، إلى هوّة لا قرار لها، خصوصاً أن صدى إحجامه عن «الرد العظيم» الذي كان توعد به عقب نجاح الإيرانيين في إسقاط مفخرة الموت الأميركي، وابتلاعه المرّ لهذا الإسقاط، ما زالت تردداته تضرب في العواصم الساعية للحرب والمتشوقة إليها، فضلاً عمّا سبق الإحجام المذلّ ورافقه من إخراج سقيم الخيال والمخيلة.
صار واضحاً أن محنة الليبراليين العرب كبيرة وغير مسبوقة. لقد تعثرت رهاناتهم سواء في سوريا أم في اليمن أم في غيرهما من الدول التي ضربها طاعون الصحراء... وصولاً إلى فلسطين التي يموّلون مشروع القضاء عليها. ولعلّ ما يضاعف من هذه المحنة هذا الانكشاف الصادم لحجم القاعدة التي تستمع إليهم، واكتشاف ولاة الأمر الأصليين في واشنطن أن القاعدة التي عُظّم من شأنها ونُفخت أعدادها، تكاد تقتصر، ورغم أعطيات البترو دولار الجزيلة، على مرتزقة فاشلين احترفوا نقل الولاءات، ووشاة تافهين أدمنوا الارتزاق، ومهزومين لم يُخلصوا لمبدأ ولا شاركوا في قتال. أما أسباب الانكشاف المتأخر بعض الشيء فناجم، ابتداءً، عن غثاثة الطرح وسوء المضمون وعجز التأثير ما قاد إلى انحسار باتت وقائعه جلية. وما انقسامهم تارة بين المشغّل السعودي وطوراً القطري أو الغربي غير مؤشر على بؤس حالهم وضيق خياراتهم البائسة وتعذّرها. إنهم في حالهم الراهن حال مَن أقفلت الأبواب دونه، أو حال مَن وقع في فكّ التنين، فلا هو بقادر على الخروج ولا هو بقادر على البقاء. أما العودة إلى امتشاق القضايا المحقّة والعادلة، على ما نجح به بعض الصغار الذين قُبلت توبتهم، فلم يعد متيسراً بسبب جسامة الأفعال وثقل الحساب الشخصي لكل واحد منهم، فضلاً عن عجزهم عن إقناع من يتوجهون إليه بتوبة يرجون منها التطهّر الكاذب. ولو كانوا قادرين لما توانوا لحظة واحدة (وهذا مؤكد بدليل تاريخهم الطويل في التقلّب). لكن إدراكهم لفداحة ما ارتكبوا وما أتوه من شناعات تجعلهم في حيرة تدفع بهم إلى الاقتصار على الأحضان المتوافرة، وهي إما سعودية أو قطرية... وفي أحسن الأحوال ستكون إسرائيلية...
وربطاً بحالهم التعس هذا، والذي يفاقم منه انعدام الخيارات البديلة أو تعذرها، تراهم يكثرون من إثارة الغبار المصحوب بارتفاع الصوت. والنادي الذي ضمّهم وربطهم، وعلى وفرة إمكاناته المالية والمنبرية، يبدو هذه الأيام معزولاً عن أنواع الفعل والتأثير. أما توسلاتهم التي ترتدي شكل التطبيع المهين فلم تعد بالتأثير المرجو منها. فالفلسطينيون، ورغم الاختراقات الإسرائيلية السرطانية لجسمهم، قد اجتمعوا على رفض الصفقة الترامبية، وارتضوا سلوك خيار مواجهتها.
هذا النادي الذي انتخبته الأجهزة الغربية لينوب عنها في أداء ما عجزت عنه من أدوار قذرة، يعاني، اليوم، من ضائقة شاملة غير مسبوقة. ولم يعد بمقدوره، على دارج ما اعتاد، لا تزيين السياسات القاتلة ولا إضفاء البريق الكاذب عليها. ووصل في إفلاسه حدّ العجز عن التوفيق التلفيقي الذي كان أتقن بعض تقنياته. إنه اليوم أمام افتضاح أمره وانكشاف أضاليله التي اجتهد في نسجها. ويعيش سقوط الوعود الكثيرة التي أُغدقت عليه، وأغدقها بدوره على الآخرين، نتيجة ارتطامها بواقع المقاومة الصلب والعنيد.
والأغرب من كل ما سبق أنهم، ورغم التجارب المريرة، تراهم يعاودون الوقوع في الخطأ نفسه. بالأمس راهنوا على باراك أوباما، فأثنوا على قراره «الشجاع» بشن الحرب على سوريا، وكالوا له المدائح وأغرقوه بعظيم الصفات وراحوا يتوعدون خصومهم بالشر المستطير. وفي الانتظار الذي صاروا يقيسونه بالثواني، كانوا قد أعدّوا لما سمّاه أحدهم «عرس الأعراس». كانوا على موعد مع سعادة القدر. وكيف لا يكون الأمر كذلك، والبوارج الأميركية وحاملات الطائرات المدجّجة بآخر تقنيات القتل تنتظر إشارة الهجوم الساحق الماحق. لكن فجأة أظلمت السماء، وتبخّرت الآمال العظام التي لاحت لهم واقعاً بديلاً، إذ تبين أن حسابات الرجل الدقيقة لم تطابق بيدر تمنياتهم، فجعل يتراجع غير آبه بهم وبأمثالهم. لكنهم، بالمقابل، وعملاً بما تعلّموه من تعاليم البداوة، وتشرّبوه من عاداتها، حقدوا عليه أشدّ ما يكون الحقد. ولم يغفروا له تراجعه، وكيف يفعلون بعدما ضيّع عليهم فرصة الاحتفال وشرب الأنخاب. وهكذا بين ليلة وضحاها، استبدلوا كلام التعظيم والثناء بكلام الضعف والتخلي، وراح بعضهم يعيّره بلونه الأسود، ويرجع «تخاذله» إلى أصوله الكينية. وبعدها بمدة حبكت مع أحد ألمع رجالاتهم، وكشف من حيث يعي أو لا يعي، وأجاد التعبير بكشفه أنه «لو تمّت الضربة لرقصتُ في الشارع»!
وبالعودة إلى السؤال الغريب: «ماذا لو غدر بنا ترامب؟»، يقول إن مسطّره ما كان ليتجرأ ويسأل لولا أن هناك من كلفه بهذه المهمة. فسؤال السيّد من المحرمات التي ترعاها قوانين الولاء الصحراوي وأعرافها.
والسؤال، في صيغته المباشرة، يدل أول ما يدل، على أن «طعنة» أوباما و«غدره» لا يزالان نديّين في نفوسهم. كما ويدل على أنهم لم يتعلموا من دروس الخيبات الكثيرة التي مروا بها. وهم في سلوكهم السوريالي هذا كالمدمن الذي ما عاد قادراً على التحكّم في أفعاله، فتراه يوغل في معاقرة ما أدمن عليه من... رهانات فاشلة.
محنة الليبراليين والعرب ومأساتهم أنهم باتوا أسرى رغبوية لا شفاء منها، وكذلك أسرى أفق محدود ينظر إلى الحقد بوصفه أعلى مراتب السياسة، وإلى الشتيمة بوصفها أرفع مستويات الفكر والثقافة، وإلى العمالة والارتزاق بوصفهما أرقى درجات الحرية. لذلك تراهم يعاودون كرة الرهانات الخاطئة والحمقاء.
إن هؤلاء الذين تنتفخ أوداجهم، ويسيل لعابهم، عند كل وعد غربي بتغيير المعادلات، يعيشون اليوم أوضاعاً قاسية. فلا هم قادرون على مهاجمة ترامب، ولا قادرون على تقبّل تراجعه المحتمل ولا نقول المنتظر. وفي غضون ذلك يستمرون في إطلاق الاستغاثات التي لا يبدو أن ترامب أو أيّاً من صحبه يعيرها الاهتمام. لكن كل ذلك لا يمنعهم من حق السؤال الساذج: «ماذا لو غدر بنا ترامب؟».
تبقى الإشارة إلى ما يتضمنه السؤال من شبهة انتحال الصفة، وهذا مما يعاقب عليه القانون. فـ«نا» الجماعة يُقصد بها «نا» أمير المنشار المسلول، وأقران السائل من الذين يشهدون تبخّر آمالهم أمام أعينهم، وهو ما يحاول سائلنا الفطن إخفاءه من خلال التعميم. فوجب التوضيح.