القطاع المصرفي، الذي برز يوماً مثالاً للتنظيم الإداري ورمزاً للتطوير التكنولوجي، بات اليوم في وضع لا يُحسد عليه، بعدما فقَد مكانته واهتزت سمعته، بسبب الارتباك السائد في قراراته والجور الظاهر في ممارساته. وهذا القطاع، الذي استفاد من أموال المودعين في مراكمة ثرواته، وأصبح أصحابه عنواناً للنجاح والتقدم في المنطقة العربية، بات اليوم يسجّل الإخفاق تلو الآخر، سواء على جبهة الاقتصاد الوطني، أم على جبهة الجمهور. وإذا كانت الدولة تؤثر المناورة مع جهة ترفض الانصياع لها أو لطلباتها، فإنّ الجمهور لم يعد قادراً أو راغباً في تحمّل المزيد من التجارب، بعدما خسر الكثير من جراء ثقته بالمصارف التي تهاونت في أمواله، وتصرّفت فيها، بشكل أدى إلى هدر قسم كبير منها، وتجميد المتبقّي ورهنه بمزاجيات وتعاميم لا يلتزم بها أحد. وأبلغ مثال على ذلك، ما يجري لدى حفنة من الصيارفة. هؤلاء يحدّدون سعر صرف الليرة بدلاً من الدولة ومؤسساتها، وفي طليعتها البنك المركزي، الذي يقف عاجزاً تماماً عن تقرير سعر الصرف، بعدما كان بكلمة منه ينصاع له الجميع، سواء كانوا صيارفة أم مصرفيين.

ما أصاب المصارف اللبنانية من فوضى وضعف وعجز عن الاستجابة، أصاب البنك المركزي الذي تحكمه سلطة منفردة، وقد غابت عنه المؤسسات أو غُيبت قسراً لغرض في نفس يعقوب. وقد تجلّى ذلك في قرارات ملتبسة، اتخذتها هذه السلطة، خدمت الأثرياء والمصرفيين وكبار السياسيين وخذلت مجموع المواطنين. لقد ساعدت هذه السلطة المنفردة، المجموعة الحاكمة على تحويل أموالها وتهريبها إلى الخارج من دون أن يرفّ لها جفن، وكأنّ مهمتها الخضوع للنفوذ المالي والسياسي، وليس التقيّد بقانون النقد والتسليف وتأدية الأمانة لأصحابها، فيما تشدّدت و«تمرجلت» على المواطنين، وحجزت أموالهم وأذلّتهم على أبوابها.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تعيش فيها البلاد والعالم، ارتضى الناس، على مضض، تلك التدابير الظالمة بحقهم، علّهم يحصلون على جزء من أموالهم يكفل لهم السترة ولقمة العيش. ولكن سرعان ما انهالت مطرقة المصارف على رؤوسهم، في ظل سكوت الحكومة و«تعاون» البنك المركزي المفترض به حماية الاستقرار النقدي. تلك الأسطورة التي تذرّع بها، طيلة المرحلة الماضية، لتسريب المال العام، ومن ثمّ المال الخاص، إلى جيوب الأثرياء، عبر فوائد مرتفعة طالما احتجّ عليها الجمهور والخبراء، وطالبوا بتخفيضها وكسر نيرها المثبّت على عنق الاقتصاد الوطني.

ما هي حاجتنا بعد كل الذي جرى إلى حاكم ناجح في المدار الإعلامي وفاشل في الميدان النقدي؟


إنّ الفوضى العارمة التي يعيشها البنك المركزي، كما المصارف التجارية اليوم، والتي أدت إلى تجريد الناس من قسم كبير من أموالهم وحقوقهم، وجعلت أهلنا وطلّابنا في الخارج ينزفون و"يتبهدلون"، هذه الفوضى لا يمكن أن نعزوها إلى الانتفاضة الشعبية أو فيروس «كورونا»؛ فالأزمة سابقة لهما وتصاعدت بسببهما من دون أن تُكلّف السلطة ـــ الشريكة في مسؤولية الانهيار ـــ نفسها مهمّة تعيين الهيئات المنتهية صلاحياتها، خصوصاً في البنك المركزي الذي يتحوّل من دونها إلى إقطاع شخصي، يرفض الاستجابة لأبسط طلبات الحكومة، العاجزة بدورها عن استرداد صلاحياتها وأموالها من براثن الطبقة الحاكمة. عذرٌ أقبح من ذنب، انبهار الحكومة بالهالة المصطنعة ــــ التي بناها إعلام مستفيد ــــ للحاكم الذي ذهب بعيداً في هندساته وتسليفاته وتوظيفاته التي يعرفها الناس، وتتداولها الحكومة من دون أن تتجرّأ على مساءلته عنها، علماً بأنّ واحدة منها تكفي لملء جزء من الصندوق الفارغ.
وبعد كل ما جرى، ما هي حاجتنا إلى حاكم أو مسؤول يرفض الشفافية، ويرفض تسليم السلطة العليا في البلاد، الأرقام الدقيقة التي طلبتها؟! ما هي حاجتنا، بعد كل الذي جرى، إلى حاكم يرفض مبدأ المساواة، ويقدّم تسليفات لهذه الجهة أو لهذا الشخص بمستوى 2 في المئة، ويقدّم في المقابل تسليفات لجهة أخرى أو لشخص آخر بمستوى 8 في المئة؟! وما هي حاجتنا إلى حاكم لم يقف مرة واحدة في وجه الفوائد المرتفعة، مع علمه بالنتائج الكارثية لهذه الفوائد على حركة الاقتصاد؟ لا بل ما هي حاجتنا، بعد كل الذي جرى، إلى حاكم ناجح في المدار الإعلامي، وفاشل في الميدان النقدي، تسبّب مع شركائه في السلطة السياسية بأكبر أزمة في تاريخ لبنان الاقتصادي؟
إنّ الحكومة أمام امتحان مصيري، لأنها أتت للتغيير والإصلاح والإنقاذ، وليس للترقيع والتستّر وتبويس اللحى. فإما أن تكون هذه الحكومة هي السلطة العليا في البلاد، وتقوم بعملية تغيير شاملة في البنك المركزي، وسواه من المؤسسات، وتعيّن الأكفّاء الأنقياء الذين تزخر بهم البلاد، وإما أن تكون حكومة بين الحكومات الكثيرة التي تضج منها البلاد.

* وزير سابق