كلّ ما حصل في الفترة الماضية، من اغتيال أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني، وصولاً إلى ترسيم «صفقة القرن» وشروطها، ليس مفاجئاً أو مستغرباً، بل هو جزءٌ من عمليّةٍ طويلة مستمرّة منذ أكثر من قرن. المستغرب هو أن لا تحصل هذه الأمور: أن تتوهّم بأنّ «تعايشاً» سيقوم بين أميركا وقوى المقاومة في المنطقة، أو أن عجلة الاستيطان الصهيوني في فلسطين ستتوقّف، أو أنّ تفاهماً خفياً يدير العلاقة بين واشنطن وطهران. هذه مواجهات لم تتوقّف وهي تتطوّر باستمرار، والقوى الفاعلة في المنطقة ــ على الجهتين ــ قد أمضت السنوات الماضية، وهي تستعد لهذه المرحلة الجديدة.

في السياق الأوسع والأشمل، المسألة هي أنّنا كلّنا أبناء منطقةٍ تتعرّض لهجمةٍ غربيّة متواصلة منذ أكثر من قرنٍ ونصف، ليست إسرائيل إلّا وجهاً من وجوهها. وقد مثّلت هذه العمليّة المحدّد الأكبر في مصائرنا ومسار تاريخنا الحديث: هي لم تقرّر فحسب شكل الخرائط وحدود الدول، بل حدّدت أيّاً من بلاد إقليمنا سيتمّ إخضاعه، وأيّاً سيجري عزله وحصاره، وأيّاً سيحظى بالثروة والحماية ويلعب دوراً محدداً في النظام الإقليمي والعالمي ــ وأيّاً سيتمّ تدميره وغزوه وتهجيره. لهذا السبب، لا معنى للتباكي على «التدخّلات» في دولنا، أو التعامل مع السيادة على أنّها شيءٌ كنا نملكه فخسرناه. هذه دولُ لم تملك استقلالها يوماً ما، أو سيادة وقراراً حقيقياً، ونحن في إقليمٍ لم يخرج منذ قرنٍ على الأقل من حالة الدفاع. السيادة هنا، وهي منطلق كلّ شيءٍ آخر، ليست حقّاً بل «مكتسب» عليك أن تحقّقه وتنتزعه وتحميه، وهي لن تأتي إلا عبر مسارٍ طويل من المقاومة والتضحية.
من هنا، إن هيمنت أميركا علينا ولم تبقَ في وجهها قوة تعارضها، أي (بعبارات أخرى) إن هُزم مشروع المقاومة في المنطقة، فأنت ستحصل ــ بالطبع ــ على «صفقة القرن»، بل وعلى ما هو أسوأ من «صفقة القرن». وإن صمدت المقاومة فإنّ الصفقة، ببساطة، لن تمرّ. من جهة، إنّ الكثير من الالتزامات الإسرائيلية في الوثيقة يبدو مكتوباً لكي لا ينفّذ، أو ينفّذ حين تقرّر إسرائيل أنّها تريد ذلك. من جهةٍ أخرى، إيّاك أن تتوهّم أنّ مشروع ترامب، إن تحقّق، سيكون نهاية التوسّع الصهيوني في فلسطين. حين تحصل إسرائيل على الأرض، فهذا لن يعني سوى انطلاق مرحلة الحرب الديموغرافية ضد العرب في فلسطين (فإسرائيل تاريخياً لا تريد الأرض فحسب، بل هي تريدها من غير سكّانها)؛ وهذه أيضاً لا تنفع في وجهها «المقاومة المدنية» والدبلوماسية ووساطات الشيوخ، ومن يمتلك القوّة يقرّر الوقائع على الأرض (ومن يروّج أنّ كلّ ما في الأمر هو أنّ مرحلة «كفاحٍ مسلّح» ستنطوي لتصعد مكانها مرحلة «مقاومة سلمية» ضد الصهيونية، فهو جزءٌ من القوة الناعمة التي تُعِدُّ الشعب الفلسطيني للمرحلة الأخيرة من إبادته).
تجربة لبنان هي مثالٌ على ما نقصد. لبنان اليوم هو بلدٌ قد حرّر أرضه، أو أكثرها، من الاحتلال. وقد يبدو ــ بالحساب العقلاني ــ أنّ لا سبب عند هؤلاء الناس لأن يستمروا بحمل السلاح في وجه إسرائيل، وأن يتعايشوا مع الخطر، ويظلّوا مستعدين على الدوام لحربٍ مدمّرة قد تحلّ في أيّ يوم. قد يعتبر البعض أنّ المسألة تكمن في تفسيراتٍ «غير عقلانية»، كالالتزام بالقضية والتضامن مع فلسطين، أو تاريخٍ من الصراع والثأر، أو الإيديولوجيا والعقيدة، ولكن لماذا لا تنتج هذه الأمور (وكلّ المشاعر والأدعية والتعاطف مع الفلسطينيين، صادقاً وكاذباً) أي مفعولٍ عملي في مكانٍ آخر؟ جلّ المسألة هو أن صراعنا مع إسرائيل ليس صراعاً «موضعياً»، يمكن حلّه بيننا وبين الصهاينة؛ نحن نعرف أنّ إسرائيل هي امتدادٌ للقوّة الأميركية، وطالما أنّك جزءٌ من جبهةٍ ترفض الامتثال لأميركا (مع كلّ ما يستتبعه ذلك الامتثال)، فإنّ إسرائيل ستضربك، وأنت ستكون عدوّاً محارباً لها، سواء احتلّت أرضك أم لم تحتلّها. القضية الأساس هي أميركا، ومن هنا تبدأ الخيارات والسياسة، ولهذا السبب لا يجد الكثير من اللبنانيين، بالفعل، منطقاً في استمرار العداء لإسرائيل والمخاطرة بالمواجهة العسكرية معها، ولا حتّى حين كانت تمكث في أرضنا وتحتلّها. هذا هو المسكوت عنه في السياسة اللبنانية، كالكثير من القضايا المفصلية التي تظلّ طيّ الصمت والنفاق في أوطانٍ غير مكتملة. المعركة الحقيقية للمقاومة في لبنان كانت على الدوام مع أميركا ونظامها العالمي ورجالها في المنطقة، لا مع إسرائيل فحسب. ومثل أي حركة مقاومة في السابق، لو صمدنا حتى النهاية نكون كتبنا تاريخنا بأيدينا، وإن هُزمنا نكون ــ على الأقل ــ قد حققنا انتصارات وتحريراً، وعشنا سنواتٍ من الحرية لن يعرف أكثر الناس معناها ولن يختبروا في حياتهم مثيلاً لها، وتحدّينا أكبر قوّة في العالم.
لهذا السبب ايضاً، في سياقنا، لا وجود لشيء اسمه مقاومة «نصف دوام». إن أثبتت السنوات الماضية أمراً، فهو أنّ من لا يلتزم بالمقاومة ويواجه هذه الأسئلة مسبقاً ويكون مستعدّاً لدفع الثمن، لن يصمد أمام أوّل اختبار ــ والمقاومات تنظيمٌ وقتال، لا هي تغري النخب ولا هي تنافس الإمبراطورية في ميادين الهيمنة والإعلام وشبكات الحلفاء، والحصار الأميركي يشتدّ والأكلاف ترتفع. هذا هو السؤال الأول والحقيقي في السياسة عندنا، وحوله ترتسم خطوط الصداقة والعداوة؛ و من يُظهر بوضوح أنّه قد اختار الجانب الآخر، وهو يلعب دوره الصغير في خدمة الإمبراطورية أفضل ممّن يقول ــ حين تحين الواقعة ونقترب من الحرب ــ إنّه «محايد»، وأن هذه القضايا لا تعنيه، وأن أميركا وإيران سيّان. والاثنان أفضل من ذلك الذي تتلخّص أجندته السياسية في المراقبة والتمنّي سرّاً بأن يفشل خيار المقاومة، فقط لكي لا يشعر بالصغر.

أسباب الحرب
هناك، في رأيي، عاملان أساسيان يمكن أن نفهم عبرهما متغيّرات السلوك الأميركي في المنطقة، وما يعنيه ذلك للمستقبل القريب؛ أحدهما أميركي داخلي، والثاني «بنيوي» يتعلّق بدور الشرق الأوسط في النظام العالمي وحاجة أميركا إليه. عن الدوافع «الداخلية»، وضع المؤرّخ باتريك وايمان مقاربة طريفة لسلوك الرئاسات الأميركية وطموحات ترامب في إقليمٍ مثل الشرق الأوسط. يجب أن نفهم هؤلاء الرؤساء، يقول وايمان، لا باعتبارهم سياسيين عاديين بل باعتبارهم «نخب إمبراطورية»، تتنافس على حظوة المؤسسة والجمهور. كلّ إمبراطورية في التاريخ تنتج ثراءً وسلطةً، والنخب التي تحكم هذه الإمبراطوريات هي على قمّة الهرم. نحن هنا لا نتكلّم على «الإمبراطورية» كمفهوم إيديولوجي، بل بالمعنى التوصيفي البسيط الذي يستخدمه المؤرّخون: قوّة تستخدم توسّعها وسطوتها من أجل تشكيل النظام العالمي على نحوٍ يؤمّن امتيازاتٍ لها فيه ويضمن ازدهارها، وهذا ينطبق على روما كما ينطبق على بريطانيا في القرن التاسع عشر أو أميركا اليوم. النخب الحاكمة للإمبراطوريات، يقول وايمان، يمكن أن تأتي من منابت عديدة: قد تكون وراثية ارستقراطية، عسكرية تثبت نفسها عبر القتال والفتح، تجارية ومالية، أو منتخبة من العموم. في كلّ هذه الحالات، يجب على من يصل إلى دائرة الحكم ــ وهذا جزءٌ أساسي من حياته السياسية ــ أن «يشرّع» نفسه عبر إثبات خدمته للإمبراطورية، وحسن إدارته لها، وضمان استمرار منافعها تحت حكمه. وفي هذا تختلف «النخب الإمبراطورية» وتتنافس.
الانتخابات الأميركية هي، في جانب منها، استعراض لما يقوله وايمان، حيث يصطفّ المرشّحون ويقدّم كل منهم «خطّته» لتنمية الإمبراطورية وخدمة القوة الأميركية. حين يحاول دونالد ترامب أن ينال من خصومه الديموقراطيين، يتّهمهم بأنهم ــ نكاية به ــ يخدمون الإيرانيين ويُضعفون موقف أميركا وسطوتها (فيردّون بأنّهم، هم، من تهمّهم سطوة أميركا فيما ترامب يُزهقها). ومن الأسباب التي قد تجعل بيرني ساندرز، فيما لو وصل إلى الترشيح الديموقراطي، «غير قابلٍ للانتخاب» حقّاً، هو أنه السياسي الوحيد الذي لا يرسم سياسة خارجية «إمبراطورية»، ويعادي العسكرة بشكلٍ حادّ، وهذا سيعرّضه لهجماتٍ عاتية في أي منافسة على المستوى الوطني، ويغرّب عنه أكثر النخب ورؤوس الأموال.

أن يقرّر ترامب اغتيال شخصية بحجم سليماني يعني قبولاً باحتمال حربٍ مع إيران وهو موقفٌ جديد نتيجة مجموعة متغيّراتٍ قد يكون أهمّها النفط الصخري


ماذا يجري في الشرق الأوسط اليوم؟ حين لا تكون شؤون الإمبراطورية على ما يرام، وتظهر خلخلة وبوادر ضعف على التخوم (فلا تتمكن من احتواء صعود الصين، مثلاً، وتبدأ التناقضات مع الحلفاء بالظهور، إلخ)، يستعرض ترامب عبر حملةٍ، أو عبر ضربةٍ في مكانٍ آخر، أقرب إلى المركز، ليقول للناخبين إنّه يصون الإمبراطورية، ويحقّق انتصارات، ويبدّد شكوك المشكّكين. ولكنّ القضية لا تقتصر على عوامل «انتخابية»، فأن يقرّر ترامب اغتيال شخصية بحجم قاسم سليماني، يعني قبولاً باحتمال حربٍ مع إيران، وهو موقفٌ جديد، أحاجج بأنه نتيجة مجموعة متغيّراتٍ قد يكون أهمّها النفط الصخري الذي صار يتدفق بكميات هائلة من الحقول الأميركية. تاريخيّاً، ما يردع أميركا عن حربٍ واسعةٍ في الخليج لم يكن الخوف من هزيمة في حربٍ تقليدية، فلا قوة في العالم تقدر على هزيمة الجيش الأميركي في ميدانٍ مفتوح. الخوف الأميركي كان من توقّف إمدادات النفط في الخليج، وضرب منشآت الإنتاج، وإغلاق المضائق. انقطاعٌ طويل لنفط الخليج لا يعني فحسب اهتزاز الاقتصاد العالمي، بل أزمةٌ خانقة في أميركا نفسها، التي كانت تستورد ــ حتى سنوات قليلة ــ أكثر نفطها من الخارج. اليوم، مع النفط الصخري، هذه الحسابات قد اختلفت. الجديد في النفط الصخري ليس فقط أنه جعل أميركا شبه مكتفية من النفط، بعدما كانت أكبر مستورد في العالم. ميزة النفط الصخري أنه يمكن (على عكس الحقول التقليدية) أن ترفع إنتاجه بشكلٍ كبير، وفي مدّةٍ وجيزة، ما إن يصبح هناك حافزٌ اقتصادي لذلك.
في عقل دولةٍ مثل أميركا ورئيسٍ مثل ترامب، هذا لا يعني فحسب أن أميركا قد أصبحت في «مأمنٍ» من هذه الآثار المباشرة، بل أنّه ــ في حال وقعت الحرب ــ فإن من سيتأذّى حقّاً سيكون الدول المستوردة، حلفاء أميركا وخصومها في أوروبا وآسيا، وستصبح الولايات المتحدة المنتج / الحكم الذي يقرّر من يحصل على النفط وعلى كم سيحصل. هذا لا يعني، بالطبع، أنّ الحرب قد أصبحت سهلة أو غير مكلفة أو مرغوبة بالنسبة إلى واشنطن، ولكنّ حساباتها قد تغيّرت. تزعم «نيويورك تايمز» أنّ ترامب كان يُعِدّ، لو أراد الرد على إيران، هجماتٍ تبدأ بضرباتٍ لقطاع النفط والطاقة في إيران (وهو ما يعني، من دون شكّ، ردٌّ مشابه على الجهة الأخرى من الخليج). في الماضي، كنت تتوقّع أن الرئيس الأميركي، ولو دخل حرباً في الخليج، سيحاول أن يحيّد النفط عن المعركة قدر الإمكان، ولكن ترامب كان ينوي ــ على ما يبدو ــ أن يبدأ الحرب من هنا. هذا يعني أن الشرق الأوسط، والخليج تحديداً، قد يتحوّل بسهولة، من «إقليمٍ محميٍّ»، دوره في المنظومة أن يُعزل وأن يستمرّ في إمداد النفط، إلى ساحة حربٍ ودمار، دوره أن يثبّت الهيمنة الأميركية عبر القوّة العسكرية ــ أو «التراكم عبر التدمير» بتعبير الاقتصادي علي القادري ــ وهذا يغيّر كلّ شيء.

الثأر والردع
عندي اعتقادٌ بأنّ الأميركيين لم يكونوا يعرفون بوجود الشهيد أبو مهدي المهندس في الموكب، حين نفّذوا الضربة (الشهيد سليماني وصل بغداد علناً من مطارها الدولي، ودخل بجوازه الدبلوماسي)، وأنّ هذا سيكلّفهم أكثر ممّا راهنوا عليه. العراق هو الوزن الأكبر الذي سيقرّر مصير المنطقة وموقع أميركا فيها، وأميركا قتلت قائد المقاومة في العراق. البعض لا يعرف أحداث ما بعد عام 2003 (التي خلّفت العراق الحالي)، إلّا عبر كليشيهات تبسيطية، وهو لذلك لا يفهم كيف خرجت أميركا من العراق أوّل مرّة، ولماذا تخلّت عن أغلب رجالها فيها، وقبلت بانسحاب (على خلاف أيّ بلدٍ ثانٍ «زارته») من غير قواعد وقوّات في البلد وتنازلات سيادية، أو يظنّ أن ذلك قد حصل برغبة واشنطن وإرادتها. المواجهة الثانية لن تقلّ مصيريّة، وواهمٌ من يعتقد بأنّ في وسعك إصلاح النظام في بلدك وبناء دولة وصنع شيءٍ حقيقي، فيما أميركا تمكث في وسطك وتخترق بلادك ومؤسساتك ومجتمعك. الشيء الوحيد الذي يوصلك هذا النهج إليه، هو الفساد والشلل والحرب الأهلية. وإدارة ترامب هدّدت بشكل شبه علني بأنّها ستعمل ــ إن وقف العراقيون ضدّها ــ على تقسيم البلد ورعاية الانفصال وتخريب ما تبقّى (حين سرت شائعات بأن أميركا قرّرت سحب قوّاتها بشكلٍ مفاجئ من العراق، ظننت بأنّ ترامب يقوم ــ حقّاً ــ بضربة ذكاء. فقوّة أميركا في العراق لا تقوم على خمسة آلاف جندي وبضع قواعد، بل على نفوذ سياسي وأمني وإعلامي يفوق ذلك بكثير).
العبرة هي في النتائج، والنتائج تقاس بالسنوات لا بضربةٍ هنا أو بإسقاط طائرةٍ هناك. أن تنظر إلى الخلف، وتقول أين كانت قوى المقاومة في هذه المنطقة منذ خمسة عشر عاماً وأين أصبحت اليوم، وكيف حال مشاريعها ووكلائها؟ ومن يقِس المواجهة بيننا وبين أميركا بمقاييس ألعاب الفيديو («كم جندي من هنا مقابل كم جندي من هناك») لا يعرف سياق المقاومة ضدّ القوى العظمى، وشروطها وخسائرها، وماذا عليك أن تبذل حتى تراكم المكاسب والمنعة. أكثر قادة المقاومة سقطوا شهداء؛ الثأر لراغب حرب كان الكفاح المسلّح الطويل، والثأر لعباس الموسوي كان تحرير الجنوب، والثأر لعماد مغنيّة لم يأتِ بعد. حين يغتالون شهيداً، فهو يتحوّل ــ ببساطة ــ إلى رمز، ولكن قتل القادة لا يقتل المقاومة. الغريب هو أنّه، بعد كل هذه السنوات وهذه المعارك، لا يزال البعض يتعامل مع «حزب الله» أو «الحرس الثوري» كأنّه فرقة صوفيّة، وليس مؤسّسة عسكرية حديثة، يستشهد قائد فيها فيحلّ آخر في موقعه (في الواقع، وبالمعنى العملي والتنظيمي والرمزي، فإنّ الشهيد المهندس، قبل سليماني، هو من قد يستحيل استبداله).
لدى حسن الخلف نظريّة بأنّه، منذ عام 1979، أصبحت إيران هي الموضوع السياسي المركزي في المنطقة. حتّى فلسطين أخذت مرتبةً ثانية، وانزاحت الحروب الكلاسيكية الكبيرة ــ منذ أواخر السبعينيات ــ من منطقة «دول المواجهة» إلى «شرق الإقليم»: إيران والعراق والخليج واليمن. إسرائيل، على أهميتها الفائقة بالنسبة إلى أميركا، ليست إلّا بلداً واحداً، فيما إيران أصبحت «غولاً» يتحدّاها في كامل غرب آسيا، ويدعم جيوشاً وحركات مسلّحة في دول عديدة. في وسعك اليوم أن تزعم أنّك «مع فلسطين» والفلسطينيين، وأن تعمل في الوقت ذاته مع وكلاء أميركا ولا تشعر بأيّ تناقض، ولكن إيران هي الموضوع الذي ليس فيه تهاون واجتهادات. الفرز سيزداد والصراع الذي ابتدأ منذ عقودٍ طويلة دخل عاماً حاسماً. أميركا تملك في وجهنا أدوات ووسائل تهديدٍ كثيرة، ونهج الإمبراطورية يزداد عنفاً، ولكنّ الأكيد هو أن كسب الصراعات التاريخية و«الردع»، يكون عبر تغيير موازين القوى وليس عبر اغتيالِ رجالٍ مثل قاسم سليماني أو تهديدهم بالموت؛ رجالٌ يكتبون وصاياهم وهم بعد في ريعان الشباب، تكون أكبر أحزانهم في الحياة أنّ رفاقهم استشهدوا وهم لا يزالون بيننا، وخوفهم هو أن يشيخوا بعد كلّ هذه المعارك ويصيبهم الموت في سريرهم.