أفادت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، الأربعاء 04/12/2019 بأن وزيرَي الخارجية، المصري سامح شكري، والفرنسي جان إيف لودريان، تناولا في اتّصال هاتفي «تطورات الأوضاع في منطقة شرق المتوسط، وما تتّسم به من اضطراب وعدم استقرار، بما في ذلك الوضع في ليبيا».

وبحسب البيان، فقد اتّفق شكري ولودريان «على عدم مشروعية توقيع ليبيا لمذكرتَي تفاهم مع تركيا»، بتاريخ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، في مدينة اسطنبول، بحضور الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج. فقد جرى التوقيع على مذكّرتَين، تنصّ أولاهما على تحديد مناطق النفوذ البحري بين الطرفين، فيما تقضي الثانية بتعزيز التعاون الأمني بينهما.
كذلك، توافَق الوزيران على «أهمية استمرار العمل في إطار مسار برلين للتوصّل إلى إطار سياسي شامل لتسوية الأزمة الليبية... والعمل على دعم مؤسّسات الدولة وصلاحيات مجلس النواب باعتباره المجلس التشريعي المنتخَب، واتّخاذ موقف حازم اتصالاً بمواجهة المليشيات والجماعات الإرهابية وإنهاء الصراع العسكري وتفعيل المسار السياسي وصولاً إلى عقد انتخابات حرة».
وعلى الرغم من وضوح البيان المصري بخصوص الموقف الفرنسي، لكن مَن يتتبع مواقف السياسية الفرنسية التي تخصّ الشأن الليبي سيجدها سياسة تتمّيز بالازدواجية وعدم الوضوح، فماكرون يؤيّد الجهود الأممية من أجل إيجاد حلّ سياسي للأزمة الليبية، ويؤكّد دعمه لحكومة «الوفاق» المُعترف بها دولياً ويستقبل السراج ويبحث معه حلّ الأزمة، لكن في الوقت نفسه فإنّ فرنسا من أبرز الدول الداعمة للجنرال خليفة حفتر.
أخيراً، أقرّت وزارة الدفاع الفرنسية بأن صواريخ «جافلين»، التي صادرتها حكومة «الوفاق» المُعترف بها دولياً في قاعدة غريان غرب ليبيا، والتي كانت تحت سيطرة قوات تابعة للجنرال خليفة حفتر، مصدرُها فرنسا. وقالت الوزارة إنه تمّ شراء هذه الصواريخ من الولايات المتّحدة كعِتاد عسكري، وخُصّصت لحماية فريق استخباراتي فرنسي موجود في ليبيا لأهداف مكافحة الإرهاب، وإنّ تلك الأسلحة كانت مخبّأة بصفة مؤقتة في مخزن بغرض تدميرها، ولم يكن هناك أيّ رغبة في تسليمها أو بيعها لأطراف القتال في ليبيا. بيان وزارة الدفاع الفرنسية يشير إلى أن فرنسا ضدّ التصعيد، لكنّها تدعمه بطريقة ما أيضاً!
ولم يكن هذا هو الظهور العسكري الوحيد لفرنسا إلى جانب الجنرال خليفة حفتر، فقد أعلنت تونس ضبط مجموعة تتكوّن من 13 فرنسياً، قدموا إلى أراضيها عبر ست سيارات رباعية الدفع، تحت غطاء دبلوماسيّ، ومعهم أسلحة وذخيرة مخفية بعناية داخل السيارات. وأفادت تقارير إعلامية في تونس بأن العناصر الفرنسية تقدّم الاستشارة والدعم العسكريَّين لقوات خليفة حفتر.
وهذا ما يجعل طبيعة الدور الفرنسي في ليبيا غير مفهومة، لكن الشيء الوحيد المفهوم هو أن فرنسا مهتمّة جداً بنفط ليبيا ولن تقبل بأيّ تسوية أو نظام لا يضمن لها قدماً في ليبيا الغنية. وممّا سبق، تظهر أمامنا تساؤلات: هل لجوء مصر لاختيار فرنسا حليفاً في الشأن الليبيي، سيحقّق مصالحها في ما يتعلق بالأمن القومي المصري، وغاز شرق المتوسط؟ وهل كان يمكن لمصر الاستعانة بحليف أوروبي أكثر فاعلية ومصداقية ومعرفة بالملف الليبي لخدمة مصالحها؟
لا يمكن أن نجزم بـ«نعم أو لا» في السياسة، ولكن قد يكون سرد بعض المعطيات السياسية والاقتصادية محاولة لصنع إجابة على مدى جدوى تحالفات مصر الدبلوماسية.

كان الفرنسيون عرّابي التدخّل العسكري في ليبيا وأكّد أكثر من مصدر أن الاستخبارات الفرنسية قد لعبت دوراً مباشراً في مقتل مُعمر القذافي


بداية، كان الفرنسيون عرّابي التدخّل العسكري في ليبيا، وأكّد أكثر من مصدر أن الاستخبارات الفرنسية قد لعبت دوراً مباشراً في مقتل مُعمر القذافي، من دون التفكير في بديل للحكم أو وضع خطّة لكيفية الحفاظ على الدولة الليبية، ما حوّلها بشكل مباشر إلى ملجأ للإرهابيين وعصابات تهريب البشر، والمخدرات، والسلاح. وفي اللحظة التي سقطت فيها ليبيا، أعلن وزير الدفاع الفرنسي جيرار لونجيه يوم مقتل القذافي، أن بلاده لعبت دوراً قيادياً في المهمة ضدّ نظام القذافي، و«يجب أن تلعب دوراً قيادياً أيضاً في إعادة الإعمار بعد الحرب»، وسارعت باريس إلى إعلان قمة لإعادة إعمار ليبيا، ووضع الفرنسيون أمام ليبيا فاتورة قدرها 200 مليار دولار أميركي لإعادة الإعمار في السنوات العشر المقبلة فقط. كذلك، قدّر المكتب الدولي الفرنسي للتنمية أن قطاع النفط الليبي يحتاج إلى أكثر من 30 مليار دولار أميركي كي يعود إلى مستوى إنتاجه قبل الحرب، رافعين معدّلات الإنتاج من 1.6 مليون برميل يومياً إلى 3 ملايين برميل يومياً. وتحتاج البلاد إلى 12 مليار دولار لقطاع الكهرباء، وما يتراوح بين 5 و6 ملايين دولار للمواصلات، و4 ملايين دولار للبناء المدني.
كذلك، عبّرت فرنسا عن استعدادها للإفراج عن نحو مليارَي دولار من الأموال المجمّدة لصندوق الثروة السيادية الليبية، لكن مع إبداء رغبتها في الاشتراك في الاستثمار مع صندوق الثروة السيادية الليبي. وبالتزامن مع كعكة الإعمار الليبية، نشرت صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية رسالة تحمل اسم «الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا» موجّهة إلى أمير قطر يقول فيها إن المجلس وقّع اتّفاقاً يمنح 35% من إجمالي النفط الخام إلى الفرنسيين مقابل دعمهم في الحرب. وقد تمّ نفي وجود مثل هذه الوثيقة و«الجبهة الشعبية» من الأساس.
ولا تهتمّ فرنسا بالنفط فقط، فأمور شركة «توتال» الفرنسية تسير على ما يرام، وقد توسّعت في ليبيا أخيراً، بشراء حصة نسبتها 16.33% في امتياز «الواحة الليبي» من «ماراثون أويل» في صفقة قيمتها 450 مليون دولار. بل أكثر من ذلك، فالاشتباكات التي تدور في مناطق الجنوب الليبي للسيطرة على حقول النفط هناك، تجعل شركة «توتال» أكبر المستفيدين المحتَملين من هذه الاحتياطيات النفطية. لهذا، صارت فرنسا تهتمّ بوجودها في مناطق ليبيا الحدودية مع الدول الأفريقية لما يعنيه هذا الأمر من تعزيز لمكانتها جيوسياسياً، خصوصاً في المستعمرتَين الفرنسيتين السابقتين تشاد والنيجر.
أمّا بخصوص تأمين المصالح الفرنسية من شركات ومكاتب وقنصليات، فقد عزّزت فرنسا من وجود شركات الأمن الخاصة التابعة لها بشكل ملحوظ في المدن الليبية، أيّاً كان الفصيل المُسيطر على المدينة، ونشر الفرنسيون رجالهم في طرابلس لدى حكومة «الوفاق»، وفي بنغازي لدى خليفة حفتر، مُحقّقة مكاسب من الاستثمار في مجال الأمن.
وفي ضوء المعطيات السابقة وبتفنيد المصالح الفرنسية، نجدها مُختلفة عن أهداف مصر في ليبيا، فقد كانت الثوابت المصرية تجاه ليبيا تتمثّل في غلق منافذ تهريب السلاح والمخدرات والحدّ من نشاط الجماعات الإسلامية المعادية للنظام الحالي في مصر، وهذا ما ليس على الأجندة الفرنسية الحقيقية، بعيداً عن التصريحات الإعلامية والبيانات الدبلوماسية.
وقد ركّزت مصر في أهداف فرنسا، إلى جانب الإمارات والسعودية، وهي سياسات بمنظور قصير، وتجعل مصر بلا أيّ مكاسب خاصة سياسياً واقتصادياً، ولم تبدِ مصر تجاوباً مع سياسة إيطاليا، خصوصاً أن الأخيرة رأت أن انهيار ليبيا يعني تهديداً لحوض البحر المتوسط بكامله، قبل أن يكون تهديداً لمصالح إيطاليا الاقتصادية والسياسية في هذا البلد، والذي يُعتبر امتداداً للنفوذ الجغرافي الإيطالي، حيث كانت ليبيا مستعمرة سابقة لها.
كذلك، يبدو أن مصر لم تضَع في الحسبان سيطرة حكومة «الوفاق» بقيادة فايز السراج على حقول النفط البحرية، وأن شركة «إيني» الإيطالية هي التي تدافع عن هذه الثروات النفطية ضدّ إعادة عملية التوزيع التي يريدها الفرنسيون، وهي الشركة نفسها التي تجمعها استثمارات واسعة مع مصر في ما يخص ملفّ الغاز الطبيعي، ويمكنها أن تكون داعماً قوياً للغاية في ملف غاز شرق المتوسّط، أي أنّ التقارب بين مصر وإيطاليا في ما يخصّ أمن الشواطئ والطاقة ويليه الأمن القومي العسكري، نتيجة الخبرة الطويلة للإيطاليين في الصحارى والمياه الإقليمية الليبية، كان سيجعل من مهمّة مصر في ليبيا أسهل وأكثر وضوحاً وشفافية.
وأخيراً، يجب على مصر أن تدرك أن آمال حفتر في الاستيلاء السريع على العاصمة الليبية طرابلس قد تلاشت، وقد أثبتت القوّات الموالية لحكومة «الوفاق الوطني» المُعترف بها من قِبل الأمم المتحدة قدرتها على الدفاع. وهذا ما حمّس جهات دولية فاعلة، بعيداً عن الاستقطاب الإقليمي، ترى أنه إذا تمّ دعم فايز السراج بما يكفي، قد يمكّنه ذلك من إعادة الأمن في ليبيا عبر عقد العديد من التفاهمات مع الجهات المتناحرة، خصوصاً في ظلّ ضعف خليفة حفتر الذي بدا واضحاً مع هزائمه العسكرية.
فرنسا، وبرغم كلّ ما سردناه من أرقام مليارية وأهداف في ليبيا، إلّا أنّها ما زالت تتخبّط، ولن تضحّي بعلاقاتها مع تركيا ومن خلفها قطر (وقد انضّمت الأخيرة إلى نادي شراة طائرات «الرافال» الفرنسية)، من أجل أرض جديدة ما زالت تبني فيها نفوذها. وعلى مصر أن تبدأ بأخذ خطوات أكثر جدية لتحقيق توازن في سياستها الخارجية، بعيداً عن الاستقطاب الإقليمي وصناعة العداوات بدون نهاية، خصوصاً مع دول الجوار، فالسياسة مجال للممكن والاحتمال، ولا تعترف الدبلوماسية بصديق إلى الأبد ولا عدو إلى الأبد أيضاً.

*كاتب مصري