في 6 مارس/ آذار 1999، تسلّم حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم في البحرين. وجد الأمير نفسه أمام تحديات كبيرة، لكن سرعان ما انفرجت جملة هذه التحديات، لأسباب عدة، معظمها لظروف خارجية، لا دخل للشيخ حمد بها. وقد وضعت تلك الانفراجات الكبرى، حقيقة، آفقاً استثنائياً، أمام الأمير الجديد، الذي سمى نفسه ملكاً في 14 فبراير/ شباط 2002، للنهوض بالبحرين، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وكذلك على صعيد العلاقات الخليجية، وتعزيز مكانة البحرين الدولية.


وسأركز هنا على انفراجين رئيسيين: أولاً، الارتفاع المذهل في أسعار النفط، وثانياً: الحل التاريخي للنزاع مع قطر على جزر حوار، ومدى قدرة الملك الجديد على استثمار ذينك الانفراجين للدفع بالبحرين نموذجاً للتنمية الداخلية والعلاقات الخارجية.
الانفراج الأول: ارتفاع أسعار النفط
في 1994، انخفضت أسعار النفط إلى مستوى غير مسبوق منذ 1973. وفي 1997، بلغ متوسط سعر البرميل نحو 19 دولاراً لينخفض إلى نحو 12 دولاراً في 1998. ولم تسجل الأسعار تعافياً مستداماً إلا في 1999 حين ارتفع متوسط سعر البرميل إلى 15 دولاراً في أبريل/ نيسان 1999، أي بعد نحو شهر من تولي الشيخ حمد السلطة، ثم واصلت الأسعار الارتفاع التدريجي، حتى اقتربت إلى نحو 20 دولاراً للبرميل، في فبراير/ شباط 2001، تزامناً مع التصويت على ميثاق العمل الوطني الذي كان يفترض أن يأذن بدخول البلاد مرحلة من الإصلاح والتوافق الوطني، تؤدي إلى تشكيل برلمان منتخب، وتعزيز المواطنة. بيد أن ما حصل هو مزيج من الاستفراد الرسمي بإصدار الدستور بعد عام من ذلك، وشعور المعارضة بغدر الملك، وتزعزع الثقة في برنامجه... ومع ذلك، فإنّ أسعار النفط واصلت ارتفاعها، حتى بلغت نحو 24 دولاراً في 2001، تزامناً مع تفجير برجَي التجارة العالميين في نيويورك.
مع إصدار الملك دستور مملكة البحرين، من دون استقتاء شعبي، في فبراير 2002، تضمن تشكيل برلمان نصفه منتخب، بدا كأن سوق النفط «تكافئ» الملك الجديد، إذ واصلت الأسعار ارتفاعها، ثم لتكسر حاجز 30 دولاراً للبرميل مع حلول الانتخابات النيابية في نهاية 2002، التي قاطعتها «الوفاق» وبعض قوى المعارضة احتجاجاً على صدور الدستور، وتقسيم الدوائر الانتخابية.
إذاً، بينما يمضي الملك حمد غير عابئ باحتجاجات المعارضة، كانت سوق النفط ترتفع على نحو غير مسبوق، لتوفر له وفورات مالية لم تكن في الحسبان، حين بدأ عهده في الحكم. ومن دون شك، فقد أعطى ذلك دفعة هائلة لنهجه الأحادي.
مع حلول 2006، حيث جرت الانتخابات النيابية في نسختها الثانية، تضاعفت أسعار النفط، وبلغت 70 دولاراً للبرميل، ثم سجلت الأسعار، في 2008، أعلى مستوى لها في تاريخها عند 145 دولاراً للبرميل، لكن متوسط الأسعار خلال هذا العام كانت في حدود 100 دولار، وذلك بسبب اندلاع الأزمة المالية العالمية وتراجع الأسعار، لتكون في حدود 80 دولاراً في 2010، وهو العام الذي شهد ضربة أمنية عنيفة ضد الجماعات الراديكالية المعارضة، أعادت إلى الأذهان بحق نهج الدولة الأمنية، الذي اعتُقد أنه قد رحل إلى الأبد مع إلغاء الملك حمد قانون محاكم أمن الدولة، الذي بسببه حلّ مجلس النواب في 1975، والذي ظل ساري المفعول حتى 2001.
الأمر الآخر، الذي تم في 2010، هو الانتخابات النيابية في نسختها الثالثة، بمشاركة الجمعيات المعارضة، التي استثمرت على نحو مذهل الضربة الأمنية في الترويج الانتخابي، للقول إنّ هدفها إبعاد المعارضة عن مجلس النواب، وقد حصلت «الوفاق»، على 18 مقعداً، من أصل 40، وهي النسبة التي تحددها لها الدوائر الانتخابية غير العادلة.
مع حلول فبراير 2011، وانطلاق انتفاضة اللؤلؤة، فإن أسعار النفط استعادت عافيتها وتجاوزت 100 دولار للبرميل، وهو متوسط السعر الذي لا يزال سائداً حتى الآن.
إذاً، خلال عقد ونصف من عهد الملك حمد، تجمعت فوائض مالية ضخمة بالفعل، يضاف إليها مليار دولار تحصل عليه السلطات، سنوياً، منذ 2011 من الدول الخليجية.
في ظل ذلك، لم تتحسن الأوضاع المعيشية للمواطنين على نحو يتناسب ومستوى أسعار النفط، بينما تدهور مستوى الخدمات، على صعيد الصحة، والتعليم والإسكان. في المجال الإسكاني مثلاً، ارتفعت الطلبات الإسكانية إلى عدد كبير جداً، يبلغ 50 ألف طلب، بحسب الإحصاءات الرسمية. فيما فشلت السلطة في وعودها بتحقيق بيت لكل مواطن، والفشل الأكثر وضوحاً يتمثل في عدم بناء المدينة الشمالية ومدن ثلاث أخرى، أعلن عنها منذ 2002. في المقابل فقد جرى التوسع في بناء المدن الخاصة، التي افتتحت بالفعل، مثل جزر أمواج، ودرة البحرين، إضافة إلى ديار المحرق قيد البناء، المملكوكة لبانورات المال الجدد، وهم عملياً الواجهات للمال الخليفي، والمتحالفين معهم.
ويقدر النائب السابق عبدالجليل خليل «مجموع التعديات على ملكيات الأراضي العامة (لبناء المدن العقارية أو غيرها) بنحو 65 كيلومتراً، بكلفة لا تقل عن 15 مليار دينار»، وهي إحصاءات كشفتها لجنة تحقيق برلمانية في أملاك الدولة، رأسها خليل، الذي كان يتزعم الكتلة النيابية للبرلمان قبل استقالتها في 2011. ورغم الوفورات المالية غير المسبوقة، يُتوقع أن يرتفع الدين العام نتيجة الاقتراض إلى مستوى قياسي جديد في العام الجاري، ليصعد من 4,2 مليارات دينار في 2013، إلى 5,9 مليارات دينار في نهاية العام الجاري؛ أي أكثر من 52 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبحرين، ثم إلى نحو 7,7 مليارات دينار في عام 2018، وهو ما يمثل أكثر من 61 في المئة من الناتج المحلي. وقد خفضت وكالة «موديز إنفستورز سيرفيس» تصنيف البحرين الائتماني درجة واحدة، وحذرت من احتمال إجراء المزيد من التخفيضات مستقبلاً بسبب الوضع المالي الضعيف للحكومة، وتوقعات بتباطؤ النمو الاقتصادي على المدى المتوسط. الرياض والدوحة معركة ساخنة بلغة ناعمة
المستفيد الأكبر من زيادة أسعار النفط هو المؤسسة العسكرية والأمنية التي بلغت نسبة مصروفاتها 30% من حجم المصروفات الكلية للدولة، ولا يخفى أن هذه الميزانية الضخمة (نحو 855 مليون دينار بحريني) تكرس ثلاثة أمور مأسوية، الأول: تزيد هذه الميزانية من التغول الأمني، وعتاد وعدة أجهزة الجيش الداخلية والمخابرات. الثاني: تزيد من حجم الفوارق المادية والمعنوية بين الشيعة والسنة، إذ إن هذه المؤسسات تكاد لا توظف المواطنين الشيعة، أما الأمر الثالث الذي تؤديه هذه الميزانية الضخمة، فهو زيادة وتيرة التجنيس السياسي الهادفة إلى التغيير الديموغرافي، فمعلوم أن التجنيس غير القانوني للأجانب يتركز في المؤسسة العسكرية، ولذا أيضاً، فإن جميع القتلى من الشرطة في الاحتجاجات التي تعصف بالبحرين منذ 2011، هم من الأجانب.
إذاً، بدل أن تؤدي الوفورات المالية إلى تقليص الفوارق الطبقية بين المواطنين، وإشاعة حالة أوسع من المساواة والعدالة، فإنها مضت إلى زيادة وتيرة الاقتراض والأعباء على المواطنين، وتكريس الاستبداد والتمييز، حيث بات الشيعة لا يمثلون إلا نسبة متواضعة للغاية من الحضور القيادي في المؤسسات الحكومية، فيما غيابهم شبه تام في المؤسسة العسكرية والأمنية، أما في القطاع المالي الذي يمكن اعتباره الذراع الأخرى للاستبداد والتمييز في البحرين، فلا يسمح للشيعة بتأسيس بنوك، فيما عملهم فيه محدود في الوطائف الدنيا، ومفقود في الوظائف العليا. ولا تبين الميزانيات المتعاقية كيفية صرف الوفورات المالية، كما لاحظت جمعية الشفافية البحرينية، فيما يعتبر زعيم حركة «وعد»، المحكوم خمس سنوات،يجب أن يكون هناك نقطتان بعد الرياض والدوحة إبراهيم شريف، وهو مصرفي محترف، ميزانية الديوان الملكي سرية، إذ لا تعطي الميزانيات التي يقرها البرلمان معلومات عنها، ولا حتى رقماً واحداً.
إذاً، فإن الانفراج الحاصل في أسعار النفط، والارتفاع التاريخي له خلال عقد ونصف من حكم حمد، أدى إلى نتيجة عكسية، فقد زادت كل ألوان الشر: تضخمت المؤسسة العسكرية، وتسارع التمييز فصار فاقعاً، ومضت سياسات التجنيس بلا تردد، كما ارتفعت سرقات الأراضي، وزادت الهوة بين الأغنياء والفقراء.
الشيء الوحيد الذي انخفض، هو مستوى الخدمات التي تدهورت على نحو بات المواطن يلجأ إلى العيادات الخاصة والمدارس الخاصة. ولست متأكداً كيف ستكون الحال بدون هذه الوفورات. لكن، لعل نسبة الشر ستكون أدنى من الراهن المخيف، فقد وفر الريع النفطي استقلالاً شبه كامل لسياسات الملك، بعيداً عن أي شرعية شعبية، ولا إحساس بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطن. وذلك دون شك في جوهر الأسباب المؤدية إلى انفجار 14 فبراير (2011) التاريخي.
الانفراج الثاني: حل النزاع مع قطر على جزر حوار
في 16 مارس 2001، أي بعد نحو عامين من تولي الأمير الجديد السلطة، أسدلت محكمة العدل الدولية الستار على النزاع البحريني القطري الطويل والمرير، بأن منحت المحكمة البحرين حق السيادة على جزر حوار وقطعة جرادة، ومنحت قطر حق السيادة على الزبارة وفشت الديبل، مع حق مرور سفن الأخيرة في المياه الإقليمية بين جزر حوار والجزر البحرينية الأخرى، إضافة إلى تقسيم الحدود البحرية بين البلدين.
يفترض أنه كان من حسن حظ الملك حمد أن الحكم الدولي جاء مرضياً للطرفين، وكان مقدراً أن لا يفتح ذلك فقط للأمير الجديد فرصة أكبر للتركيز على القضايا المحلية العويصة، وإنما فرصة تاريخية للدخول في علاقات طيبة مع الدوحة الصاعدة.
لكن ما حصل عكس ذلك، فقد استمرت السلطات البحرينية بالإساءة إلى قطر ومسؤوليها، والزّج باسم الدوحة في الأحداث السياسية المتفاقمة في البلاد. مثلاً، فقد اتهم الملك حمد، خلال مأدبة إفطار رمضانية أقامها في الثامن من رمضان 1431 هجرية، الموافق 18 أغسطس/ آب 2010، قطر بأنها تقف خلف مجموعة معارضة تضم 23 ناشطاً تم اعتقالهم منتصف أغسطس 2010، بتهم الانقلاب على النظام، كالعادة، وذلك قبل عدة أشهر من اندلاع الربيع العربي.
وقد تساعد وثائق ويكيليكس في فهم الموقف الرسمي البحريني من دولة قطر: «في وثيقة تحمل الرقم 06 MANAMA1846 بتاريخ 11/1/2006، مصنّفة سرّية، يشتكي الملك حمد من أنّ قطر تصبح ستاليت إيراني، وأن سلاح الطيران القطري لديه أكثر من 80 قبطاناً إيرانياً، والمستشفيات القطرية مزوّدة بطواقم طبية إيرانية، وقد أقامت قطر مرفأً خاصاً ل لصادرات الإيرانية. ويشير إلى أن قطر اشترتها إيران، فيما تبتعد عن السعودية». الرياض والدوحة: معركة ساخنة بلغة ناعمة
إذا، فإن موقف السلطات البحرينية من قطر ليس بأفضل من موقفها من إيران، يغذيها ما تعتقده عائلة آل خليفة بأن قطر أو جزءاً منها على الأقل (الزبارة)، يفترض أن يكون خاضعاً للحكم الخليفي، ويزداد الحسد الخليفي بالنظر إلى الثورة الهائلة القطرية في النفط والغاز، لكن البعد المهم أيضاً أن آل ثاني في نظر آل خليفة «أسرة ليست عريقة، ولم تكن معروفة قبل 30 عاماً، وصارت حاكمة بالصدفة». ويقول أحد أفراد عائلة آل خليفة لكاتب هذه السطور: «آل ثاني محظوظون بحكم قطر، وكان يجب على الأجداد أن لا يغادروا الزبارة كلياً» إلى البحرين، التي كانت، في 1783، مغرية وجزراً مليئة بالخضرة والماء وسط صحارى قاحلة.
إذاً، فإن المنامة لا تتوانى عن الحديث عن قطر بلغة تفتقر إلى الدبلوماسية، إلى درجة يصعب تفسير ذلك إلا بغياب الحكمة، رغم أن قطر دعمت رسمياً الوجود العسكري السعودي في المنامة، ولجمت قناة الجزيرة العربية من الحديث عن ربيع البحرين، ولم تقدّر حكومة البحرين ذلك، وراحت تجترح المشاكل مع قطر كلما أتيحت لها فرصة! (انظر مقال: قطر والبحرين... الودّ المفقود).
إذاً، يمكن أن يُسجل للملك حمد الفشل البالغ في تشكيل علاقة راسخة مع الدوحة. وصحيح أن ذلك جزء من السياسة الخارجية السعودية التي تتبعها البحرين، بيد أن الأمر لا يقتصر على علاقات باردة، وإنما يتعداه إلى الدخول في حرب باردة، دون مبرر، ولا سند، وبتضادّ مع مصالح البحرين الاستراتيجية مع شقيقة خليجية.
فشل غير موضعي
في الواقع، لم تكن إدارة الملف السياسي تختلف عن الطريقة التي أديرت بها الوفورات النفطية الضخمة والعلاقات مع قطر التي كانت واعدة. لقد ضُخ المال النفطي في بنية الاستبداد، وفي تكريس سياسة التمييز والتجنيس، وتحولت جزر حوار (ثلث مساحة البحرين) إلى أشبه بملك خاص للعائلة الحاكمة، وتدهورت العلاقات مع قطر.
لم يستثمر الملك الدعم المحلي المطلق له (98.4%) بعد التصويت على الميثاق لتحقيق توافق وطني أوسع، ولم يستثمر أموال النفط للمضي في سياسة اجتماعية اقتصادية؛ قوامها تنمية الوطن، والنهوض بالمواطن، كما لم يستثمر حل النزاع الحدودي مع قطر لتحقيق تكامل اقتصادي بين البلدين الشقيقين، كما تفعل الإمارات مع إيران وقطر والسعودية.
ولم يفد الملك حمد من كونه بدأ الإصلاح المفترض قبل وقوع أحداث سبتمبر 2001 الإرهابية في أميركا، (بدأ الملك الإصلاح في فبراير 2001). وفي هذه الحالة، فإن الأحداث لعبت لصالح الملك حمد أيضاً، فقد منحه ذلك تخففاً من الضغوط الأميركية المنادية بدمقرطة المنطقة حينها.
ولم يستفد الملك من ذلك إلا لتكريس برنامجه الأحادي، بدل أن يمنحه فرصة أكبر للتوافق الوطني دون ضغوط خارجية. وهكذا بدل أن تكون البحرين نموذجاً يحتذى، على صعيد الإصلاح الداخلي، والبناء الاقنصادي والتنموي، وإدارة العلاقات الخارجية، باتت نموذجاً غير مرغوب فيه. وتحوّل الملك حمد، بعد عقد ونصف من تبوّئه السلطة، من شخصية إصلاحية ومقدّرة دولياً، إلى شخصية منبوذة، أو على الأقل لا تحظى بالتقدير والاحترام. وداخلياً، انتقل من مربع الملك الذي تحمل سيارته (2001)، إلى شخص تداس صوره وينادى بسقوطه.
* كاتب وصحافي بحريني ــ لندن